مع أمر يورغن، أمسك الجنود أسلحتهم و حدّقوا إلى الأمام.
كان التوتر مشدودًا إلى درجة أنّه يبدو و كأنّ لمس الهواء بإصبع سيصدر صوت وتر.
طق، طق، طق.
مع اقتراب وحوش الجليد أكثر فأكثر، ازداد اهتزاز الأرض بقوّة. فقط الآن أدركت فانيسا أنّها في ساحة معركة ملطّخة بالدماء.
لكنّ هذا كان مجرّد البداية. ابتلعت فانيسا ريقها الجافّ بوجه شاحب.
كانت قد انتقلت مع غارسيا إلى الخلف لدعم الجرحى فورًا.
“استعدّوا للقصف!”
بمجرّد صدور الأمر، حمّل المدفعيّون البارود بسرعة. كان جيش وحوش الجليد يقترب بسرعة متزايدة.
“أطلقوا النار!”
اشتعل البارود، و بعد لحظات قليلة انطلقت قذائف جينيلي السحريّة المحملة بحجارة مانا. طارت القذائف في قوس محاط بلون أرجواني غريب، ثمّ سقطت على وحوش الجليد و سحقتها في الأرض. و انفجرت بصوت مدوٍّ هائل.
بوم!
كوااانغ!
رأت فانيسا بعينيها كيف تمزّقت عشرات الوحوش في الانفجار إلى أشلاء.
شدّت يدها على القوس دون وعي. ارتفعت أطراف زرقاء و أذرع و رؤوس في الهواء، ثمّ تدحرجت الأحشاء المتساقطة من الجثث على الأرض__
“أووك.”
“يا إلهي.”
عندما شعرت فانيسا بالغثيان، تنهّد غارسيا بهدوء و داعب ظهرها بلطف.
رغمَ شعورها بالغثيان، لم يخرج شيء. سدّت فانيسا فمها بكمّها و حاولت بجهد التركيز على ساحة المعركة.
يجب أن تنظر. بعد أن وصلت إلى هنا، إذا خافت و تجنّبت النظر، فكم ستكون بائسة.
كان هناك مَنٔ يعتمد على فانيسا بسبب بركة الحياة التي تمتلكها. بصفتها مباركة، و دوقة دريك، يجب أن تتحمّل مسؤوليّتها و تحافظ على كرامتها.
لم يمضِ وقت طويل حتّى بدأ جيش وحوش الجليد يخترق خط الدفاع. اندلعت معركة فوضويّة تمامًا.
لكن حتّى في تلك الفوضى، كان هناك نظام واضح. لأنّ يورغن كان يقود بكفاءة.
لم يعد بإمكان المدفعيّة الاستمرار، فأمسكوا الأقواس بدلًا من ذلك. انسحبوا بسرعة نحو المشاة و أطلقوا السهام على وحوش الجليد بدقّة.
كلّ سهم ينطلق يخترق رأسًا أو عنقًا أو قلبًا. دهشت فانيسا للحظة من مهارتهم المذهلة.
“رائع، أليس كذلك؟”
سأل غارسيا من جانبها. رمشت فانيسا مذهولة ثمّ أجابت بصعوبة:
“ن، نعم….”
“لا داعي للقلق. الجميع هنا محاربون مخضرمون.”
كان ذلك صحيحًا. جنود عائلة دريك، كلّ واحد منهم يؤدّي دوره على أكمل وجه.
بدت فرقة الإمبراطور النخبة محفّزة بهذا المشهد، فبدأت تقاتل بحماس أكبر.
من وجهة نظر فانيسا… رغم أنّها ساحة دماء، إلّا أنّ الصورة كانت مشجّعة. كانت تخشى أن يكون عدد وحوش الجليد كبيرًا جدًّا، لكن بهذا الشكل، يبدو أنّ النصر ممكن.
“جريح!”
