استيقظ أورغيلمير من سباته، لكنّه لم يبدأ نشاطه الفعليّ بعد.
حسب السجلات، يُعاد أورغيلمير إلى النشاط بعد استيقاظه بدقّة بعد تسعة و أربعين يومًا.
في ذلك الوقت، يحطّم عشّه و يبسط جناحيه الضخمين و يطير، مانحًا العالم كلّه بردًا قارسًا.
“يجب أن نعيده إلى النوم بسرعة قبل أن يحدث ذلك. إذا فشلنا، فستكون تلكَ نهاية العالم حقًّا.”
قال الإمبراطور بهدوء و هو يدخل العشّ. شعرت فانيسا بالغيظ من هدوئه و لامبالاته.
كانت هي تموت قلقًا…… أمّا الإمبراطور فيبدو كأنّه يعيش في عالم منفصل، هادئًا تمامًا.
كان داخل العشّ المصنوع كلّه من الجليد باردًا جدًّا. الخارج بارد أيضًا، لكنّ هذا المكان كان مختلفًا تمامًا.
ارتجفت فانيسا، ثمّ غمرت جسدها ببركة الحياة. و فعلت الشيء نفسه مع يورغن و غارسيا و الباقين الذين جاؤوا معهم.
دخل العشّ عدد قليل فقط. الطريق ضيّق، و إذا دخل الكثيرون دفعة واحدة، قد يلاحظ أورغيلمير الأمر.
فكّرت فانيسا أنّ ساسكيا و ليروي ربّما يختبئان هنا. حتّى لو قاما بالهجوم فجأة، لديهم ثلاثة مستخدمي من البركة ، فسيتمكّنون من التعامل معهما بسهولة….
لكن لماذا؟ لماذا هذا الشعور السيّئ مستمر؟
“أه؟ أليس ذلك…؟”
بعد حوالي عشر دقائق من دخول العشّ، أشار غارسيا إلى جسم ضخم يظهر من بعيد أمامهم.
في اللّحظة التي أدركت فيها فانيسا ماهية ذلك الشيء، شهقت دون وعي.
قشور زرقاء لامعة. جسم هائل و مخالب حادّة. أجنحة شفّافة نصف مطويّة تغطي الظهر. الرأس مخفيّ خلف عمود جليديّ في العشّ.
أورغيلمير…… تمتمت فانيسا اسمه بصمت.
وووووووـ
فجأة اهتزّ الفضاء كلّه، و بدأ الكائن ينهض ببطء. تراجعت فانيسا خطوة إلى الخلف انعكاسيًّا، فأمسك يورغن كتفها ليدعمها.
دار أورغيلمير رأسه نحوهم و نظر إليهم. عيناه الحمراوان كانتا كالياقوت الدمويّ الداكن، و حدقتاه الرفيعتان مشقوقتان رأسيًّا.
في اللّحظة التي التقت فيها أعينهما، تجمّدت فانيسا تمامًا.
كان ذلك كائنًا يحمل رعب العصور القديمة. رعب محفور في خلايا الإنسان.
احذري، إنه خطير، اهربي.
صاحت كلّ خلية في جسد فانيسا محذّرة إياها.
ارتفع صدر فانيسا المتوتّر بقوّة و انخفض. أخرجت نفسًا من فمها دون وعي، فخرج صوت يشبه التنهيدة.
ثمّ حدث ما أذهل فانيسا.
[…….]
“……!”
تواصل بشكلٍ مذهل بنفس طريقة الحكام. لغة بدائيّة لا تعتمد على الكلام.
صوت يتردّد داخل الرأس.
نظرت فانيسا بتجمّد إلى ذلك الكائن، إلى التنّين القديم. الكائن الذي يثير الرعب و الرفض الغريزيّ كان___
[…….]
يرحّب بهم.
أمر لم يخطر ببالها أبدًا.
حرّكت فانيسا شفتيها مذهولة.
بدا أورغيلمير… كطفل صغير.
[….…]
مَنٔ أنتم؟ تعالوا، لنلعب معًا. أنا سعيد جدًّا لأنّ لديّ أصدقاء للعب.
صوت بريء يهمس.
