مهما حدث، يجب أن تعيشا.
عندما أجابت فانيسا بأنها ستفعل ذلك بالتأكيد، ابتسمت والدتها ابتسامة حزينة غامضة ثم عادت إلى النوم.
و في الفجر اليوم التالي، مع بزوغ الفجر، فارقت الحياة.
أُقيمت الجنازة في البانثيون ببساطة وفقًا لوصية أفيلين قبل وفاتها.
حضر الجنازة دوق إيفانوود و ابنه دانتيس، و النبلاء الذين يتبعونه، و يورغن و فرسان دريك.
كذلك حضر البارون بارتيني الذي تأخر وصوله إلى سورينت بسبب الأمطار الغزيرة التي اجتاحت إقطاعيته.
كان هو الأكثر بكاءً بين الحاضرين.
لم يتمكن من الوقوف إلى جانب أخته في لحظاتها الأخيرة، فكان ذلك طبيعيًا.
“خالي.”
اقتربت فانيسا منه بحزن و قدمت له منديلًا، فتلقاه البارون بارتيني و هو يتمتم بشكر.
“لم أتمكن من الوقوف إلى جانب أختي في آخر لحظاتها… لا أستحق أن أكون أخًا.”
قال بصوت مليء بالحزن.
هزت فانيسا رأسها و ربتت على كتفه.
“ليس كذلك. أنتَ تعرف أن أمي ليست ممن يلومون الآخرين على عدم القدرة على البقاء بجانبها.”
“صحيح… كانت أختي أفيلين… طيبة القلب و متسامحة…”
مع ذكرى أخته، امتلأت عينا البارون بارتيني بالدموع مرة أخرى.
بقيت فانيسا بجانبه لفترة تستمع إليه و هي تقوم بتعزيته، ثم انسحبت في الوقت المناسب.
بعد ذلك، فوجئت فانيسا بأن دوق إيفانوود هو مَنٔ تقدم لتقديم العزاء إلى البارون بارتيني.
كان رجلًا طيبًا حقًا.
‘ابنه دانتيس… ليس سيئًا أيضًا.’
قدراته كحاكم ليست معروفة بعد.
سيكون دوق إيفانوود وصيًا عليه حتى يكبر دانتيس.
بعد أن أروت فانيسا حلقها بماء بارد، ذهبت للبحث عن غلينا.
لم تظهر منذُ مدة، و عندما سألت عنها وجدتها في حديقة البانثيون الخلفية تحدق في السماء.
كانت عيناها فارغتين، و هي غارقة في التفكير.
اقتربت فانيسا بحذر لئلا تفزعها و أصدرت صوتًا خفيفًا.
“…..!”
ارتجفت غلينا عند سماع حفيف الثوب و استدارت بسرعة.
كانت عيناها مليئتين بالحذر، لكنها ارتختا فور رؤية فانيسا.
بالنّسبة لغلينا التي مرت بتجربة قاسية، كانت فانيسا الشخص الوحيد الذي تستطيع الوثوق به في العالم.
“أختي… الجنازة…”
“انتهت تقريبًا. انتهت الطقوس، و لم يعد هناك زوار متوقعون.”
“هكذا إذن…”
كانت غلينا قد وضعت زهورًا على قبر أفيلين أثناء الصلاة على الروح الراحلة، لكنها هربت سريعًا و وجهها شاحب.
كانت غلينا خائفة.
خائفة من أن تظهر أفيلين في كوابيسها.
لأنها قتلت ابنها… و لم تستطع الاعتراف بذلك حتى الآن.
“أختي… سأذهب إلى الجحيم بالتأكيد، أليس كذلك؟ سألتقي هناك بديكلان أخي…”
“…..”
كانت نفسية غلينا في حالة اضطراب شديد.
قال الطبيب إن الراحة النفسية ضرورية مثل الراحة الجسدية للمريض.
و أوصى ببعض الطرق: السفر إلى مكان جميل، أو إيجاد هواية يمكن الانغماس فيها.
عند سماع ذلك، تساءلت فانيسا: ما هواية غلينا؟
ثم أدركت أنها لم تهتم بغلينا كفاية.
كانت تعتقد أن ديكلان يعتني بها، و أنه يحبها، فلا حاجة لها أن تتدخل كأخت.
لو علمت مبكرًا أن حب ديكلان لم يكن أخويًا بل رغبة قذرة، لكانت اعتنت بغلينا قبل أن يصل الأمر إلى هذا…
شعرت بالأسف الشديد.
اقتربت فانيسا أكثر من غلينا و أمسكت يدها بقوة و قالت بصوتٍ حازم:
“غلينا، ذلك لن يحدث”
“…صحيح، أختي. هل يمكن أن يولد الإنسان محتفظًا بذكريات حياته السابقة؟”
“غلينا…”
كانت غلينا لا تزال تخاف ديكلان.
رغم أنها تعرف أن ذلك وهم، إلا أنها لا تستطيع التخلص من شعورها بالرعب منه.
كانت خائفة من أن يطاردها بعد الموت، أو يعود في حياة أخرى.
“لن يحدث ذلك. سأسأل فينيا بنفسي. ستجيب أنه لن يحدث أبدًا.”
“صحيح… أنتِ تحملين حماية فينيا، أختي.”
ابتسمت غلينا بخفة و كأن الخوف بدأ يزول قليلاً.
عانقتها فانيسا بذراعيها.
عندما أغلقت عينيها، هبت ريح تحمل نسمات الربيع.
“ستأتي أيام سعيدة، غلينا.”
“…..”
