تقدّم ليروي بتمايل معتاد، و سأل بنبرةٍ خفيفة لا حدود لها كعادته.
شعرت فانيسا بإحساس مألوف من كلامه. ثمّ تذكّرت فجأة:
لقد سمعتُ نفس الكلام في زنزانة تيريفرون تحت الأرض.
“ها….”
ضحكت باستسلام و حدّقت في ليروي بنظرة باردة.
كيف نجوتُ من هذا الشيطان؟ و الآن أجد نفسي مرّة أخرى تحت نظرته العنيفة القاسية!
“جئتُ شخصيًّا لأستردّ ملكتي. وغد وضيع عديم الأصل سرق زوجتي.”
“اخرس، ليروي.”
ردّت فانيسا بحدّة على كلامه المهين ليورغن. لم تخفِ احتقارها و كرهها لهذا الرجل أمامها.
ابتسم ليروي بلا مبالاة، كأنّه توقّع ردّ فعلها، و قال بنبرةٍ تتظاهر بالتسامح:
“ما زلتِ لم تُروّضي بعد. لا تقلقي، فانيسا. هذه المرّة سأروّضكِ جيّدًا.”
“…….”
ارتجفت فانيسا من الغضب، و قبضت يديها بقوّة. في تيريفرون، كان ترويض ليروي لها يعني العنف الجسديّ و إيذائها.
عندما أدرك أنّ التعذيب النفسيّ لا يؤثّر فيها، غيّر أسلوبه.
كان يركلها، يلكمها، و يجلدها بالسوط دون تردّد.
بعد ذلك، كانت تُحبس أيّامًا في زنزانة بلا نوافذ أو في سجن تحت الأرض.
عاشت حينها حياة لا تختلف عن حياة الحيوانات. كانت تريد الانتقام من ليروي، بل من ديكلان، لكنها كانت عاجزة تمامًا، فكان شعورها بالغضب يتراكم فقط.
ثمّ حُكم على تيريفرون بأمر الإمبراطور، و قتل ليروي، و تحرّرتُ من جانبه___
اعتقدت أنّ الأمر انتهى حقًّا، و أنها حرّة أخيرًا.
لكنّ هذا الوغد اللعين عاد إلى الحياة.
“فانيسا، أنتِ أيضًا من العائلة الملكيّة، يجب أن تختاري زوجًا يليق بكِ. كيف تزوّجتِ من هذا الوغد غير الشرعيّ و الذي كان عبدًا؟ حقًّا، لا أصدّق.”
لم يبدِ يورغن أيّ ردّ فعل على الإهانة الموجهة نحوه. حدّق في ليروي بهدوء بوجه غير مبالٍ. أمّا الغضب و الصراخ فكان من نصيب غارسيا و باقي الفرسان.
أمّا الإمبراطور، فظلّ واقفًا بجانب أورغيلمير يراقب هذا المشهد الدراميّ الهزليّ بهدوء.
“هل وقعتِ في حبّه حقًّا؟ فانيسا لوينغرين المتكبّرة؟”
اعتقد ليروي أنّ سبب عدم حبّ فانيسا له كزوج هو كبرياؤها القويّ.
لذلك حاول سحقها و ترويضها. عندما تدرك أنّها ملكه فقط، ستخضع أخيرًا.
بالطبع، كان ذلك كلّه وهم ليروي.
ابتسمت فانيسا ببرودة، و شوّهت شفتيها:
“نعم. على عكسكَ، هو الشخص الذي أحبّه و أعتزّ به حقًّا في هذا العالم.”
“.…ماذا؟”
فتح ليروي عينيه على وسعهما كأنّه سمع شيئًا لا يُصدَّق. بدا مصدومًا حقًّا، فضحكت فانيسا بصوت عالٍ ثمّ وجّهت له الطعنة بوضوح:
“يورغن دريك هو الشخص الذي أحبّه أكثر من أيّ أحد في العالم، و أنتَ مجرّد وغد يجب قتله لا محالة.”
تشوّه وجه ليروي. حدّق في فانيسا و في يورغن بجانبها بنظرة قاتلة.
“كيف تجرئين….؟”
زمجر كوحش غاضب، و تصاعد السمّ من عينيه. اختفت أيّة لمحة من الترحيب في صوته، و بقي العداء فقط:
“ساسكيا.”
“نعم، جلالة الملك.”
“لا داعي لإضاعة المزيد من الوقت. اقتليهم جميعًا. اتركي فانيسا فقط.”
“سأنفّذ الأمر.”
مع تغيّر الجوّ إلى الأسوأ، مال أورغيلمير رأسه الضخم متعجّبًا. بالنّسبة لتنّين لا يفهم شؤون البشر، بدا كلّ هذا كلعبة.
