رفعتُ الحذاءَ الأزرقَ. كان تصميمُه عاديًّا، لكنه بدا فاخرًا، على خلافِ الفستان.
“آنستي، كيفَ عرفتِ أن المشكلةَ في الحذاء؟”
سألتْ بريتلين باستغرابٍ عندما أشرتُ إلى الحذاء.
فابتسمتُ وقلتُ: “الفخُّ يكونُ دائمًا في المكانِ الذي يبدو الأكثرَ أمانًا.”
***
كان صباحَ يومِ عيدِ القديسِ “بابلو”. ستيلا، التي ترتدي فستانًا أصفرَ أنيقًا، هبطتِ الدرجَ خفيفةً كالفراشةِ.
تتمايلُ طبقاتُ الدانتيل مع كلِّ خطوةٍ تخطوها.
الفستانُ المصبوغُ بعنايةٍ جعلَ ستيلا تبدو كحورية.
لم تكن ترتدي أقراطًا، لكنها عوضتْ ذلك بعقدٍ من الألماسِ باهظِ الثمنِ.
كان شعرُها مضفورًا بإتقانٍ فائق، وقد زُيِّنَ هنا وهناك بدبابيسَ صغيرةٍ مرصعةٍ بالجواهر.
كان مظهرُها غايةً في البذخِ الذي يسمحُ به ضبطُ النفس.
وهذا على النقيضِ تمامًا من منعِ ديان لـ إيفيروزا من ارتداءِ أيِّ إكسسواراتٍ.
عندما نزلتْ إلى الطابقِ الأرضي، صرختْ ديان التي كانت تنتظرُها: “يا ابنتي! إنكِ حقًّا تبدين كحورية!”
أشرقَ وجهُ هيوبرت أيضًا وقال: “تزينتِ بشكلٍ جميلٍ”.
مديحُ هيوبرت جعلَ ستيلا تشعرُ وكأنها تطير.
حتى غايل، والمثيرُ للدهشة أن نيكولاس أيضًا، كان ردُّ فعلِهما إيجابيًّا.
رؤيةُ جولييت واقفةً بهدوءٍ في زاويةٍ ما بفستانها الأزرقِ الباهتِ جعلَ مزاجَها أفضلَ.
سأكونُ نجمةَ هذا الاحتفال! ستصنعُ إيفيروزا من نفسها أضحوكةً كمهرِّجة، وستيلا متأكدةٌ أنها ستتألقُ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى.
لن تستطيعَ استخدامَ أيِّ حيلةٍ هذه المرة.
لقد كلَّفتْ ديان السيدةَ مونا بمراقبةِ إيفيروزا بصرامة، وخاصةً التأكدُ من أنها لا ترتدي أيَّ فستانٍ آخرَ.
“لماذا تأخرتْ إيفيروزا كلَّ هذا التأخير؟ جدِّي ينتظر”
تكلَّمتْ ستيلا متظاهرةً بالقلق.
“كانت تشكو من ألمٍ في معدتها هذا الصباح، فتناولتْ دواءً وستأتي على مهلٍ.”
أجابَ هيوبرت وكأن الأمرَ عاديٌّ.
فـ إيفيروزا قد أخبرته مسبقًا.
ما الذي تُدبِّرُه هذه المرة؟
شعرتْ ديان بالقلق.
في المرةِ السابقة، تعرضتْ لانتقاداتٍ بسببِ إجبارِ إيفيروزا على ركوبِ عربةٍ منفصلةٍ.
“سأنتظرُ وآخذُ إيفيروزا معي.”
“كيفَ لإبنة المنزلِ أن تصلَ متأخرةً؟ لقد جُهِّزَتْ عربةُ إيفيروزا بأفخرِ العربات، ولن يُقالَ عنكِ أنكِ تُهملينَ ابنتَ أخت زوجكِ.”
عند كلامِ هيوبرت الذي بدا وكأنه يقرأُ أفكارَها، صمتتْ ديان.
وقبل أن تغادر، همستْ للسيدةِ مونا:
“راقبي إيفيروزا جيدًا. ذلك الفستان، وخاصةً ذلك الحذاء! تأكدي من أنها ترتديها.”
“فهمتُ، سيدتي. لا تقلقي، تفضلي أنتِ.”
“أعتمدُ عليكِ.”
ثم همستْ: “كارين أيضًا تنتظرُ بصبر، على أملِ رؤيةِ والدتِها مجددًا يومًا ما.”
عند ذكرِ كارين، تومضُ شرارةٌ في عيني السيدةِ مونا.
لقد كان غضبًا.
أساءتْ ديان فهمَه على أنه شوقٌ وابتسمتْ بلطفٍ قبل أن تغادر.
لم تكن تدري أن السيدةَ مونا قد صرَّتْ على أسنانِها.
