تذكرت تنبؤ الحاكم هوراي الذي نسيته في مساء اليوم الذي وصل فيه نبأ مقتل الوصي.
أخرجت دفترها الصغير الذي تحمله دائمًا تحسبًا للطوارئ، و بينما كانت تتصفح تسجيلاتها السابقة، وجدته مكتوبًا.
[ستُصبغ السماء باللون الأحمر بسبب مصير ملتوٍ، و ستتردد أغنية الشتاء الكئيبة في كل العالم. تجاوزي مصير الخيط الأحمر و انتزعيه بنفسك.]
عندما فكرت في معناها من قبل، لم تتوقف كثيرًا.
نظرت فانيسا إلى السطور بهدوء.
‘ستُصبغ السماء باللون الأحمر بسبب مصير ملتوٍ…’
فجأة، تذكرت شيئًا.
[… رأيت حلمًا.]
[كان ذلك عندما كنتم أنتم الثلاثة صغارًا… كنتم تلعبون معًا في الحديقة. كان وقتًا هادئًا و سعيدًا جدًا…
[لكن فجأة… تحولت السماء إلى لون أحمر كلون الدماء. شعرت بالخوف فركضت نحوكم و عانقتكم معًا. فجأة ذبلت كل الزهور في الحديقة… و بدأت عاصفة ثلجية تضرب من كل جانب.]
[كان حلمًا… مخيفًا جدًا. كأن العالم حُبس في شتاء أبدي.]
الحلم الذي روته لها والدتها قبل وفاتها…
[ستتردّد أغنية الشتاء الكئيبة في كل العالم.]
هل التشابه مع تنبؤ هوراي مجرّد صدفة؟
إذا كان حلم أمها كذلك…
‘…لكن أمي ليس لديها قدرة على التنبؤ.’
نظرت فانيسا إلى الملاحظة في الدفتر بحيرة.
‘تجاوزي مصير الخيط الأحمر و انتزعيه بنفسك.’ ما معنى هذا؟
‘مصير الخيط الأحمر…’
يقال إن ‘الخيط الأحمر’ هو القدر الذي ينسجه الحاكم هوراي بعجلته.
الطريقة الوحيدة للخروج من هذا القدر هي اتخاذ طريق اختياري بدلًا من الطريق المحدد.
سيكون ذلكَ الطريق مليئًا بالفوضى، لكنه يفتح إمكانيات لا نهائية.
لذلك، حسب كنيسة لافينسيا ، يمكن تجاوز القدر باتباع هذا الطريق.
‘السماء الحمراء، أغنية الشتاء الكئيبة، حلم والدتي… كأن العالم حُبس في شتاء أبدي.’
شتاء أبدي.
عندما أدركت هذا المفهوم الذي مرّت عليه دون انتباه بطريقةٍ مختلفة، انتشرت القشعريرة في ظهرها.
‘هل يمكن؟… لا، لكن…’
خرجت فانيسا من الغرفة مسرعة نحو المكتبة.
لملء نقص معرفتها، لم يبقَ سوى البحث في الكتب القديمة.
وصلت إلى المكتبة و كأنها تركض، و بحثت عن سجلات كنيسة لافينسيا حول “الشتاء الأبدي”.
كانت نسخة منقولة من النسخة الأصلية المحفوظة في المملكة المقدسة.
[‘ذلك الكائن’ يُدعى الشتاء الأبدي.]
[سُمي كذلك لأنه يحمل قوة البرد القارس التي ستجلب نهاية العالم.]
[في البداية، تبع ذلك الكائن آثار الحكام إلى هذه الأرض، و استقر في شمال أسترا و حاول تغطية العالم كله بالشتاء.]
[بما أن الحكام لا يستطيعون التدخل المباشر في العالم، أرسلوا تجسيدًا لهم لجعله يدخل في سبات.]
[بقوة الحاكم، لم تتبق سوى مرّةٍ واحدة فقط لجعل ذلك الكائن يدخل في سبات جديد.]