في تلك اللحظة، جاء أحدهم يسحب جنديًّا مصابًا إلى الخلف. لم يكن واحدًا فقط، بل توالت الإصابات.
بالطبع، من المستحيل ألّا يُصاب أحد. اقتربت فانيسا من الجريح بحزن.
كان هناك جرح كبير في البطن ينزف دمًا غزيرًا و الأحشاء على وشكِ الخروج من الفتحة.
لقد كانت إصابة خطيرة جدًّا.
رأت مثل هذه الجروح من قبل. كانت بسبب مخالب وحوش الجليد الطويلة الحادّة.
كان الجرحى من الجبهة الشماليّة يُنقلون غالبًا إلى قلعة ريبادل، و كانت فانيسا تعالجهم جميعًا في كلّ مرّة.
بفضل جهودها، ازداد عدد الذين يحترمونها و يتبعونها في فالنسيا.
عندما سمعوا أنّ عدد القتلى في الجبهة الشماليّة انخفض كثيرًا بعد قدومها، شعرت فانيسا بالفرح الداخليّ رغم عدم إظهاره.
و أدركت أنّ علاج الناس يناسب طبعها تمامًا.
إنقاذ شخص ما أمر ممتع. الحصول على تقدير الناس أمر جميل. كانت سعادة نقيّة.
تساءلت فانيسا إن كانت فينيا اختارتها ليس فقط بسبب المصير، بل لأنّها رأت هذه الطباع فيها.
“شكرًا لكِ، أيتها الدوقة….”
عندما شفي جرح الجنديّ ببركة الحياة، شكرها و هو يبكي.
ابتسمت فانيسا له بهدوء ثمّ توجّهت إلى الجريح التالي.
مع اشتداد المعركة، أصبحت هي أيضًا مشغولة جدًّا.
* * *
انتهت المعركة في مدخل أرض الجليد بانتصار البشر.
هربت الوحوش القليلة الناجية، و قُتل الباقون جميعًا.
كان يورغن بطل المعركة بلا منازع. استخدم بركة الحكمة و الجنون بحرّية، ملطّخًا ساحة المعركة باللون الذهبيّ.
كان المشهد يبدو و كأنّ فيوس قد تجسّد بالفعل، فشعرت فانيسا بالإعجاب و القلق في آن واحد.
من وجهة نظرها أيضًا، كان يورغن الوعاء الأمثل لتجسّد فيوس. مستخدمو البركة مثل يورغن نادرون جدًّا، يظهرون مرّة كلّ بضع مئات من السنين.
هل ينوي فيوس حقًّا التجسد في جسد يورغن؟ هل منح بركته لهذا السبب؟
في خضمّ الأفكار المتسارعة، بدا الواقع بعيدًا.
“……سا.”
“…….”
“فانيسا!”
مع صوته الذي يناديها، انتفضت فانيسا و استعادت وعيها. كان يورغن قد اقترب منها حتّى أصبح أمام وجهها.
“آه….”
“ما الخطب؟ هل صدمتِ.”
فحصها يورغن بعناية و سأل. ضاقت عيناه و أصبحت نظرته حادّة. إشارة إلى غريزة الحماية المفرطة التي تظهر فقط معها.
كما توقّعت.
“تبدين متعبة جدًّا. من الآن فصاعدًا، لا تستخدمي البركة و ارتاحي.”
“م، ماذا تقول؟ هل تخبرني ألا أستخدم قوتي و أرتاح بعد أن جئنا إلى ساحة المعركة ؟”
تلعثمت فانيسا من الذهول.
كان يحميها بشكلٍ مفرط حقًّا.
“فقط ، أفكاري مشوّشة….”
عبثت بشعرها و أبعدت عينيها عن نظرته. لكنّه اخترق أفكارها بحدّة و قال:
“…قلتُ لكِ لا تقلقي.”
كان صوته يحمل شفقة. امتدّت يده الدافئة و داعبت خدّها. استندت فانيسا إلى ذلك الدفء و تنهّدت.
