ما الذي حدث لي حتّى وصلتُ إلى الغرفة، لا أدري. في المرآة، كان وجهي شاحبًا جدًّا.
دخل يورغن خلفي و أغلق الباب بصوت خفيف.
نظرتُ إليه فانيسا مذهولة.
كان وجهه لا يزال هادئًا كالمعتاد. هذا الأمر أثار غصبها.
“……ألا تقلق أبدًا؟”
خرج صوتها كأنّها تحاول كبح بكائها بقوّة. حدّق يورغن بها بهدوء ثمّ تنهّد و اقترب.
دفعته بعيدًا عنّي عندما حاول احتضانها، و أعرضت عن نظرته. كلّما رأت الإمبراطور أو يورغن، كانت تشعر أنّها الوحيدة القلقة.
فيوس قد يحلّ في جسده فيصبح قشرة فارغة. كيف يمكنه أن يكون هادئًا إلى هذا الحدّ؟ لا أفهم.
“أنا لست قلقًا.”
“لماذا؟ قلتَ إنّ احتمال حلول فيوس في جسدكَ كبير. ألا تشعر بالقلق؟ أنتَ…قد لا تكون أنتَ بعد الآن؟”
ارتجف صوتي و أنا أعاتبه. كنتُ خائفة من فقدانه. بعد أن استعدته أخيرًا. لا أستطيع الفراق منه دون أن أعيش سعادة كاملة.
“فانيسا. أعرف ما تفكّرين فيه. و أفهم مشاعركِ أيضًا.”
أمسك وجهي بكلتا يديه و انحنى قليلًا ليلتقي بعينيّ. مع الدفء الذي تسرّب إلى جلدي، كدتُ أبكي.
“و أنا أيضًا أشعر بالمثل. بعد أن استعدتكِ أخيرًا، لا أستطيع فقدانكِ.”
فتحتُ عينيّ على وسعهما و نظرتُ إليه.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه. قبّل زاوية عينيّ باختصار ثمّ تابع:
“عندما كنتُ صغيرًا… قبل أن تنقذيني، كنتُ أريد الموت فقط. اعتقدتُ أنّ الموت أفضل من عيش حياة متروكة حتّى من قِبل عائلتي.”
“…….”
“لكنّكِ أنقذتِني، و منذُ ذلك الحين أصبح معنى حياتي أنتِ فقط. حتّى في فترة سوء الفهم، كانت رغبتي في الانتقام منكِ هي الدافع الذي جعلني أستمرّ في الحياة. الآن عندما أنظر إلى الوراء… لم تكن مجرّد رغبة انتقام، بل هوس تجاهكِ.”
“…….”
“أنتِ سبب بقائي على قيد الحياة، فانيسا. لذلك لن أموت تاركًا إيّاكِ أبدًا. و لن أختفي.”
“…….”
“ثقي بي.”
في تلك اللحظة، غمرني شعور لا يوصف. مددتُ ذراعيّ دون وعي و عانقتُ خصره بقوّة. فركتُ خدّي على قميصه الناعم و أطلقت الدموع التي كنتُ أكبحها حتّى الآن.
شعرتُ بخوفي بوضوح الآن. كأنّني أراه بعينيّ. و أدركتُ مرّةً أخرى كم أن يورغن ثمين بالنسبة إليّ.
قلتُ بصوتٍ مبلّل بالدموع:
“لا أستطيع فقدانكَ أبدًا.”
“…و أنا كذلك.”
“إذا تعرّضتَ للخطر… سأنقذكَ حتّى لو كلّفني ذلك حياتي.”
تنهّد يورغن بعمق مرّة أخرى و ضغط على ذراعيه المحيطتين بي.
دفن وجهه في عنقي و قال محذّرًا:
“لا تفعلي ذلك.”
“هذا ما يريده قلبي.”
“قلتُ لا تفعلي.”
لم أجـب. كنتُ أعرف أنّنا سنظلّ مختلفين في الرأي.
كان اليوم التالي هو يوم الانطلاق إلى أرض الجليد لإخماد أورغيلمير.
لم يبق الكثير من الوقت الذي يمكننا فيه الشعور بدفء بعضنا.
رفعتُ رأسي و أدخلتُ ملامح يورغن في عينيّ. وجهه النظيف الذي لا يزال يحمل آثار الطفولة، و عيناه الدافئتان اللتان لا يظهرهما إلّا لي. حدّقتُ فيهما طويلًا.
ثمّ رفعتُ كعبيّ و قبّلته أوّلًا.
انفصلت الشفتان الملتصقتان، و أخرجتُ نفسًا عميقًا.
“…فانيسا.”
ناداني بصوتٍ مشتعل. رددتُ عليه بمداعبة وجهه و شعره.
“رودي.”
“نعم.”
“رودي….”
“نعم.”
كلّما ردّ على الاسم الذي أعطيته إيّاه، شعرتُ أنّ الماضي لم ينقطع، بل استمرّ.
لم يعد ذلك الفتى السابق، لكنّ قلبه الذي يعاملني كشيء مميّز لم يتغيّر. و أنا متأكّدة أنّه سيبقى كذلك إلى الأبد.
هذه الثقة، هذا الشعور بالأمان الذي يمنحه هذا الارتباط. لا يمكن مقايضته بأيّ ثمن.
* * *
اليوم التالي.
استيقظ يورغن مع بزوغ الفجر. حدّق طويلًا في فانيسا النائمة بسلام بجانبه، قبّل جبينها، ثمّ نهض.
اغتسل و أكل وجبة خفيفة، ثمّ خرج لترتيب الجيش. انتهت استعدادات فرقة الإمبراطور النخبة قليلًا بعد ذلك.
