***
كان وقت العشاء في قصر آل بلانش.
اجتمع العديد من أفراد العائلة أمام المائدة الطويلة الكبيرة.
ما عدا شخصًا واحدًا.
تضيق ما بين حاجبي هيوبرت، دوق بلانش الأكبر.
“لمن ذاك المقعد الخالي؟”
“إنه مقعد إيفيروزا.”
أسرعت ستيلا بالرد، وكأنها كانت تنتظر السؤال.
قطب هيوبرت حاجبيه.
لم يعلق على الأمر بشيء، لكن كان جليًا أن ذلك قد استاءه.
فمنذ أول يوم وضعت فيه قدمها في هذه الديار، تخالف أمره.
قرأت ستيلا ما في نفس جدها، فأخذت تثرثر بقولها:
“أظنها غابت عن العشاء لأنها خائفة مذعورة في يومها الأول، فقد رأيت خادمتها تحمل لها الطعام إلى غرفتها على حدة.”
“إن كان مثل هذا الأمر الهين يخيفها ويذعرها، فهي إذاً غير جديرة بأن تكون من آل بلانش.”
بتهامة القطع نطق هيوبرت.
ابتسمت ستيلا في سرها.
‘بفضل أمي، خرجت تلك الفتاة من عين جدي. علي أن أحسن التملق لها وأستغلها!’
وعندها…
“أعتذر عن التأخير.”
ظهرت شخص على باب قاعة العشاء يمشي على عرج.
كانت إيفيروزا.
***
بدا على ديان أنها ارتبكت.
بل إن ساقها المحمرة قد لمحتها لمحة تحت التنورة القصيرة التي غيرتها على عجل.
شاح وجهها واصفر.
سألها هيوبرت بصرامة، ولم يكن قد رأى ساقها بعد:
“لماذا تأخرتِ؟”
أسرعت ديان تجيب بلهفة:
“لا بد أنها أرهقها الانتقال فنعست قليلًا. هاهاها!”
“……”
صوبت النظر إلى ديان.
نظرة باردة كاد الفؤاد يجمد من قرها.
فأخذها الارتباك وهي ترمي الكلام على عجل:
“أنتِ… أنتِ حقًا تعبتِ. ألم أقل لكِ استريحي!”
“جسدي بخير. وأرى أن الامتثال لأمر سمو الدوق بحضور العشاء أولى.”
تكلمت بصوت أظهر فيه الجهد، قاصدة، ونظرت إلى هيوبرت بأدب.
“وفوق هذا كله، كنت أشتاق إلى أن أتناول الطعام مع سمو الدوق، ولو مرة واحدة.”
كأنما حفيدة صغيرة تقول لجدها: “اشتقت إليك.”
لانت نظرة هيوبرت.
“لا تحملي همًا، فسنأكل معًا مرارًا.”
“شكرًا لك، سيدي الدوق.”
نطقت بهذا ومشيت إلى مقعدي الخالي.
أمشي مشية العريج بينة.
وتحت تنورتي المرفلة، بدا الجرح قانيًا.
لمح هيوبرت البصر، فلمعت عيناه.
“لماذا تعرجين؟ وما هذا الجرح؟”
تصنعت نظرة من يقول: “آه، نسيت!” وطأطأت رأسي.
“وقعت فجرحت.”
“تقعين فتبقى في ساقك آثار الضرب بالعصا؟”
“إنه…”
جثوت على ركبتي أمامه.
“سيدي الدوق، كله ذنبي أنا!”
يجب أن أبدو كفتاة صغيرة بريئة لا تعلم شيئًا.
كأنها مضطهدة بلا ذنب.
‘حينها لن تستطيع ديان أن تؤذيني علنًا كما فعلت اليوم.’
شعرت بنظرة الدوق تحط علي.
يبس ريقي.
“من؟ من ضرب هذه الطفلة؟”
حلق هيوبرت ببصره في الجالسين على المائدة.
ابتلعت زفرة ارتياح.
‘لم يتجاهل الأمر.’
وكان السبب جليًا.
‘لأنها الطفلة التي أحضرها هو “بنفسه” و”اليوم”، فمسها غيره بلا إذنه.’
لا يقبل التعدي على سلطانه.
فخره بكونه صاحب الفينيق عظيم.
توقفت عينا هيوبرت أمام ديان.
كانت تحرك يديها تحت المائدة تتلو بهما من شدة التعرق.
“ديان.”
ارتعشت منكبا ديان لوقع صوته، فرفعت رأسها.
“نعم، نعم. يا سيدي.”
“أنت المسؤولة عن شؤون البيت، فلا بد أنك تعلمين ما جرى.”
تمتمت ديان، ووجهها متقبض من الخوف.
لا تزال لا تعلم أن التلكؤ في الجواب يزيد سطوة هيوبرت.
“قولي. لم ضربت إيفيروزا على ساقها؟”
“إن… إن ذاك…”
تكلمت ديان بصوت يرتجف:
“إيفيروزا… عندما جاءت أحدثت شغبًا. فأدبتها. لم أضربها سوى ثلاث ضربات فقط، كي لا أفزعها.”
“شغب؟ أي شغب؟”
“ضربت إحدى الخادمات بلا ذنب.”
رفعت بصري نحوه نظرة خاطفة.