لذلك، عندما بدأ الأموات الذين تسيطر عليهم ساسكيا في مهاجمة مجموعة فانيسا، فرح أورغيلمير بهذه “اللعبة” و هزّ جسده.
“لا تقتربوا من التنّين!”
صرخ يورغن و هو يواجه الأموات المتدفّقين. بسبب حجم أورغيلمير الضخم، كانت أيّ حركة صغيرة منه تسبّب زلزالًا و تشقّق الأرض حوله.
بدت حركات البشر و هم يهربون من طريقه لعبة أخرى في نظره، فانحنى بعينيه مبتسمًا.
“اللعنة، إنه مزعج.”
تمتم غارسيا و هو يقطع رأس أحد الأموات المهاجمين.
في الحقيقة، لم يكن الأموات مشكلة كبيرة. مهما كان عددهم، لم يكونوا خصومًا ليورغن – خاصّة للإمبراطور الذي يملك بركة الشمس. يكفي حرقهم.
المشكلة كانت أورغيلمير.
حركات التنّين الضخم في المكان الضيّق تجعل الأرض تهتزّ، فلا يمكن الحفاظ على التوازن.
“هل يمكن التحدّث مع هذا التنّين؟”
“لا أظنّ….”
أجابت فانيسا بتشاؤم على سؤال غارسيا. لا يُنتظر من كائن غير بشريّ أن يتبع العقل البشريّ.
طق!
ضرب أورغيلمير الأرض بذيله بحماس. مجرّد فعله لذلك جعل الأرض تهتزّ بقوّة حتّى ترنّح غارسيا.
بالطبع، كادت فانيسا تسقط إلى الأمام. أمسكها يورغن بسرعة، و في تلك اللحظة حاول أحد الأموات مهاجمة ظهره.
لكنّ اللهب القرمزيّ اشتعل فجأة، فاحترق الزومبي و تحوّل إلى رماد.
“احذر.”
قال الإمبراطور مبتسمًا بعد أن أحرق الزومبي ببركة الشمس و النار.
كانت النيران الساخنة تحيط به، تحمي الحلفاء و تحرق الأعداء فقط.
بفضل ذلك، كان الوضع لصالحهم تمامًا.
النار قاتلة للأموات.
“اللعنة….”
لم يستطع ليروي التقدّم، فاختبأ خلف ساسكيا و عضّ شفتيه. كان يريد قتل يورغن دريك بوحشيّة أمام فانيسا، لكنّه لم يملك القدرة على ذلك.
عاد إلى الحياة بجسد لا يموت بسهولة و قوّة تفوق الأشخاص العاديّين، لكنّ هذا كل ما في الأمر.
اللعنة، أولئك المفضّلون من الحكام يثيرون حقده القديم.
قطع يورغن دريك رأس أحد الأموات – أخيه غير الشقيق السابق – بلا تعبير.
وجهه البارد المتجمّد كان يثير الرعب.
في تلك اللحظة، شعر ليروي برفض غريزيّ. لم يرد الاعتراف أنّه يخاف يورغن، و لا أن يصبح الخاسر في مواجهته.
نعم، لذلك___
يجب أن يجعل هذا العالم جحيمًا لينتصر.
لا يمكنه السماح بفقدان ما يملكه، فانيسا، لذلك الرجل. فانيسا يجب أن تكون ملكه من البداية إلى النهاية.
“……ساسكيا.”
“نعم، أيها الملك.”
“نفّذي الخطّة الثانية.”
“حسنًا.”
لحسن الحظّ، كان لديه تابع مخلص يطيع كلّ أمره. كان ليروي يعرف جيّدًا لماذا تتصرّف ساسكيا بهذا الإخلاص الأعمى تجاهه.
منذُ زمن بعيد، عندما أخذها، كانت تعاني من أذى نفسيّ شديد. لم تتفاعل مع أحد إلّا مع ليروي.
عندما تفقد ساسكيا صوابها أحيانًا، كانت تخطئه بشخصٍ آخر و تناديه — “غارسيا”.
‘نعم، ذلك الفارس….’
حدّق ليروي في الفارس الأشقر الذي يحمي فانيسا. اسمه أيضًا “غارسيا”.
و ربّما__
‘هو شقيقها الضائع.’
أصبحت ساسكيا مخلصة لليروي لأنّها تخطئ في كونه أخاها.
حتّى مع فقدانها لذاكرتها، كانت مليئة بالرغبة في حماية أخيها، و عند رؤية ليروي في سنّ قريبة من غارسيا، انطلقت تلكَ الرغبة بقوّة نحوه.
