“أعني… آسفة يا سيّدي.” صحّحتُ نفسي سريعًا متظاهرةً بالذُّعر.
وسرعان ما ساعدني هيوبرت على الوقوف منتصبةً وكأن شيئًا لم يكن.
“عشاء الليلة انتهى. لكن احرصي على حضور المَأدَبة القادمة.”
“أجل، يا سيّدي.”
أجبتُ بصوتٍ مُرتعِش.
لقد تَزَعزَعَتْ مشاعر هيوبرت للحظة عندما ناديتُه بـ”جدي”، لكنه لم يُظهِر أي ردة فعل لاحقة.
ومع ذلك، لم يكن الأمر سيئًا.
فعلى الأقل، لم يرفض الفكرة.
“سأُرسِل طعامكِ إلى غرفتكِ. وسأرسِل أيضًا طبيبًا ليعالج جرح ساقكِ.”
“شكرًا لك، يا سيّدي!”
رفعتُ رأسي نحو هيوبرت بعينين لمّاعتَين.
“وأما بالنسبة لتلك الخادمة، كارين، فسأطردها. فلا حاجة للإبقاء على كلبٍ يعضُّ سيده.”
هززتُ رأسي سريعًا.
لا تزال كارين تفيدني.
“كلا، يا سيّدي. لقد عاقبتُ كارين بالفعل. أرجو أن تصفح عن خطئها.”
“أصفح عنها؟”
“أجل. فالسبب في تصرفها هكذا يعود جزئيًا إلى تقصيري أنا كسيدةٍ لها لذا، أريد أن أُعوِّضَ عن قصوري.”
“تُعوِّضين عن قصوركِ، هاه.”
كان قولًا جديرًا بالثناء حقًا.
“حسنًا. سأرى كيف ستعوضين عن ذلك جيدًا.”
بهذا غادر هيوبرت.
***
بينما كان هيوبرت يسير في الرواق، استحضرتْ ذاكرتُه عيني إيفيروزا اللمّاعتَين.
“سأرسِل أيضًا طبيبًا ليعالج جرح ساقكِ.”
“شكرًا لك، يا سيّدي!”
أن تفرح بهذا القدر لأمرٍ بديهيٍّ كهذا.
كم كانت حياتُها قاسيةً حتى الآن؟
مجرد حقيقة أنها كانت تعمل بوظيفة مؤقتة في الصالون وهي في هذا السن، يدل على أن عائلتها ليست ميسورة الحال.
وإن كان الأمر كذلك، إذاً ليونور أيضًا…
لكن بحسب تقارير مرؤوسيه، بدا أنهم يعيشون في رغَد.
بسبب كثرة الجواهر التي سرقتها ليونور عندما غادرت المنزل.
هل يمكن أن تكون كل تلك التقارير كاذبة؟
اعتاد هيوبرت أن يدقق في تقارير مرؤوسيه مرارًا وتكرارًا.
لكن بما أنها ابنته التي غادرت قائلة إنها تكرهه، لم يعد يهتم بالأمر. بل لم يستطع.
مجرد التفكير في الأمر كان يؤلم قلبه.
كان هذا مخالفًا لطباعه، لكن عندما يتعلق الأمر بابنته، كان عقله يخور.
زفر هيوبرت زفيرًا عميقًا يملؤه الندم.
لقد حدث خطأٌ فادح.
وإن كان الأمر كذلك، فعليه تصحيحه.
امتلأت عيناه القرمزيتان عزيمةً.
***
ما إن غادر هيوبرت حتى اختفى أفراد العائلة الآخرون بسرعة.
لم يسأل أحد إن كنتُ بخير.
لقد اعتدتُ على ذلك.
صعدتُ إلى غرفتي في الطابق الخامس.
أتت الخادمات وأعددنَ لي وجبةً فخمةً نوعًا ما.
كان تصرفهن مهذبًا، مختلفًا تمامًا عن تصرف كارين.
وما إن تناولتُ ملعقةً من الحساء الحلو، غمرني شعورٌ بالمتعة.
ثم راودتني فكرة: هل سيقدمون الطعام جيدًا هكذا في الملاذ؟
ماذا قد تكون أمي تأكل الآن؟ هل هي مرتاحة؟ أأستطيع النوم بهدوء الليلة؟
ما إن تسللت هذه الأفكار حتى اختفت شهيتي.
عندما تركتُ معظم الطعام دون مساس، أسرعت الخادمات بحماسٍ بالكاد مقنعٍ لأخذه.
فبقايا الطعام ستكون من نصيبهن بعد كل شيء.
