كان الناس الذين يعملون في الحقول لاستقبال الربيع ينظرون إلى سماء الشمال بعيون مذهولة.
من أقصى الشمال، حيث الأرض الباردة القاسية، بدأت هالة حمراء تنتشر تدريجيًّا. لون أحمر صارخ و مرعب كالدم.
حتّى لو لم يعرفوا بالضبط ما هو، إلّا أنّ شيئًا مرعبًا جدًّا على وشكِ الحدوث.
ألقى الناس أدواتهم الزراعيّة و هرعوا نحو مدينة القلعة. لأنّ المدينة هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يحتموا فيه إذا هبطت وحوش الجليد إلى الحقول.
في غضون ذلك، غطّت السماء كلّها بلون أحمر. كأنّ العالم أصبح جحيمًا.
من مكان ما انتشر صوت عواء كئيب. صوت غامض يشبه عواء حيوان، أو ربّما بكاء شبح.
ارتجف الناس خوفًا و اندفعوا بسرعة داخل البوّابة المفتوحة. هبّت رياح قويّة من الشمال. رياح جليديّة لا تتناسب مع هذا الموسم.
تحوّلت الرياح سريعًا إلى عاصفة ثلجيّة. ثلج يتساقط في شهر مارس. رغم أنّ الشمال منطقة باردة، إلّا أنّ تساقط الثلج في مارس أمر نادر.
“ما هذا بحقّ…….”
تنهيدة أحدهم اختلطت بالهواء الذي برد فجأة. الناس الذين كانوا يرتدون ملابس خفيفة بسبب الطقس الدافئ احتضنوا أجسادهم و ارتجفوا.
“فجأة أصبح الجوّ باردًا إلى هذا الحدّ…….”
“أمّي، أشعر بالبرد. أنا خائفة.”
“كح، كح!”
غطّى اللون الدمويّ الشؤم الشمس، و حتّى النجوم اختفت.
نظر الناس إلى السماء بذعر و عجز.
* * *
فُرضت حالة الطوارئ في مدينة القلعة.
هرع الجنود ذهابًا و إيابًا لإعداد ملاجئ مؤقّتة للفلاحين، بينما كان المسؤولون يحسبون مخزون المؤن و الكميّات المطلوبة لاحقًا بعناية مؤلمة.
تجوّلت فانيسا في المدينة لتهدئة الناس، و علاج المرضى، و إعطائهم قوّة حيويّة.
بعد يوم مزدحم كهذا، حضرت اجتماعًا في قلعة ريبادل. كان الموضوع خطيرًا جدًّا.
“يبدو أنّ أورغيلمير يستيقظ. لا… يجب أن نعتبره قد استيقظ بالتأكيد.”
نادى يورغن الاسم الآن دون تردّد.
الشتاء الأبديّ، أوغيلمير. العملاق القديم، تنّين الجليد الذي يجلب البرد القارس. الكارثة النهائيّة التي هبطت إلى هذه الأرض مطاردة الحكام.
“أوّلًا، أبلغنا العاصمة و المملكة المقدّسة بالأمر و طلبنا الدعم. ……استيقاظ أورغيلمير كان متوقّعًا من قبل جلالة الإمبراطور، لذا سيأتي شخصيًّا إلى الشمال.”
“جلالة الإمبراطور توقّع ذلك…؟”
عندما سألت فانيسا، نظر إليها يورغن نظرة خاطفة ثمّ أجاب:
“التفاصيل ستسمعينها مباشرة من جلالته عندما يصل. لا يمكنني الكشف عنها الآن.”
ثمّ انتقل موضوع الاجتماع إلى كيفيّة الدفاع عن المدينة.
بعد استيقاظ أورغيلمير، اهتزّت الجبهة الشماليّة. عدد وحوش الجليد تضاعف عشر مرّات عن المعتاد.
مع وجود عدد كبير من الجرحى بالفعل، قد تنهار الجبهة قريبًا.
لذلك، رأى الأغلبيّة أنّ الأفضل سحب كلّ القوّات للدفاع عن المدينة.
“المشكلة هي الطعام. مهما ادّخرنا، قد نصمد شهرًا بالكاد.”
“ذلك كافٍ. على أيّ حال، بعد شهر سنكون جميعًا أمواتًا.”
تجمّد الجوّ من هذا الكلام المرعب. لكنّ يورغن الذي نطق به بقي هادئ الوجه.
بما أنّهم لم يروا أيّ خوف عليه، اطمأنّ الأتباع قليلًا. كانوا يعتقدون أنه، بقوّة مقدسة قويّة كهذه، سيجد حلاً هذه المرّة أيضًا……
ثقة عمياء كهذه.
لكنّ فانيسا شعرت بعدم اطمئنان شديد.
سبب هذا القلق الغامض أصبح واضحًا بعد خمسة أيّام، عندما وصل الإمبراطور و فرقته النخبة إلى فالنسيا.
* * *
وصل الإمبراطور و فرقته النخبة متأخّرين بيومين عن فرقة فرسان الحرب المقدّسة من مملكة لافينسيا المقدّسة. و هو أمر طبيعيّ، لأنّ المسافة بين المملكة المقدّسة و فالنسيا أقصر.