صوت نقيّ و صافٍ ينزع السلاح من الخصم. لا يتناسب إطلاقًا مع مظهره المرعب.
تنفّست فانيسا بصعوبة و هي تغرق في شعور لا يوصف.
“ما…. ما الذي يقوله الآن؟”
سأل غارسيا بصوتٍ مذهول. لم يكن هو فقط، بل الجميع بدا مرتبكًا.
كان يورغن يحدّق في أورغيلمير بعبوس خفيف.
“يقول لنلعب معًا؟ هل فهمتُ ذلك بشكل صحيح؟”
“……نعم.”
تنهّدت فانيسا و نظرت إلى أورغيلمير بعناية.
رغم أنّ الوضع مختلف عمّا توقّعته، إلّا أنّها لم تخفض حذرها.
نظر تنّين الجليد إليها و ابتسم بعينين منحنيتين. تصرّف كحيوان يتدلّل ، ففقدت فانيسا قدرتها على الكلام.
لم تجد أيّ عداء فيه.
يقال إنّ أورغيلمير هبط إلى الأرض في العصور القديمة مطاردًا آثار الحكام. لم يُذكر السّبب في أيّ مكان.
فكّرت فانيسا فجأة :
ربّما جاء أورغيلمير إلى هذا العالم متّبعًا الحكام… لأنّه كان وحيدًا فقط.
و الحكام لم يقتلوه فورًا، بل اختاروا إعادته إلى النوم… لأنّهم لم يستطيعوا قتل كائن جاء فقط لأنّه وحيد.
لكنّ أورغيلمير كائن فوضى لا ينتمي إلى النظام ، يدمّر كلّ شيء فقط.
لذلك ، على عكس الحكام ، كانت صفاته شرًّا مطلقًا، و بذرة كارثة يجب إزالتها قبل أن تدمّر العالم كلّه.
“…….”
شعرت فانيسا فجأة بالشفقة عليه.
مظهره مرعب فقط، لكنّ تصرّفاته تشبه قطًّا كبيرًا، بريء و طفوليّ.
يرحّب بالغزاة الذين جاؤوا لإعادته إلى النوم بدلًا من الحذر، و يفرح بهم…. هذا الزاحف الضخم سيواجه يومًا ما موتًا وحيدًا….
شعرت ببعض الحزن تجاهه.
“ما رأيكَ؟ يورغن. هل تشعر أنّ فيوس على وشكِ التجسّد؟”
سأل الإمبراطور يورغن فجأة. كأنّه يسأل عما سيتناولونه على العشاء. عبس يورغن و هو يحدّق في أورغيلمير و أجاب:
“لا أشعر بأيّ إشارة.”
“حقًّا؟ غريب… الحكام لن يفوّتوا مثل هذه الفرصة.”
تمتم الإمبراطور ثمّ أضاف: “لنقترب إذن.” و تقدّم نحو أورغيلمير بخطوات واثقة.
رفع التنّين الضخم رأسه الذي كان مستندًا على مخالبه قليلًا، و بدا سعيدًا بوضوح. ذيله الذي يظهر من الخلف كان يهتزّ يمينًا و يسارًا، تمامًا كأنه… كلب.
‘لا أصدق أن كائنًا كهذا هو الكارثة….’
وصلت فانيسا إلى درجة الذهول أكثر من الخوف، فتبعت الإمبراطور. التصق يورغن و غارسيا بها عن كثب.
سرعان ما وقفوا أمام الجسم الأزرق الضخم.
بدا أورغيلمير سعيدًا جدًّا لأنّ الغزاة اهتمّوا به. عند رؤية عينيه اللامعتين، غرقت فانيسا في شعور أغرب.
هو الذي يجمّد أرض الجليد، و يجعل وحوش الجليد تظهر ليهدّد البشريّة، و ربّما يجمّد العالم كلّه يومًا___
و مع ذلك، استمرّ شعور الشفقة في الظهور داخلها ، مما أزعجها.
“عند النظر إليه من مسافة قريبة، يبدو غبيًّا نوعًا ما.”
“…….”
فوجئت فانيسا من كلام الإمبراطور، فنظرت إليه.