رغمَ وجود الإمبراطور، أعلى سلطة في الإمبراطوريّة بل في القارّة كلّها، إلّا أنّ القائد العامّ للجيش أصبح يورغن. كان هذا قرار الإمبراطور، فلم يعترض أحد.
“مهما كنتُ عظيمًا، أنتَ تعرف أرض الجليد أفضل منّي. أليس كذلك؟”
لهذا السبب، سلّم الإمبراطور كلّ صلاحيّات القيادة إلى يورغن، و قال إنّه سيطيع أيّ أمر بلا كبرياء، مبتسمًا.
في الواقع، وجود اثنين من القادة لجيش كبير كهذا سيسبّب فوضى فقط، لذا كان قرار الإمبراطور حكيمًا.
قبل يورغن ذلك بصمت. كلاهما، هو و الإمبراطور، يوليان أهمّيّة قصوى للكفاءة في المعارك.
استيقظت فانيسا قبل ساعتين من الانطلاق إلى أرض الجليد.
دورها في حال اندلاع معركة مع وحوش الجليد كان الدعم من الخلف، لكنّها ستشارك يورغن في الطقس لإخماد أورغيلمير.
إذا حدث شيء ليورغن حينها… ستنتقل قيادة الجيش إلى الإمبراطور.
“مهلاً لحظة، أيتها الدوقة.”
عندما انتهيتُ من الاستعداد و هممتُ بالخروج، نادتني رينيه.
وضعت رينيه على رأسي قبعة محبوكة، ثمّ لفّت حول عنقي وشاح كشمير ناعمًا. ثمّ قالت كأنّها أمّ ترسل طفلتها إلى الخارج:
“الجوّ بارد جدًّا. خاصّة أرض الجليد، ستكون أبرد بكثير من هنا.”
“نعم، شكرًا لك”
لم أرَ نفسي في المرآة أمام الباب، لكنّني متأكّدة أنّ مظهري مضحك.
كما توقّعتُ، بمجرّد خروجي إلى الممرّ، رآني غارسيا فتجمّد ثلاث ثوانٍ ثمّ انفجر ضاحكًا.
حدّقت فيه بنظرة حادّة.
“دوقة، ههه، تبدين كفتاة قرية ذاهبة لجمع التوت في الغابة.”
“اصمت.”
“لا، لماذا؟ أعني أنّكِ لطيفة.”
“متى ستُصلح أخلاقكَ أيها الفارس غارسيا؟”
“لن أصلحها أبدًا، و أنتِ تعرفين ذلك.”
منذُ معرفة هويّة ساسكيا، كان غارسيا في حالة كآبة مستمرّة، لكنّه بدأ يستعيد نشاطه مؤخّرًا. عاد يمزح مع فانيسا و يضايقها كالمعتاد.
رغم ذلك، كانت فانيسا تشعر بالشفقة تجاهه فلم تكن قاسية كعادتها ، عندها ينظر إليها بعيون تقول “أنا بخير”. كما يفعل الآن أيضًا.
“هل تريدين معرفة كيف تقلّلين الشعور بالبرد في أرض الجليد، أيتها الدوقة؟”
“همم. لا أظنّ أنّني بحاجة إلى ذلك.”
كنتُ أفكّر أنّ بركة الحياة قد تساعدني على التحمّل.
“يمكنكِ سرقة مدفأة اليد من جينيلي. إنّها أداة سحريّة للتدفئة مصنوعة من حجر سحريّ صغير جدًّا لا قيمة له، توضع في جيب داخل المعطف فتدفئ جيّدًا. ما رأيكِ؟ هل نذهب لسرقتها معًا؟”
“أنتَ… في سورينت و هنا، لو تحولتَ إلى لصّ أو محتال لعشتَ حياة رغيدة.”
“آه، ماذا تقولين. بفضل أنّني أصبحتُ فارسًا محترمًا هكذا، تمكّنتُ من أداء القسم للدوقة، و البقاء بجانبها لأزعجها دائمًا، أليس كذلك؟”
“نعم… ازعجني كما تشاء.”
عندما تمتمتُ فانيسا مستسلمة، فتح غارسيا عينيه على وسعهما ثمّ ضحك بصوت عالٍ: هههه.
لم يكن في ضحكته أي ملامح للحزن، فاطمأنت فانيسا قليلًا. رغم أنّ ذلك لا يعني أنّه بخير حقًّا.
* * *
عندما أشارت عقارب الساعة في برج الساعة إلى العاشرة صباحًا، نفخ الجنديّ في المقدّمة البوق بقوّة.
بووووووـ
تردّد صوت البوق الثقيل طويلًا، و بدأ جيش عائلة دوق دريك و فرقة الإمبراطور النخبة في التقدّم نحو أرض الجليد.
بقيت القوّات المتبقّية في المدينة القلعة للدفاع عنها في حال هجوم مفاجئ.
ركبت فانيسا خلف يورغن قليلًا، و كانت متوترة نوعًا ما.
كانت هذه أوّل مرّة تذهب فيها إلى أرض الجليد، و أوّل مرّة ترى فيها وحوش الجليد مباشرة. قيل إنّ مظهر وحوش الجليد مرعب جدًّا. كلّ ما تمنّته فانيسا ألّا تتجمّد خوفًا بشكلٍ محرج.
بعد فترة من السير.
عندما تجاوزوا الجبهة الشماليّة و دخلوا أرض الجليد، رأوا من بعيد موجة زرقاء تقترب.
التعليقات لهذا الفصل " 106"