5
كان طائر العنقاء أو الفينق، الكائن المقدس لعائلة بلانش، في حالةٍ من الضعف الشديد.
لم يكن معروفًا السبب.
لهذا، على الرغم من شكه في العرّاف المُدَّعي، ظل هيوبرت صامتًا، متسائلًا عما إذا كان (دمعة الكائن المقدس) قد تكون حقيقية.
لم يكن ليقدم على ذلك في الأحوال الطبيعية.
لكن يأسَه دفعَه إليه.
“أليس سبب مرض الفينق هو أنها ستضع بيضة قريبًا؟”
كلا.
كيف أصدق كلام هذه الصغيرة؟
طفلةٍ طُرِدَتْ من العائلة ولا تعرف شيئًا عن الكائنات المقدسة؟
“ولكن، ماذا لو كان صحيحًا…”
راقبت إيفيروزا هيوبرت وهو يتأرجح بين الشك والرجاء بصمتٍ.
لقد فعلت كل ما في وسعها لتجعل من غايل سيدًا للكائن المقدس.
فاكتسبت معرفةً واسعةً عنهم بطبيعة الحال.
“عندما يحين وقت البحث عن وريث، يضع الكائن المقدس بيضةً هديةً لذلك الوريث.”
لكن ليونور الوريثة ليست هنا بجانب العنقاء الآن.
“إذاً، ستضع العنقاء بيضةً فارغةً.”
يشقُّ على الطائر وضعُ بيضةٍ فارغةٍ ويُعانيه ألمًا شديدًا.
كان هذا هو سبب ضعف الفينق.
بعد لحظة.
ضغط هيوبرت يديه بقبضتهما، ثم التفت.
“سأريك الكائن المقدس تعالي معي إلى قصر بلانش.”
“…….”
“بعد أن تتأكدي من حالته، يمكنكِ المغادرة.”
كانت نبرته مختلفةً بوضوح عما كانت عليه قبل قليل.
“هذا ليس أمرًا، بل إقناع.”
ابتلعت إيفيروزا ابتسامةً وخفضت رأسها.
“حسنًا، سمو الدوق.”
***
داخل الصوبة الزجاجية تحت أرضية قصر دوق بلانش.
طائر أحمر نائم يتنفس بصعوبة داخل قفص ذهبي كبير.
“الفينق!”
ارتعد بدني من الحرارة اللاهبة التي ضربت وجهي.
كانت هيئته مختلفةً عن تلك الخاصة بالعنقاء الضعيف الذي انهار بجواري.
يمكن للعنقاء أن يغير حجمه كيفما يشاء، وكان الآن أكبر قليلًا من شخص بالغ.
وبجانبه، تقع بيضة حمراء منعزلة.
“لقد وضع بيضةً حقًّا.”
همس هيوبرت.
بدا الفينق الذي وضع البيضة في حالةٍ من السلام.
“كان كلامك صحيحًا، إيفيروزا.”
نظر هيوبرت نحوي.
تحدق بي عيناه الباردتان وكأنه منبهر.
كان وضع الفينق للبيضة أمرًا حدث حتى قبل أن يُعيَّن هيوبرت وريثًا.
فُقست حينها نسخة مصغرة من العنقاء لتساعده حتى أصبح سيدًا لها.
أكان هذا هو السبب؟ اندفع غايل متحمسًا يتحدث:
“أيها الأب، أليس الكائن المقدس يضع بيضةً من أجل الوريث؟ يبدو أن العنقاء قد اعترف بي أخيرًا.”
“تهانينا، أيها الأب!”
قال (نيكولاس)، ابن غايل، بوجهٍ مُبتهج.
لكن ستيلا وحدها نظرت إلى البيضة بحذر.
حينها، قال هيوبرت:
“غايل، ادخل إلى القفص وأخرج البيضة.”
“ماذا؟”
ارتعب غايل بوضوح.
لأن العنقاء كانت تصب غضبها كالنيران عليه كلما اقترب.
تذمر هيوبرت.
“أتخشاها؟”
“كلَّا! سآتي بها!”
دخل غايل إلى القفص بحذر.