في هذه الأثناء، تحولت فالنسيا إلى أرض باردة قاسية كأرض الجليد. شرح يورغن أنّ ذلك بسبب توسّع نطاق أورغيلمير بعد استيقاظه.
بمعنى آخر، أصبحت فالنسيا كلّها الآن ضمن نطاق أوغيلمير.
‘إذا لم نقتل أورغيلمير خلال شهر، سيتوسّع نطاقه إلى كلّ أسترا.’
عندها ستكون نهاية العالم حقًّا.
حاولت فانيسا استقبال الإمبراطور بوجه هادئ، لكنّ الخوف العميق في قلبها لا يمكن كبحه.
‘حقًّا كما تنبّأ الحاكم هوراي…….’
و حلم أمّها…… كان حلم تنبؤ حقيقيّ.
يبدو أنّ الحاكمة فينيا لم تمنحها بركتها عبثًا. عندما أدركت أنّ كلّ شيء لمواجهة هذا المصير، انتشرت القشعريرة في جسدها.
“يورغن يعرف بالفعل، لكنّ فانيسا تحتاج إلى شرح منفصل على ما يبدو.”
جلس الإمبراطور في رأس الطاولة المستديرة، و كان يبدو هادئًا مثل يورغن. تعجّبت فانيسا من هدوء هذين الرجلين أمام كارثة كهذه.
“كما تعلمين، لقد ولدتُ قبل حوالي مئتي عام. و كنتُ تجسيدًا لفيوس.”
“نعم…؟”
فوجئت فانيسا بعيونٍ واسعة من القصّة التي لم تكن تتخيلها أبدًا. لم يبدُ يورغن متفاجئًا، فقد كان يعرف بالفعل.
“بالطبع، أنا لستُ خالدًا بسبب كوني تجسيدًا لفيوس. الشرح التفصيليّ طويل….”
مسح الإمبراطور ذقنه و بدأ يروي سيرته الذاتيّة من البداية بهدوء.
“بالأصل قبل مئتي عام…… لا، بالضبط قبل 251 عامًا؟ على أيّ حال، في ذلك الوقت كان من المقرّر أن يستيقظ أورغيلمير. ولدتُ كتجسيد لفيوس لإعادته إلى النوم.”
ضحك الإمبراطور كأنّه يجد الأمر مضحكًا حتّى الآن. ابتسمت فانيسا بصعوبة.
“على أيّ حال، رفضتُ ذلك المصير. التجسيد يفقد ذاته عندما يُغطّى بشخصيّة الحاكم. لم أرد فقدان نفسي.”
“…….”
“لذلك هرعتُ إلى البانثيون و تمنيتُ من حاكم النور لوكس و عقدتُ صفقة معه. اعتقدتُ أنّ لوكس، الذي لا يتفق مع فيوس، سيوافق على طلبي.”
“…….”
“بشرط أن أصبح وكيله في تنفيذ إرادته، منحني بركته. بعد أن حصلتُ على بركة حاكم آخر، لم أعد تجسّدًا لفيوس……و منذُ ذلك الحين، بدأ المصير ينحرف بشدّة.”
“……آه.”
ظنّت فانيسا أنّ “المصير الملتوي” الذي ذكره الحاكم هوراي يتعلّق بساسكيا فقط. لكن يبدو أنّه يشمل الإمبراطور أيضًا.
‘إذن…… كونه وكيل الحاكم ليس ادعاءً، بل حقيقة.’
إذن، كم من الأمور التي فعلها الإمبراطور حتّى الآن كانت بإرادة لوكس؟
غرقت فانيسا في تفكير قصير.
“بما أنّ التجسّد الذي يجب أن يُعيد أورغيلمير إلى النوم رفض المصير، أصبح الحكام في حالة طوارئ. في النهاية، أقنعوا لوكس، و جعلوني أقتل الإنسان الذي سيوقظ أورغيلمير بيدي.”
كان صوت الإمبراطور يحمل استياءً واضحًا.
“كان ذلك الإنسان ساحرًا من دولة ما، فقد عائلته ظلمًا و كره العالم، فكان من المقرّر أن يفعل ذلك. لكنّ كلّ ذلك لم يحدث بعد عندما قتلته.”
“…….”
“في البداية فكّرتُ في إقناعه لتغيير المصير، لكنّ إرادة الحكام كانت قويّة جدًّا، فلم يكن أمامي خيار. اضطررتُ إلى قتل ذلك الساحر الذي لم يرتكب جريمة بعد. و منذ ذلك الحين… أصبحتُ غير طبيعي نوعًا ما….”
قرأت فانيسا في عينيّ الإمبراطور المنحنيتين قليلًا تمرّدًا. يبدو أنّه ليس مؤمنًا تقيًّا جدًّا رغم كونه وكيل الحاكم.
“بعد ذلك الحدث، أردتُ العيش أطول بكثير من عمر الإنسان العادي. اعتقدتُ أنّ تراكم الحكمة على مدى سنوات طويلة قد يمكّنني حقًّا من ‘تجاوز’ المصير.”
“…….”