هيوبرت يقلب بصره بيني وبين ديان.
ديان قلقة.
وأنا راكعة على الأرض أرتعـد.
مع أنها ضربتني ثلاثًا فقط، أراني منكمشة مذعورة.
تلك الطفلة التي كانت بتلك الثقة في الصالون.
لا بد أن في الأمر شيئًا غريبًا.
عن قريب سيخلص هيوبرت إلى نتيجته.
“أيعني هذا أن تأديبك أنت لإيفيروزا هو تربية حسنة، وأما تأديب إيفيروزا للخادمة فاعتداء بلا سبب؟”
بهتت ديان.
ثم التفت هيوبرت ببصره نحوي.
قبضت كفي بشدة وأنا متوترة.
هذا في الحقيقة أول ظهور لي أمام هيوبرت منذ دخلت القصر.
لن أستطيع ترك انطباع جيد، لكن يجب ألا أترك صورة الأحمق أو الشرير.
“سأسأل إيفيروزا هذه المرة. لماذا ضربت الخادمة؟”
إذاً، علي أن أحسن الإجابة.
ولكن…
“سيدي، إن ذاك…”
قاطعـت ديان بلا إرادة منها.
لمعت عينا هيوبرت.
“ديان! أنا أسأل إيفيروزا!”
انتصبت ديان مرتاعة.
دفعها زوجها غايل بكتفه يؤنبها.
رصدت الأجواء، ثم فتحت فمي في الوقت المناسب.
“لأن خادمتي كارين مونا منعتني من حضور العشاء، مخالفة بذلك أمر سمو الدوق.”
اخترت كلماتي بحذر.
ذكرت اسم الخادمة ليعلم الدوق أنها ابنة السيدة مونا.
وقلت “خالفت الأمر” ليعلم أنها تجاوزت حدها، وهو ما يمقته هيوبرت.
لم أجسر بعد على لفظة “جدي”.
لأن بيني وبينه فجوة.
ولتلك اللفظة وقتها المناسب.
وبدا هيوبرت غير مبال بتلك التسمية.
“ماذا؟ أحق هذا؟”
“نعم. قالت لي: لأنك جاهلة بآداب المجلس، فإن ظهرت هكذا في مجلس العشاء، ستكدرين صفو سمو الدوق فقط.”
“فضربت الخادمة إذاً؟”
“نعم. رأيت أن طاعة أمر سمو الدوق أولى من كل شيء.”
زفر هيوبرت زفرة استنكار.
“خادمة تجرؤ فتحض على عصيان أمري؟!”
“نعم. رأيت ذاك خطأ، فأدبتها. لكن…”
رفعت رأسي نحو ديان المرتجفة.
وجعلت وجهي حزينًا قدر المستطاع.
“ولكن كلام العمة صواب أيضًا. في أول يوم لي في قصر الدوق، أحدثت شغبًا، وأنا أستحق أن أضرب حتى تنكسر العصا.”
“ماذا؟ تضربين حتى تنكسر العصا؟”
ارتد هيوبرت دهشًا، وهو قليلًا ما يبدي الذهول.
كذلك غايل.
“هل تفعل زوجتي هذا؟ أليست امرأة فاضلة؟ لقد قالت للتو إنها ضربتها ثلاث ضربات فقط. أليس كذلك يا عزيزتي؟”
“أنا… هذا…”
عييت ديان بالجواب.
برد وجه هيوبرت.
“أتقولين إنك ضربت طفلة في أول يوم لها في قصر الدوق، حتى انكسرت العصا؟”
“أنا… أنا ضربتها ثلاثًا فقط! أما العصا فانكسرت وحدها!”
“بأي شدة ضربتها حتى تنكسر العصا؟!”
صاح هيوبرت، فذهلت ديان ولم تستطع إلا أن تفتح فاها بلا صوت.
“أردت أن تكسري روحها منذ أول يوم!”
“سيدي، إني… إني مظلومة. ضربتها ثلاثًا فقط!”
عضت ديان شفتها تدافع عن نفسها.
لو كان غير هذا الموقف لخضعت، لكنها تشعر بغبن شديد هنا.
أما هيوبرت فكان قاسيًا.
“ديان، إلى إشعار آخر، لن تحضري مجالس العائلة. تأدبي في بيتك.”
“سيدي!”
“لا رجعة في القرار. اطلبي العفو بتواضع.”
طأطأت ديان رأسها.
طأطأت أنا أيضًا رأسي، أخفي ابتسامة تتفلت مني.
قام هيوبرت كأن الطعام لم يعد يشهيه.
وبينما هو مار بجانبي.
“إيفيروزا.”
ناداني.
لم أكن أنتظر هذا.
رفعت رأسي دهشة.
توجهت إليه عيناي الزرقاوان البريئتان، فتململ شيء في عينيه الحمراوين.
“انهضي.”
قمت أتمايل.
خدرت ساقاي الطريحتان من طول الركوع.
فمالت بي قدمي وكدت أسقط.
إلا أن هيوبرت أمسك بي.
اتسعت عيناي الزرقاوان.
‘ظننته ربما يتركني أسقط، لكنه أمسك بي.’
خفق قلبي.
الآن.
الآن حان وقت “تلك الكلمة”.
“شكرًا لك… جدي.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"