في الحال، فتحت العنقاء النائمة عينيها على مصراعيهما.
ثم فتحت منقارها وأطلقت لهيبًا.
“آه، آآآه!”
صاح غايل بصوتٍ عالٍ وهرب خارج القفص.
هز هيوبرت رأسه.
“مثير للشفقة…”
لكنه لم يكمل كلامه.
إذ تحطمت بيضة العنقاء إلى أشلاء في مكان مرور اللهيب.
كانت فارغةً تمامًا من الداخل.
“ببيضة الكائن المقدس…!”
جثا جيل ونيكولاس على ركبتيهما.
بادرت ستيلا بالكلام على الفور:
“يبدو أن محتويات البيضة احترقت بفعل اللهيب. ستضع بيضةً أخرى من أجلك قريبًا، أليس كذلك أيها الأب؟”
“كلا، كانت البيضة فارغةً منذ البداية على ما أظن. ألم تسمعي كلام إيفيروزا؟”
قاطع هيوبرت كلام ستيلا.
عضت ستيلا شفتها بقلق.
“كيف عرفتي؟”
سأل هيوبرت.
رغم عدم ذكر الفاعل، فهمت سؤاله فورًا.
كيف عرفت أن الفينق كانت مريضة لأنها ستضع بيضةً فارغة؟
والأهم من ذلك-
‘أن هذه كانت المعلومة التي يحتاجها سمو دوق هيوبرت.’
كان يسأل كيف عرفت ذلك.
أجبته بأدب:
“لقد ظننت أن سمو الدوق ليس من يقع في حبائل متنبئةٍ مُدَّعية.”
ضاقت عينا هيوبرت.
“ولكنني اعتقدت أن سبب صمتك ومشاهدتك له وهو يفعل ما يفعل هو ‘الأمل في احتمالية’ ما.”
“الأمل في احتمالية؟”
“نعم. لأن موقفًا استدعى الحصول على ‘دمعة الكائن المقدس’ بشدة، لذا فقد تعلقت بأملٍ غير معتاد.”
ارتفعت حاجبا هيوبرت.
“هل خمَّنتِ أن ثمة مشكلةً قد حلت بالعنقاء من خلال رد فعلي؟”
لكن رغم نبرته الممتَعة، كان سؤاله يحمل ضغطًا.
توتَّرت وضغطت على يديَّ بقبضتيَّ.
غرزت أظافري في لحمي.
“نعم.”
“إذاً، كيف عرفتي أن البيضة فارغة؟”
“ذلك…”
أخذت وقفة قصيرة، ثم قلت ببطء:
“كانت أمي أحيانًا تهمس لنفسها ذات مرة، قالت: ‘مرض الكائن المقدس سببه وضعه لبيضةٍ فارغة’.”
“هل قالت ليونور ذلك؟”
اتسعت عينا هيوبرت.
كانت تعابير وجهه تعبر عن الدهشة، متسائلًا كيف عرفت ابنته المجنونة شيئًا لا يعرفه هو نفسه.
هنا، تدخلت ستيلا.
“أيمكن أن تكون مصادفة؟”
“قد تكون مصادفة، وقد تكون كذبًا.”
عند كلمات هيوبرت، ارتعد قلبي.
‘إنه يشك بي. ألم يكن هذا كافيًا؟’
جف فمي.
لكنني ظاهريًّا، تصرفت وكأن شيئًا لم يكن، بل نظرت إلى هيوبرت بعينين أكثر ذكاءً.
فجأة، ارتخت تعابير وجه هيوبرت.
“أريد اختبارك أولًا.”
“وما الاختبار الذي تقصده سموك؟”
“ما رأيكِ أن تعيشي معنا في قصر بلانش؟ وبالطبع، أمك…”
أغمض هيوبرت عينيه ثم فتحهما.
“سندعمها لتتلقى العناية في مكان أفضل. ما رأيك؟”
أدركت فورًا.
هذا ليس أمرًا ولا محاولة إقناع.
“إنها صفقة.”
أثبت له أنني ذا قيمة مقابل دخولي اختباره، ويهتم بأمي مقابل ذلك.