لم تعد كارين إلا بعد ذلك.
عندما رأيت ساقيها ملفوفتين بإحكام بالضمادات، بدا أنها ذهبت لتلقي العلاج بنفسها.
“هل تؤلمكِ كثيرًا؟”
“أهذا سؤال… لا، أنا بخير.”
كارين، وفيةً لطباعها المعتادة، كادت أن تنفجر لكنها تراجعت.
لا بد أن الألم اللاذع من الضرب على ربلة ساقها عاد ليخزَ في ذهنها.
لكن في داخلها، لا بد أنها تحمل ضغينة.
تحدثتُ بنبرةٍ لم تكن لطيفةً بشكل خاص ولا باردة. “لم أضربكِ لأنني أكرهكِ.”
“أعرف.”
نبرتها كانت تقول بوضوح: ‘آه، طبعًا، بالتأكيد فعلتِ.’
لم أتراجع وتابعت: “كنتُ قلقة من أن تقولي شيئًا يتجاهل أوامر سيدي بحضور شخص آخر. إن حدث هذا، فلن ينتهي الأمر ببضع ضربات فقط.”
“لن يحدث هذا. لا داعي للقلق.”
كانت نبرتها مهذبة لكنها باردة بشكل غريب.
كما توقعت.
ليس مفاجئًا أبدًا.
حان وقت صدمها قليلًا.
“مع ذلك، لقد أبدى سيدي رحمته بكِ هذه المرة.”
“ماذا؟”
اتسعت عينا كارين دهشة.
“لقد اكتشف سيدي أنكِ حاولتِ إقناعي بعصيان أمره.”
“كيف يمكن… أعني، ألم يكفِ أنكِ عاقبتِني! أكان لا بد من أن تبلغي عني لسيدي أيضًا؟”
كارين، مرتبكة، أخذت تهذي.
كما في حياتي السابقة، هذه الفتاة سيئة جدًا في إخفاء مشاعرها.
وهذا يناسبني تمامًا.
“توسلتُ إلى سيدي. طلبتُ منه أن يصفح عنكِ ويمنحني فرصة أخرى لأُرشِدكِ بالشكل الصحيح.”
“توسلتِ من أجلي؟”
تمتمت كارين بعدم تصديق، ثم سألت بلهفة: “ثمّ… ثم ماذا حدث؟”
“كما ترين، ما زلتِ هنا بجانبي، وبحالٍ جيدة.”
“…”
“لم تعودِ بحاجة للخوف من ذلك بعد الآن. سأعتني بكِ جيدًا.”
أدارت كارين عينيها بحيرة.
طرق، طرق—
جاء صوت طرق الباب في تلك اللحظة.
“إيفيروزا، إنها أنا، ستيلا. هل أدخل؟”
قبل أن آذن لها، انفتح الباب.
اقتربت مني ستيلا، بثيابها الزاهية، وابتسامة رقيقة. تصلبت عضلات وجنتي.
“أأخبرك؟ لماذا كان لا بد أن تكوني أنتِ وأمكِ بالتحديد؟”
شعرتُ وكأنني أسمع بوضوح صوتها الساخر من حياتي السابقة.
لكنني سرعان ما تمالكتُ مشاعري وابتسمتُ كما لو أنني مسرورة حقًا برؤيتها.
“ما الذي جاء بكِ؟”
“سمعتُ أنكِ أُصبتِ بجروح بالغة بسبب أمي.”
تحدثت ستيلا بنبرة اعتذارية وهي تجلس بجانبي.
لقد تصرفت كما لو كنا قريبتين منذ زمن بعيد.
إنه أمر مثير للاشمئزاز.
إنها تحاول على الأرجح كسب ثقتي لتستغلني.
“لا شيء، مجرد لسعة بسيطة، هذا كل ما في الأمر.”
قلتُ بابتسامة خفيفة.
هزت ستيلا رأسها.
“كلا. رأيتُكِ تعرجين لكن لا تسيئي الفهم—أمي فعلت هذا لمصلحتكِ.”
“أعرف. أنا ممتنة لذلك.”
عند كلماتي، ترددت ستيلا للحظة.
لا بد أنها منزعجة لأنها لم تجد ما تنتقده.
ستيلا التي أعرفها تملك تلك الشخصية.
لكن سرعان ما ابتسمت ستيلا مجددًا.
لا بد أن لديها دافع آخر.
مدت ستيلا إليَّ علبة مرهم صغيرة.