هل يجوز قول ذلك؟
نظرت إلى أورغيلمير، فكان يرمش بعينيه بهدوء فقط.
“على أيّ حال، يجب إعادته إلى النوم.”
قال الإمبراطور و هو يداعب أنف أورغيلمير الواسع دون تردّد. انتفضت فانيسا مذهولة.
تفاجأ الآخرون أيضًا. أما يورغن ، فقد عبس فقط.
بدا أورغيلمير سعيدًا بالمداعبة، فأصدر صوتًا كخرخرة القطط.
تذكّرت فانيسا القط مارشميلو في منزل جوانا.
هو مختلف في الحجم و الشكل فقط، لكنّ التصرّفات متطابقة.
“و مع ذلك، لا أشعر بأيّ إشارة من الحكام، غريب.”
تمتم الإمبراطور بهدوء، و عندما كان على وشك سحب يده من أورغيلمير،
نهض التنّين الضخم فجأة و نظر إلى الخلف. تبعت أعين فانيسا و الآخرين الاتّجاه نفسه.
شعروا بعشرات، بل أكثر، من الوجود.
شيء ما كان يقترب نحوهم.
بعد قليل، سمعوا عواءً غريبًا يشبه عواء حيوان، لكنّه صوت بشريّ بلا شكّ.
أمسك فانيسا و الآخرون و الجنود الذين تبعوهم أسلحتهم بتوتر شديد.
سال عرق بارد على يد فانيسا التي شدّت وتر القوس.
سرعان ما ظهرت أشكال بشريّة كثيرة من الظلام المقابل. تقدّموا ببطء و هم يلوّحون بأذرعهم أو يهزّون رؤوسهم.
[..…]
قال أورغيلمير إنّهم أصدقاء جاؤوا قبلهم.
نظرت فانيسا إليه مذهولة.
هل يدعو هؤلاء الأشخاص بأصدقاء؟
“….كنت أتساءل ما الذي يخطّطون له.”
تمتم يورغن بهدوء. كانت عيناه الذهبيّتان تتوهّجان ببريق ساطع. بدا أنّه رأى شيئًا ببركة فيوس.
“أولئك…. كلّهم جثث، أليس كذلك؟”
سأل غارسيا بعبوس. كان وجهه مليئًا بالاشمئزاز.
“إنهم أموات.”
“.…أموات أُعيدوا إلى الحياة بقوّة أورغيلمير؟ لكن….”
قبل عشر سنوات فقط، كانت الجبهة الشماليّة تشهد ظهورًا مستمرًّا للأموات إلى جانب وحوش الجليد.
لأنّ والد يورغن، دوق دريك السابق، أمر بترك جثث القتلى في الجبهة الشماليّة دون دفن.
تأثّرت تلكَ الجثث بقوّة الشتاء فتحوّلت إلى أموات متحركة.
لكن منذُ أن تولّى يورغن منصب الدوق، تمّ جمع كلّ الجثث ، فتوقّف ظهورها.
لذلك كان الأمر مشكوكًا فيه. عبس غارسيا و نظر إلى الأموات.
لا يمكن أن تكون هناك جثث لم تُجمع في الجبهة الشماليّة.
إذن هؤلاء__
“أحدهم أعادهم إلى الحياة بطقس إحياء الأموات.”
“أحدهم… هذا يعني….”
في تلك اللحظة، خطر وجه واحد فقط في بال غارسيا.
حينها نسي كيف يتنفس للحظة.
نظر يورغن إلى وجهه الشاحب بعناية، ثمّ شعر فجأة بوجود آخر، فحدّق بين الأموات و قال:
“….يبدو أنّهم على وشك الظهور.”
انشقّ الأموات جانبًا ليفسحوا الطريق. ظهرت من بينهم أردية قرمزيّة ترفرف. و خلفها ظلّ رماديّ.
ليروي تيريفرون، و ساسكيا.
……لا، فيني.
في اللّحظة التي التقت فيها عيناها السوداوان الباردتان بعينيه، انتشر ألم حادّ كالطعنة في صدر غارسيا.
التعليقات لهذا الفصل " 108"