‘لكن يبدو أنه لا يزال غير راغب في عودتها إلى العائلة.’
لم أكن أتوقع ذلك بالفعل.
“على أي حال، ليست صفقةً سيئة.”
في تلك اللحظة.
“ماذا لو خصَّصنا طبيبًا خاصًّا لرعاية والدة إيفيروزا)
؟”
تدخلت ستيلا.
“أعرف طبيبًا بارعًا.”
حدَّقتُ بنظرةٍ حادة.
“تتحدثين عن طبيب خاص؟”
في الحياة الماضية أيضًا، خصص غايل وستيلا طبيبًا خاصًّا لأمي.
لكن بغرابة، كلما زارها، ازدادت حالتها سوءًا.
حينها، صدقت كلام الطبيب بأن مرض أمي عميق الجذور.
لأنني لم أكن أعرف شيئًا. لأنني كنت غبية.
أدركت الحقيقة فقط بعد وفاة أمي.
كان الطبيب الخاص دائمًا بجانب أمي كظلها، ومع ذلك ماتت.
فماذا يعني ذلك؟
‘ذلك الطبيب شارك في موت أمي.’
لقد تركها لتكون ضحيةً دون مقاومة.
لا يمكنني أن أترك أمي بين يدي أمثالهم هذه المرة أيضًا.
هززت رأسي بتواضع.
“إذا أمكن رعاية أمي في مكان أفضل مما هي فيه الآن، فأنا موافقة بكل سرور على الذهاب إلى منزل دوق بلانش. لكن…”
ارتفعت حاجبا هيوبرت بسرعة.
“طبيب خاص؟ الأمر لا يستحق ذلك.”
قلت وكأنني لا أعرف كيف أرد الجميل:
“أعلم أن الطبيب الخاص يكلف كثيرًا. لا يمكنني أن أثقل كاهلكم بهذا القدر. فقط، أرجوكم اكتبوا لي خطاب توصية لأرسل أمي إلى مصح المعبد.”
مصح المعبد.
كان المعبد مكانًا محايدًا على الأقل ظاهريًّا.
لذا لم يكن بإمكان العائلة المالكة أو النبلاء الاقتراب منه بتهور.
‘إذا دخلت هناك، فهذا يعني أنها ستكون آمنة من تهديدات غايل.’
كما أنه يتطلب خطاب توصية للدخول، لذا يتلقى عدد قليل من الأشخاص رعايةً حانيةً من الكهنة.
أومأ هيوبرت برأسه وكأنه يعتقد أنها فكرة معقولة.
عندها، قالت ستيلا بقلق:
“لا داعي للقلق بشأن العبء! أما المال، فنحن مستعدون…”
“ستيلا.”
قال هيوبرت بحدة.
نظرت ستيلا إليه مذهولة.
“أعتقد أن الدخول إلى مصح المعبد أفضل. لن تكون تحت أنظار الناس.”
ألمت بي آلامٌ كأن قلبي يسحب إلى الحضيض عند كلمات هيوبرت الباردة.
‘أن تكون بعيدةً عن أنظار الناس تمامًا؟ هل تكرهها إلى هذا الحد؟ إنها مجرد مريضة!’
“سأكتب خطاب التوصية.”
لكن على أي حال، حصلت على ما أردت.
رغم أنني رأيت ستيلا تعض شفتها بإحباط، إلا أن هذا كان أمرًا جيدًا.
“سأتأكد من دخول أمك مصح المعبد قبل نهاية اليوم تعالي إلى منزل دوق بلانش فور مغادرتها.”
“شكرًا جزيلاً لك، سمو الدوق.”
انحنيت بأدب وألقيت التحية.
رغم أن طعم الحديث كان مرًّا بسبب معاملته القاسية لأمي.
‘على أي حال، لقد نجحت خطتي الأولى.’
سيتم حماية أمي في مكان لا تستطيع يد غايل الوصول إليه.
وسأنضم إلى عائلة بلانش.
وبعد ذلك-
‘عندما أحصل على نفوذ داخل العائلة، سأُعيد أمي بالتأكيد.’
عقدت العزم بقوة في داخلي.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 5"