اتّجهت المشاعر التي كان يجب أن تكون لغارسيا الحقيقيّ نحو ليروي بالخطأ. هذا هو سبب هوسها غير الطبيعيّ به.
تطاير شعر أبيض ناصع.
تقدّمت ساسكيا نحو أورغيلمير.
راقب تنّين الجليد تصرّفاتها بهدوء لا يليق بسمعته السيّئة.
سخر ليروي من الوضع.
كائن غبيّ كهذا هو الكارثة……على أيّ حال، القوّة التي يملكها هذا الزاحف الغبيّ ستجلب له النصر.
بجعل العالم كلّه مغطّى بالشتاء.
تصاعدت قوّة سوداء من أطراف أصابع ساسكيا. رفعت بركة الموت بكامل قوتها و صبّتها على أورغيلمير.
اتّسعت حدقتا التنّين، ثمّ انتفخ جسده و أطلق زئيرًا و بدأ يثور.
“ما، ما هذا؟ لماذا فجأة هكذا؟”
“ما الذي فعلته تلك الساحرة….؟”
“آه! اح، احذروا!”
كان أورغيلمير يتحرّك بحذر حتّى لا يؤذي البشر، معتبرًا إيّاهم جزءًا من اللعبة، لكنّه الآن فقد عقله تمامًا و ضرب الأرض بمخالبه الضخمة في كلّ اتّجاه.
ابتسم ليروي بخبث لرؤية الخطّة تنجح.
قوّة أورغيلمير و موريسينا متشابهة و لكنها مختلفة في الوقت نفسه. كلتاهما بركة الموت، لكنّ موريسينا تنتمي إلى النظام و تشرف على الدورة، أمّا أورغيلمير فينتمي إلى الفوضى و يشرف على النهاية الكاملة، أي الزوال.
لذلك، عند تعرّض أورغيلمير لقوّة موريسينا المتشابهة و المختلفة، يفقد عقله.
في التجربة السابقة، استخدمت كمّية صغيرة فقط ففقد السيطرة قليلًا ثمّ هدأ، لكن الآن اختلف الوضع.
هذه المرّة، ستفصل عقل أورغيلمير تمامًا و تجعله يحطّم العشّ و يطير.
كوكوكونغ!
“العشّ ينهار!”
“جلالتكَ! يجب علينا الإخلاء!”
ضحك ليروي بفم مفتوح و هو يشاهد ارتباكهم.
كان هذا أسعد شعور يشعر به منذُ عودته إلى الحياة.
صرخ موجّهًا التحدّي نحو فانيسا المحميّة من يورغن:
“مهما حصلتِ على بركة الحاكم، فأنتِ لا تستطيعين فعل شيء في هذا الوضع، فانيسا!”
حدّقت فيه فانيسا بعضّ على أسنانها، فضحك عليها بكلّ ما أوتي من قوّة.
نعم، هكذا بالضبط___
عندما سمع أنّ فانيسا حصلت على بركة، صُدم جدًّا، لكن رؤيتها عاجزة رغمَ قوتها العظيمة أثبتت أنّها لا شيء. مجرّد امرأة.
نظر إليها ليروي بنظرة خبيثة و رطّب شفتيه. قريبًا سيضعها في قبضته و يروّضها حسب رغبته.
اهتزّت جدران الجليد و السقف كأنّ زلزال يحدث.
بدأ العشّ ينهار تدريجيًّا، و بدأ أورغيلمير يبسط جناحيه ليطير.
كان طيران نهاية العالم على وشكِ التحقّق.
لكنّ ما لم يتوقّعه أحد حدث عندما رفع أورغيلمير رأسه و أطلق عواءً نحو السماء.
“……ما هذا؟”
توقّف ليروي مذهولًا و ضيّق حاجبيه و حدّق في فانيسا.
كانت حالتها غريبة.
تحولت حدقتاها إلى اللون الأبيض تمامًا، و بدأ ضوء أبيض ثلجيّ ينبعث من جسدها كلّه.
“ما هذا، ما الذي يحدث….؟”
نظر إلى جانبه طالبًا تفسيرًا، فرأى ساسكيا –التي نادرًا ما تُصاب بالصدمة – متجمّدة بتعبير مذهول.
في تلك اللحظة، أدرك ليروي أنّ شيئًا ما قد سار على نحوٍ خاطئ تمامًا.
ثمّ ظهرت هالة دائريّة فوق رأس فانيسا.
تلك الهالة كانت تحمل نورًا أبيض مقدسًا، و تتلألأ كنجم يضيء بنفسه.
التعليقات لهذا الفصل " 109"