[من المرة الثالثة فصاعدًا، يجب قتله لمنع نهاية العالم.]
[ذلك ممكن فقط بقوّة موريسينا.]
‘قوة موريسينا…’
عند قراءة هذا السطر، تذكرت ساسكيا فورًا.
ربما اختيرت ساسكيا من قبل موريسينا لأنها الإنسان الذي سيقتل “الشتاء الأبدي”؟
‘في تنبؤ هوراي، قال بوضوح: مصير ملتوٍ.’
كانت ساسكيا دمية تعيش فقط من أجل ليروي.
لم يكن لديها رغبات أو ذات خاصة بها.
لو لم تصبح هكذا… لو نضجت كـ”فيني” بشكلٍ كامل… هل كانت ستصبح بطلة تقتل الشتاء الأبدي؟
بالنّسبة لساسكيا الحالية، كان ذلك أمرًا لا يمكن تخيله.
‘لذلك قال مصير ملتوٍ؟’
بالطبع، كان مجرّد تخمين منها.
لكنها شعرت أنها فهمت نية الحكام بوضوح.
إيقاظ “الشتاء الأبدي” الذي سينهض من سبات طويل يومًا ما، أو قتله.
[إدخال الشتاء الأبدي في سبات ممكن فقط بتجسيد فيوس.]
‘تجسيد فيوس…’
يورغن… ليس تجسيدًا لفيوس، بل مجرّد شخص يحمل حمايته.
رغمَ أن قوته مذهلة…
لكن… لماذا؟
لماذا تشعر بهذا القلق الشديد؟
[أخيرًا، ندوّن هنا الاسم الحقيقي للشتاء الأبدي.]
[لأن نطق الاسم الحقيقي قد يوقظه، لا يجوز لأحد أن ينطقه بصوت عالٍ.]
[أورغيلمير (Aurgelmir)]
* * *
“…أعرف أنكَ تخفي عني شيئًا.”
رفع يورغن عينيه من تقرير فرق التحقيق عند كلام غارسيا.
جاء غارسيا إلى المكتب في وقتٍ متأخر بوجه مصمم.
لم يأكل جيدًا منذ أيام، فبدا وجهه أكثر نحافة.
كانت شفتاه جافة كأنه لم يشرب ماء.
“تلك الساحرة… ساسكيا هي أختي التوأم.”
“…..”
نظر يورغن إليه بصمت للحظة، ثم وضع التقرير و تنهد.
كان من المؤكد أن غارسيا سيعرف يومًا ما.
لكن الوقت جاء أسرع مما توقع.
نظر يورغن إلى فارسِه -رفيقه في السلاح- بحزن.
“غارسيا.”
ناداه يورغن بهدوء.
شد غارسيا قبضتيه و رفع ذقنه بقوة.
“تلك المرأة لم تعد أختك بعد الآن.”
“…أعرف ذلك. لكن…”
“إذا التقيتَ بها في المرة القادمة، يجب أن ترفع سيفك دون تردد.”
“…..”
أطرق غارسيا رأسه و لم يجب، و عض شفتيه.
كان يعرف.
أنها لم تعد فيني السابقة.
لم تكن أخته تتذكره على الإطلاق.
الآن، هما أعداء يجب أن يقاتلا بعضهما.
تقبّل ذلك عقليًا.
لأن واجبه هو مساعدة يورغن و حماية فانيسا التي أقسم لها يمين الفارس.
لكن قلبه لم يستطع قبول أن أخته التي بحث عنها بشدة قد تغيرت.
رغم ذلك، يجب أن يصبح أقوى.
لأن هذه القوة هي التي أبقته حيًا حتى الآن.
لذلك هذه المرة أيضًا…
“…سأجمع شجاعتي.”
“جيد.”
“أعرف أنكَ تثق بي.”
“بالطبع.”