***
عندما ظهرتْ عائلةُ بلانش في قاعةِ المعبد الرئيسية، بدأ الحشدُ بالهمس.
ظاهريًّا، ادَّعوا أنهم تجمَّعوا للصلاة، لكن اهتمامَهم الحقيقيَّ كان منصبًّا على الشخصياتِ الشهيرةِ التي ستتلقى البركاتِ اليوم.
“وفوقَ هذا كلِّه، يُقال إن نيكولاس يطوِّرُ دواءً جديدًا ويجذبُ المستثمرين!”
“سمعتُ أن كبارَ النبلاءِ فقط يُسمحُ لهم باستثمارِ مبالغَ كبيرةٍ. ربما أجدُ طريقةً لأدخلَ في هذا أيضًا؟”
انقضَّ أولئك الذين يأملون في التقاطِ بعضِ الفتاتِ على عائلةِ غايل.
“سيد غايل، لا بدَّ أنك فخورٌ جدًّا بهؤلاءِ الأبناءِ الرائعين كلاهما من صانعي ياسا بلانش، على ما أعتقد!”
“سيد نيكولاس، إني أراكَ بنظرةٍ جديدة. أنت حقًّا نبيلٌ استثنائي.”
لم ينقطعَ المديحُ، وخاصةً الموجهُ لستيلا.
“آنسةَ ستيلا، ظننتُ أن ملاك قد نزل إلى الأرض!”
“أن تكوني ذكيةً بما يكفي لصنعِ الأزرق الملكي وجميلةً بهذا الشكل .”
كلُّ هذا الثناءُ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ جعلَ عائلةَ غايل ترفعُ رؤوسَها عاليًا بفخر.
“أيُّها الكونت غايل والسيد نيكولاس، بالمناسبة، هل ما زلتما تقبلان الاستثماراتِ للدواءِ الجديد؟”
“إن كان الأمرُ يتعلقُ بالمال، فلديَّ الكثيرُ. هل يكفي هذا المبلغُ لاستثمارٍ؟”
أولئكُ الذين يرغبون في استثمارِ أموالِهم في الدواءِ الجديدِ احتشدوا حولَ غايل ونيكولاس.
كان غايل يُفضِّلُ أن يُدعى “وريثَ بلانش”، لكن لقبَه الرسميَّ جاء من اللقبِ الذي منحه إياه هيوبرت.
“لا يستطيعُ أيُّ شخصٍ الاستثمارَ. انظرْ إلى مستوى الأشخاصِ الذين استثمروا بالفعل.”
تفاخرَ نيكولاس بغطرسة.
شعرَ النبلاءُ بالإهانة، لكن أمامَ سمعةِ عائلةِ بلانش وثروتِها الطائلةِ، تواضعوا.
بما أن قاعةَ المعبد الرئيسيةَ كانت ممتلئةً في الغالبِ بالنبلاءِ، كان الحديثُ عن ياسا بلانش في كلِّ مكانٍ.
“لا تمدحوا ستيلا فقط. قريبتي إيفيروزا أيضًا صنعتْ ياسا بلانش، ألا تعلمون؟”
“الأزرق الملكي أفضلُ بكثيرٍ من شيءٍ مثلِ ياسا بلانش.”
“لا أعرفُ حتى لماذا يمنحون البركاتَ لشيءٍ كهذا. اليوم، فقط الآنسةُ ستيلا وسيد نيكولاس هما من يستحقانِ البركةَ حقًّا!”
كان هذا بالضبطِ ما أرادتْ ستيلا سماعَه.
نجومُ الاحتفالِ كانوا بوضوحٍ عائلةَ غايل، وخاصةً نيكولاس وستيلا.
“…”
كان هيوبرت جالسًا بالفعلِ مع جولييت، يراقبُ بهدوء.
لم يتكلمْ ولم يتدخلْ.
ماذا يُخطِّطون؟ كان فقط يراقبُ سلوكَ عائلةِ غايل.
منذ البداية، كان هيوبرت يعلمُ أنهم ينوون سرقةَ إنجازاتِ إيفيروزا، لكنه لم يمنعهم.
أرادَ أن يرى كيف سيحاولون استغلالَ الموقف.
إذا كسبوا بالمكر، فتلك موهبتُهم.
لكن ما كان يثيرُ فضولَه أكثرَ هو شيءٌ آخرُ.
‘أريدُ أن أرى كيف ستتعاملُ إيفيروزا مع هذا.’
موهبةُ صنعِ الأشياءِ الجيدةِ وحدَها لا تكفي للبقاءِ في هذا العالمِ القاسي.
يجبُ أن تعرفَ كيف تحمي نفسَكَ وكيف تردُّ الضربةَ.
متى ستصلُ إيفيروزا؟
هل كان ألمُ معدتِها حقيقيًّا؟ ظنَّ هيوبرت أنه مجردُ عذرٍ للإعدادِ لشيءٍ ما.