“حتى تشعري بالسعادة يومًا ما، و بعدها أيضًا… سأظل أحميكِ.”
السعادة هي أمنية الجميع، و الهدف الأسمى للحياة.
مَنٔ لا يدرك ذلك سيغرق في الطمع و ينتهي به الأمر كديكلان.
أما مَنٔ يجد سعادته الخاصة، فسيجد فيها عزاءً لا نهائيًا.
وجدت فانيسا سعادتها.
كانت تأمل أن تجد غلينا سعادتها أيضًا.
كان اليوم صافيًا بشكلٍ غريب، و السماء زرقاء نقية.
* * *
مر أسبوع منذ عودتهم إلى دوقية دريك.
خلال ذلك، اهتمت فانيسا بعلاج غلينا بشدة.
لحسن الحظ، عرضت جنيلي مساعدتها في علاجها أيضًا، فكانت عونًا كبيرًا.
بدت غلينا غريبة قليلاً في البيئة الجديدة، لكنها وجدت هواية الرسم، فأصبحت تتجول داخل و خارج قلعة ريبادل ترسم كل ما يلفت انتباهها.
شعرت فانيسا بالارتياح لأن غلينا وجدت شيئًا تستمتع به.
كان الموسم يقترب من الربيع، فأصبحت مناظر الشمال أقل قسوة، رغمَ أنها لا تقارن بالجنوب الدافئ.
كانت الأمور في لوينغرين تُرتب تدريجيًا، فوصل دانتيس مؤخرًا إلى العرش بموافقة الإمبراطور.
لكن دوق إيفانوود -والده- سيكون وصيًا حتى يكبر الملك الجديد.
زاد يورغن عدد فرق التحقيق إلى خمس و قسمها و أرسلها إلى أنحاء أسترا.
للبحث عن ساسكيا و ليروي المختبئين.
كانت فانيسا تعتقد أن ليروي الذي تعرفه سيظهر في تيريفرون عاجلاً أم آجلاً.
كان رجلًا مهووسًا بما يملكه، و من بينها عرش تيريفرون بالتأكيد.
بعد سقوط تيريفرون ، كان النبلاء الناجون يديرون إقطاعياتهم بشكل مستقل، لكنهم يخضعون لتدخل الوصي الذي عيّنه الإمبراطور.
كان ذلك الوصي بمثابة حاكم فعلي.
يملك صلاحيات واسعة من الإمبراطور، لكنه لا يحكم بقسوة، حسب ما سمعوا.
‘ليروي سيكره وجود وصي يسيطر على تيريفرون.’
فكرت فانيسا أن عليها تحذير وصي تيريفرون مسبقًا.
قد يتعرض لاغتيال قريبًا، لهذا يجب أن يكون حذرًا.
‘لكن إذا قررت ساسكيا قتله بجدية… فلن ينفع الحذر.’
…على أي حال، يجب البحث عن ليروي و ساسكيا، فربما تذهب إلى تيريفرون؟
بينما تفكر فانيسا، كتبت رسالة إلى وصي تيريفرون.
وصلت الرسالة سالمة بعد سبعة أيام.
المشكلة أن الوصي قُتل قبل أن يقرأها.
* * *
فقد ليروي اهتمامه بسرعة برأس الوصي الذي قطعه كغنيمة.
اعتقد أن قطع رأس المتغطرس الذي جلس على عرشه -كما حدث له سابقًا- سيخفف غضبه، لكنه لم يشعر بذلك أبدًا.
الغضب في صدره لم يكن ليخمد بقطع رأس وصي تافه.
للتخلص من هذا الغضب، لم يبقَ سوى قتل الإمبراطور و يورغن دريك بأبشع الطرق.
و استعادة فانيسا التي سُرقت منه بواسطة يورغن دريك.
“كيف يجرؤ وضيع غير شرعي على النظر إلى زوجتي؟ سأقتله. سأقتله بكل تأكيد…”
تمتم ليروي بجنون و هو يدمر غرفة المعيشة في المكان الذي أعدته ساسكيا له.
بسبب موته و عودته إلى الحياة، أصبح جنونه أشد.
كان ينفجر بالعنف عدة مرات يوميًا.
و تم حل مشكلة عقمه مع إعادة تشكيل جسده، فأصبح كالوحش.
لكنه لم يرغب في أي امرأة.
كان يتوق فقط إلى فانيسا التي لم يتمكن من امتلاكها سابقًا بسبب مشكلته.
كانت ملكـه.
سيستعيدها بأي ثمن.
حتى لو حوّل العالم إلى جحيم…
و لم يكن ذلكَ مستحيلًا تمامًا.
[تحتاج إلى جيش، يا جلالة الملك.]
[جيش؟]
[نعم. لكن ليس جيشًا بشريًا يخون و يموت بسهولة. يجب صنع جيش من الموتى… لا يموتون إلا إذا أُحرقوا أو قُطعت قلبهم أو رؤوسهم.]
[يبدو ذلك ممتعًا. هل ستزوّديني بالموتى؟]
[بالطبع. عندما يتجمع عدد كافٍ من الموتى ليشكلوا جيشًا، اذهب شمالًا و استعد الملكة.]
جيش من الموتى.
سيكون حدثًا غير مسبوق في تاريخ أسترا.
تخيل ليروي الاضطراب الذي سيصيب العالم حينها، فلم يستطع كبح سعادته.
‘انتظري قليلاً، فانيسا.’
سأعود قريبًا لأستعيدكِ.
انتشرت ابتسامة مجنونة على وجهه.
التعليقات لهذا الفصل " 103"