“نعم، صحيح. أردتُ أن أصبح شيئًا آخر. و أنا الآن في طور التحوّل.”
كلام مرعب يبدو أنّ سماعه خطر. كأنّه يتحدّى سلطة الحكام.
“قبل حوالي مئتي عام…… حصلتُ على الخلود أوّلًا. خدعتُ البابا و تسلّلتُ إلى الأرض المقدّسة المحظورة و سرقتُ بضع رشفات من ينبوع الخلود. حصلتُ على الخلود بفضل ذلك، لكنّ فينيا، صاحبة الينبوع، غضبت جدًّا ففقدتُ إحدى عينيّ.”
أشار بإصبعه إلى عينه اليمنى المغطّاة بغطاء أسود. أدركت فانيسا أنّ القصّة المتعلّقة بخلوده حقيقيّة.
“لذلك، بصفتكِ وكيلة فينيا، ما رأيكِ؟”
“نعم؟”
سألها الإمبراطور فجأة.
انتفضت فانيسا قليلًا من التوتر ، فضحك الإمبراطور قليلًا على ردّ فعلها الشبيه بحيوان بريء.
“بعد أن حصلتُ على الخلود و عشتُ أكثر من مئتي عام، هل أبدو الآن قريبًا من كائن غير بشريّ؟”
“ذلك….”
عندما لم تستطع فانيسا الردّ من الارتباك، أصبحت ابتسامة الإمبراطور بيراتير أكثر خبثًا.
سمعت فانيسا تنهيدة يورغن، فأدركت أنّ الإمبراطور كان يمزح معها. لم يكن ينتظر إجابة من الأساس.
“لا تعذّب زوجتي.”
“آه، الآن تقول زوجتي؟ يا له من تقدّم كبير. كنتَ تتصرّف كأنّك ستأكلها حيّة بسبب سوء فهم واحد.”
“…….”
يبدو أنّ الإمبراطور كان يعرف مسبقًا عن سوء الفهم بين فانيسا و يورغن.
“العيش طويلًا يزيد من البصيرة بشكلٍ غير ضروريّ.”
أضاف ذلك مبتسمًا، ثمّ أصبح وجهه جادًّا فجأة. توتّرت فانيسا مرّة أخرى متسائلة عما سيحدث.
ثمّ قال الإمبراطور بصوتٍ جادّ جدًّا:
“قبل حوالي مئتي عام، لم أكن أعرف، لكنّ انحراف المصير كان نوعًا من تأثير الفراشة. رفرفة جناح صغيرة تسبّب عاصفة هائلة.”
“…….”
“بسبب الانحراف الذي سببته، تغيّر مصير فيني تمامًا. كان من المقرّر أن تكون بطلة تحمل بركة الموت في هذا العصر و تنهي أورغيلمير نهائيًّا.”
فتحت فانيسا فمها قليلًا عندما تحقّق تخمينها بدقّة.
“أصبحت فيني ‘ساسكيا’ ، و تحوّلت إلى مجنونة لا ترى شيئًا سوى الشخص الذي تُولي له هوسها…و استيقاظ أورغيلمير هذه المرّة أيضًا مِن فعل ساسكيا على الأرجح.”
“……!”
اتّسعت عينا فانيسا و تصلّب جسدها. كانت تشكّ في أن تكون ساسكيا وراء ذلك، لكن لم تتوقّع أن تكون حقيقيّة.
“بسبب تداعيات هذا الانحراف، استيقظ أورغيلمير الآن بعد مئتي عام، و لا يوجد في العالم تجسيد لفيوس يمكنه إعادته إلى النوم.”
“…….”
“حتّى لو سمحت موريسينا لساسكيا بقوّة الموت المباشرة، لا نعرف إن كانت ستستخدمها لقتل أورغيلمير. بل من المرجّح أن تستخدمها لأجل ليروي.”
“…….”
“لكنّ الحكام دائمًا لديهم خطّة. حبّهم لهذا العالم ليس مزيفا. إنهم يحبّونه حقًّا و يريدون استمراره أطول فترة ممكنة. و من أجل ذلك، يرون أنّ تضحية بعض الأفراد أمر لا مفرّ منه.”
ابتلعت فانيسا ريقها و قالت بصوتٍ مرتجف:
“إذن…هذه المرّة… كيف سنوقف… أورغيلمير…؟”
كان قلبها ينبضب بشكلٍ غير منتظم.
سبب القلق الذي سيطر عليها لفترةٍ طويلة بشكل غريب هو__
“رغم عدم وجود تجسيد لفيوس، إلّا أنّ الشخص المبارك الذي يُعدّ الوعاء الأمثل لحمل قوّته متوفّر”
كادت أنفاسها تتوقّف.
“في الوقت الحاليّ، يورغن هو الوعاء الأكثر احتمالًا لتجسّد فيوس فيه.”
“آه….هاه”
نظر الإمبراطور إلى فانيسا التي تلهث و قال بصوتٍ منخفض:
“لكن إذا حدث ذلك… ستُمحى ذات يورغن تمامًا من هذا الجسد ، و ستُنتزع روحه.”
التعليقات لهذا الفصل " 105"