“حتّى لو حاولتُ عدم الشعور بالقلق… لا أستطيع السيطرة على ذلك.”
القلق شعور لا يمكن التحكّم فيه. يهزّ القلب كعاصفة لا يمكن تجنّبها في أيّ وقت.
حتّى يُعاد أورغيلمير إلى سباته، و حتّى يتم القضاء على ساسكيا و ليروي نهائيًّا، لن تستطيع فانيسا الاطمئنان أبدًا.
“هل نسيتِ ما هي موهبتكِ؟ فانيسا؟”
“……؟”
سأل يورغن فجأة. نظرت إليه فانيسا. حدّق في عينيها الزرقاوين المتسائلتين بهدوء ثمّ تابع:
“مهما كانت الظروف، تبقين على قيد الحياة بشراسة و إصرار.”
“…….”
ربّما لا يُدعى ذلك موهبة عادةً… لكن عند التفكير في سنوات حياتها، يمكن اعتباره كذلك. أومأت فانيسا مقتنعة، فازدادت ابتسامة يورغن عمقًا.
“هذه المرّة أيضًا، ستنجين و أنتِ سالمة.”
“ليس هذا ما يقلقني، أنا أشعر بالقلق عليكَ أنتَ….”
“بما أنّني جزء من حياتكِ، فسأنجو أنا أيضًا.”
توقّف لسان فانيسا للحظة. صوته و ثقته في عينيه كانا لامعين جدًّا.
لا، لم يكن الامر مجرّد، بل إيمان قوي تقريبًا.
“…نعم.”
لم تستطع فانيسا الاعتراض أخيرًا و وافقت بهدوء. ثمّ عانقته بذراعيها بقوّة و دفنت وجهها في صدره الواسع.
القلق يأتي من عدم معرفة المستقبل. إذا استطاعت اتّخاذ قرار واحد في تلكَ الفوضى من أجل المستقبل، فلن يهتزّ قلبها حتّى في أعنف عواصف القلق.
‘سأحميكَ. حتّى لو كلّفني ذلك حياتي.’
عانقته فانيسا بقوّة أكبر. كأنّها لن تتركه أبدًا.
* * *
كان الطريق إلى قلب أرض الجليد سلسًا بشكل غريب. رغم بعض الهجمات من وحوش الجليد، إلّا أنّ الإمبراطور أحرقها ببركة لوكس.
و مع ذلك، لم يرخِ أحد حبل التوتر. كان عليهم الاستعداد لأيّ هجوم مفاجئ أو طارئ.
‘صمت ساسكيا مريب جدًّا.’
بالتأكيد هي تراقب الوضع، لكن عدم تحرّكها غريب. لا بدّ أنّ لديها خطّة ما.
احتفظت فانيسا بسهم محاط ببركة الحياة في يدها تحسبًا لأيّ شيء.
بعد التأكّد أنّ بركة الحياة تؤذي ساسكيا التي تمتلك الصفة المعاكسة، قرّرت إطلاقه فور رؤيتها.
“أووه، سأموت من البرد.”
تمتم غارسيا الذي كان يرافقها عن كثب و هو يفرك ذراعيه.
كان على حقّ. كلّما تعمّقنا في أرض الجليد، انخفضت درجة الحرارة بشكل حادّ.
ظنّت فانيسا أنّ شتاء فالنسيا بارد جدًّا، لكن أرض الجليد أبرد بكثير. لم تُدعَ “أرض الجليد القارس” عبثًا.
شكرت رينيه داخليًّا على دقّتها في وضع القبعة و الوشاح. لولاها، لكانت الآن ترتجف بشكلٍ محرج.
استمرّ السير وسط البرد لفترةٍ طويلة.
وصل الجيش إلى عشّ أورغيلمير. كان العشّ يشبه قلعة جليديّة، و في قمّته ترتفع نحو السماء كأنّها تخترقها.
التعليقات لهذا الفصل " 107"