وبينما بدأ يشعرُ بالقلقِ على حفيدتِه، حدثتْ ضجةٌ عند المدخل.
كان هناك شخصٌ يدخلُ.
“آنسةَ إيفيروزا!”
رجلٌ تعرَّفَ على إيفيروزا وصرخ.
كان صوتًا مليئًا بالدهشة.
ديان، التي كانت تبتسم، أدارتْ رأسَها نحو إيفيروزا.
لا بدَّ أنه مصدومٌ من مظهرِها المثيرِ للسخرية.
لكن ما رأته لم يكن ما توقعتْه.
كانت إيفيروزا تدخلُ القاعةَ مرتديةً فستانًا أبيضَ نقيًّا، ناصعًا كالثلجِ الذي لم تطأهُ قدمٌ.
التصميمُ الأنيقُ والحادُّ جعلَ إيفيروزا تبدو أنيقةً حتى بدونِ زينةٍ برَّاقة.
لكنه لم يكن بسيطًا.
التطريزاتُ هنا وهناك كانت رموزًا دينيَّةً، مما جعلَه جميلًا ومناسبًا تمامًا للمناسبةِ.
القماشُ الشفافُ الرقيقُ فوقَ التنورةِ كان مرصعًا بزينةٍ لامعةٍ، مما جعلَه يبدو كأن غبارَ الجنِّ يتساقطُ مع كلِّ خطوةٍ.
أكثرَ من أيِّ لونٍ آخرَ، شعرُها الورديُّ الباهتُ وعيناها الزرقاوانِ الصافيتانِ جعلا إيفيروزا بفستانِها الأبيضِ تبدو كملاك.
“حقًّا… يخطفُ الأنفاسَ.”
لم يتمالكَ أحدُهم نفسه فأطلقَ تعجبًا لا إراديًّا.
ابتسمتْ إيفيروزا بخجلٍ، وبدتْ مرتبكةً.
“هذا مديحٌ كبيرٌ جدًّا.”
وبينما كان صوتُها النقيُّ، الذي يليقُ بجمالِها الأنيقِ، يرنُّ في الأرجاءِ، تحوَّلَ انتباهُ الجميعِ نحو إيفيروزا.
“آنسةَ إيفيروزا، إنه لشرفٌ لي أن ألقاكِ.”
“أعتقدُ أننا التقينا من قبلُ، أليس كذلك؟ لكني لم أدركْ كم كنتِ خلابةً إلى هذا الحد…”
تشمَّعَ وجهُ ديان بالإحباط.
بحثتْ على عجلٍ عن السيدةِ مونا الواقفةِ عند المدخل.
“ما الذي يحدثُ بحقِّ السماء؟! لقد طلبتُ منكِ تحديدًا أن تجعليها ترتدي ذلك الفستان!”
“لقد ارتدتهُ الآنسةُ إيفيروزا، لكنها شعرتْ بغثيانٍ وانتهى بها الأمرُ بتقيئِها كلِّه على الفستان.”
“ماذا؟”
“لقد كانت تعاني من ألمٍ في معدتها هذا الصباح.”
إذاً، ألمُ المعدةِ لم يكن عذرًا؟ شعرتْ ديان بالارتباك.
“لم أستطعْ إجبارَها على ارتداءِ فستانٍ مدمرٍ، لذا اضطررتُ إلى إلباسِها ما كان متاحًا لديها.”
“كيفَ لديها فستانٌ برسومٍ دينيَّةٍ هكذا بمجرَّدِ أن يكونَ في متناولِ يدها؟”
“السيدةُ أعطتها الفستانَ فقط في اليومِ السابق. لذا، ولأنها ظنَّت أنها لن تحصلَ على واحدٍ منكِ، اشترتْ فستانًا رخيصًا من أحدِ المحلات.”
قالتِ السيدةُ مونا وكأنها في حيرةٍ من أمرِها.
في الحقيقةِ، كانت هي من حصلتْ سرًّا على ذلك الفستانِ الأبيضِ لـ إيفيروزا.
إيفيروزا جاءتْ بالفكرةِ، والسيدةُ مونا طلبتْهُ سرًّا وأحضرتْهُ.
“كان يجبُ عليكِ أن تجعليها ترتدي الذي أعطيتُه إياها، حتى لو اضطررتِ لغسلِه!”
احتجتْ ديان بغضبٍ، لكنها كانت تعلمُ أكثرَ من غيرِها أنها لا تستطيعُ ملاحقةَ السيدةِ مونا أكثرَ من ذلك.
كيفَ يمكنُها إجبارُ شخصٍ على ارتداءِ ملابسَ مبللةٍ؟
‘لقد أعطيتُها الفستانَ متأخرًا عن قصدٍ لأخلقَ لها المشاكلَ، وقد أتتْ عليَّ نتيجتُه!’
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 40"