“إذا دهنتِ هذا، فسيشفى جرحكِ بسرعة. إنه مرهم ثمين جدًا مصنوع من لؤلؤ مطحون لا يأتي إلا من مملكة الفرنجة.”
تشبثتُ بصدرِي وكأنني متأثرة بعمق.
“أتعطينَ هذا لي؟”
“بالطبع. وتوقفي عن هذه الرسمية ألسنا بنفس العمر؟”
ابتسمت ستيلا بلطف ووضعت علبة المرهم بقوة في يدي.
“شكرًا لكِ. أقصد، شكرًا، ستيلا.”
بعد مغادرة ستيلا، شعرتُ بنظرة حادة من الجانب.
إنها كارين، تحدق في المرهم.
“كارين، أحضري علبة فارغة.”
“عفوًا؟”
“يجب أن نتقاسم المرهم.”
اتسعت عينا كارين.
“أ-أنتِ تقولين أنكِ ستشاركينني هذا المرهم الثمين؟”
“كلانا مصاب، أليس كذلك؟ و…” ابتسمتُ بلطف. “لقد قالت ستيلا إن هذا من أجل ‘نا’، أتذكرين؟”
ثم، داعبتُ ظهر يد كارين بلطف.
“لذا، يجب أن نتقاسم ما أعطتنا إياه ستيلا.”
“آ-آنستي…!”
لمعت عينا كارين بالطمع.
“سأحضر علبة حالًا!”
غادرت كارين الغرفة مسرعة.
بعد لحظة، عادت ومعها علبة فارغة كبيرة.
بهذه الطريقة، سينتهي بها الأمر بأخذ أكثر مني.
حسنًا، أظن أن هذا أفضل حتى.
ملأتُ علبة كارين بسخاء بالمرهم من ستيلا.
ففي النهاية، هذا المرهم مصنوع من عشبة سامة تمنع التئام الجروح.
***
كان الوقت متأخرًا من الليل بعد مغادرة كارين.
كنت أحدق من النافذة المظلمة عندما قررت مغادرة غرفتي.
نزلتُ الدرج ببطء.
كان المكان الذي أقصده هو الطابق السفلي.
أريد التأكد منه مرة أخرى.
الوحش المقدس الذي أعادني بالزمن.
عند مدخل الطابق السفلي، كان باب حديدي ضخم ينتظرني.
لم يكن فيه مقبض أو ثقب مفتاح.
هذا يعني أنه ليس بإمكان أي شخص فتحه.
فقط من منحه العنقاء الإذن.
بعبارة أخرى، فقط سيد العنقاء يمكنه فتحه.
لكن ربما… فقط ربما…
تذكرتُ اللحظة الأخيرة من حياتي السابقة.
العنقاء التي كلمتني.
ربما سيفتح لي الباب.
في وسط الباب الحديدي، كان هناك شعار يرمز للعنقاء.
وضعتُ يدي عليه.
تحول الشعار إلى اللون الأحمر الفاتح وكأنه يتفاعل مع دم عائلة بلانش.
“!”
فرقعة! انفتح الباب الحديدي الثقيل من الجانبين.
لقد فُتح حقًا! لقد قبلني العنقاء.
دخلتُ وأنا أرتجف.
حديقة اصطناعية تبدو كأنها حقيقية نُقلت إلى هنا، بالإضافة إلى دفيئة زجاجية.
بداخلها كانت العنقاء.
الوحش المقدس الذي منحني العودة بالزمن.
خشخش.
عندما اقتربتُ، انفتح باب الدفيئة الزجاجية من تلقاء نفسه.
مشيتُ بهدوء نحو القفص.
بجانب القفص، لم يكن هناك سوى تربة جرداء، ولا عشبة واحدة في الأفق.
فلا نبات يستطيع العيش بالقرب من العنقاء.
حدقتُ في التربة القاحلة وتلك الكتلة القرمزية النائمة داخل القفص خلفها.
طائر من نار بعينيه ومنقاره مغمضين بإحكام.
أحد اثنين فقط من الوحوش المقدسة في الإمبراطورية.
لقد كانت العنقاء.
“أيتها العنقاء.”
ناديتُ الوحش المقدس بصوتٍ مرتجف.
“سأفي بوعدي، مهما كلف الأمر.”
فجأة، اشتعلت حرارة العنقاء بعنف.
كانت الحرارة شديدة لدرجة أنني شعرتُ وكأن جلدي يحترق.
ورغم ذلك، ومن الغريب، فاض قلبي فرحًا.
“سأصحح كل شيء حتمًا.”
عندها، فتحت العنقاء عينيها.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"