فكر يورغن للحظة ثم أضاف:
“فانيسا تثق بك أيضًا.”
“…..”
عند سماع ذلك، لم يعد بإمكانه التملص.
ضحك غارسيا بتعب و قال:
“إذن يجب أن أفي بتوقعاتكما.”
يورغن، فانيسا، و جميع أفراد دوقية دريك… كانوا جميعًا أشخاصًا ثمينين بالنّسبة له.
لم يكن غارسيا غبيًا لدرجة أن يفقد ما يملكه الآن بسبب الماضي.
* * *
بينما كانت أنظار العالم منصبة على مقتل وصي تيريفرون، انتقل ليروي و ساسكيا إلى شمال الإمبراطورية.
اختبآ في قلب أرض البرد القارس.
كان قيادة جيش الموتى إلى هنا سهلًا.
كان عددهم حوالي مئة، و من بينهم كاليوس دريك، أخ يورغن غير الشقيق.
“ذلك… آه… سأقتله… سأقتله… سأنتقم…”
بالطبع، مثل معظم الموتى باستثناء ليروي، كانت ذكرياتهم ناقصة و لم يحتفظوا بذات كاملة.
كان الموتى يتمسكون بأقوى شعور أو رغبة شعروا بها قبل الموت.
كان كاليوس دريك مهووسًا بالانتقام من يورغن.
على أي حال، كان الموتى شبه جثث، فكانت السيطرة عليهم سهلة على ساسكيا.
لم تهاجم مخلوقات الشتاء الشريرة -وحوش الجليد- الموتى و ساسكيا.
بالنّسبة لساسكيا، ربّما ذلكَ بسبب ابتلاعها “قوة الشتاء الأبدي”.
بما أن طقس إحياء الميت استخدم قوة الشتاء الأبدي، ربما تعتبر وحوش الجليد الموتى أقرباء لها.
“هل هذا هو؟”
لمس ليروي “قلب الشتاء الأبدي” بلا خوف و سأل.
كان هذا “القلب” في مركز أرض البرد القارس في الواقع قشرة تحيط بالشتاء الأبدي النائم.
يجب إيقاظه لينهض ذلك الكائن القديم و يجلب نهاية العالم.
“هل هناك طريقة مؤكدة لإيقاظه؟”
“نعم.”
أجابت ساسكيا بطاعة و اقتربت من قلب الشتاء.
كانت طريقة إيقاظ هذا الكائن بسيطة بشكل غريب.
لم يكن هناك إنسان مجنون بما يكفي ليصل إلى قلب أرض البرد القارس المزدحمة بوحوش الجليد و يفعل هذا.
لم تخف ساسكيا الموت.
بما أنها تحمل حماية حاكمة الموت، كانت تفهم أكثر من أي شخص أن الموت مجرّد طقس انتقال من حياة إلى أخرى.
الشيء الوحيد الذي تخافه هو فقدان ليروي إلى الأبد.
من أجل عدم فقدانه، كانت مستعدة لفعل أي شيء.
حتى لو كان ذلك يجلب نهاية العالم.
وضعت ساسكيا يديها على قلب الشتاء.
تردد الكهف الأزرق بالكامل مع نبضه كأنه يرن.
كان قلب الشتاء شفافًا كالجليد، فبدا كبلورة كبيرة بيضاء.
داخله كان ذلك الكائن نائمًا.
أغلقت ساسكيا عينيها و نطقت اسمه بدقة.
“أورغيلمير (Aurgelmir).”
في تلك اللحظة، اهتز الفضاء بقوة.
ارتجف ليروي بدهشة، لكن ساسكيا لم ترتجف و تابعت:
“لقد أتى مَن يبحث عنك الآن، استيقظ من نومكَ الطويل.”
ثم.
تشقق ، تشقق…
تكسرت البلورة الشفافة كالجليد المتشقق، ثم تحطمت إلى قطع.
التعليقات لهذا الفصل " 104"