***
كانَ تجمُّعًا للشُّبَّانِ المنحدرينَ من أعرقِ العائلاتِ النَّبيلة. هناك، كانَ نيكولاس يستمتعُ تمامًا بشعورِه بأنَّهُ مركزُ الاهتمامِ لأوَّلِ مرَّةٍ منذُ فترة.
“هل حقًّا أنتَ من ابتكرَ «الأزرق الملكي»؟”
“لا أصدِّقُ أنَّ لديكَ كلَّ هذه الموهبة! هذا مذهلٌ حقًّا”
كانَ كلُّ ذلكَ بفضلِ الأزرق الملكي.
إنَّهُ يجني الآنَ ثمارَ الإشاعاتِ التي عملَت ديان وستيلا جاهدتَين على نشرِها.
نيكولاس، الذي اعتادَ أنْ يُهمَّشَ في مثلِ هذه التجمُّعات، استطاعَ أخيرًا اليومَ أنْ ينفخَ صدرَهُ بفخر. لكن لمْ ينخدع الجميعُ باستعراضِه.
“نيكولاس موهوب، ولكنَّ شقيقتَهُ الصُّغرى ستيلا تستحقُّ الإعجاب أيضًا. أنْ تبتكرَ «الأزرق الملكي» في سنِّها.”
جاءَ هذا التعليقُ من الدوق كلود كليمنتي، صاحبُ الدعوةِ وقائدُ التجمُّع.
كلماتُهُ الناعمةُ التي انسابَت من شفتيْهِ الجميلتَين غيَّرَت على الفورِ جوَّ الغرفة.
“معظمُ العملِ كانَ من إنجازِ ستيلا مرَّةً أخرى، أليس كذلكَ يا نيكولاس؟ أنتَ فقط ركبتَ الموجة.”
“بصراحة، ستيلا على الأرجح قامَت بكلِّ العمل، ووالدتُك فقط طلَبَت إضافةَ اسمِك كمبتكِر أيضًا، أليس كذلك؟”
انطلَقَت القهقاتُ والضحكاتُ الساخرةُ من كلِّ صوب.
إنَّهُ لأمرٌ مُحبطٌ بما فيه الكفاية أنْ يُقارَنَ بستيلا في المنزل، والآن حتَّى هنا!
كانَ نيكولاس يغلي من الدَّاخل.
لكنَّه كظَمَ غيظَه.
ففي النهاية، كانَ يمتلكُ سلاحًا سريًّا في جُعبَتِه.
“يبدو أنَّ جميعَكم لا تعلمون. لقد كانَ الأزرق الملكي من ابتكاري أنا وحدي. ستيلا فقط ساعدَتني.”
تحدَّثَ نيكولاس بثقة.
“وإثباتًا على ذلك، أوكلَني والدي مهمَّةَ تأمينِ أموالِ الاستثمارِ لتطويرِ الدَّواءِ التَّالي.”
“دواءٌ جديدٌ؟”
“هل تقولُ إنَّكَ ستصنع شيئًا مثلَ الأزرق الملكي مجدَّدًا؟”
عندَ ذكرِ «دواءٍ جديدٍ»، اشتعلَت أعينُ الورثةِ الشبابِ والنبلاء.
ابتسمَ نيكولاس.
“هذا صحيح. إذا استثمرتُم هذه المرَّة، فأنا أضمنُ لكم أنَّكم ستعودون بعشرات، بل مئاتِ أضعافِ استثماراتِكم.”
تبادلَ النبلاءُ الشبابُ النَّظرات.
بالنظرِ إلى النَّجاحِ الباهرِ الذي حقَّقَه الأزرق الملكي بدا الدَّواءُ الجديدُ واعدًا جدًّا أيضًا.
كانت هذه، بلا شكٍّ، فرصةً استثماريّةً مُربحةً للغاية.
“لكنَّني سمعتُ إشاعةً مثيرةً للاهتمام.”
كانَ كلود هو من تحدَّثَ هذه المرَّة.
“تُوجدُ إشاعةٌ أنَّ الأزرق الملكي في الحقيقةِ ابتكرَهُ كبيرُ مساعدي الدوق الأكبر بالتعاونِ مع أحدِ النبلاءِ المحليِّين.”
كانَ صوتُهُ ناعمًا، لكنَّ كلماتِهِ حملَت حِدَّةً.
لكنَّ نيكولاس لمْ يتزعزع.
“ذلكَ الرجلُ كانَ فقط يتبعُ أوامري ويكذب. لو فشلَ الأزرق الملكي، لكانَ ذلكَ سيضرُّ بسمعةِ العائلة، لذلك طلبتُ منه أنْ يقولَ ذلكَ خلالَ المرحلةِ التَّرويجيَّةِ الأولى.”
“هل هذا صحيحٌ؟”
“هل حقًّا تظنُّونَ أنِّي سأكذب؟ بالإضافةِ إلى ذلك، ذلكَ الرجلُ هو أيضًا مساعدٌ لعائلة بلانش!”
عادةً، كانتْ أكاذيبُ نيكولاس ستكونُ مكشوفةً، لكنَّه اليومَ بدا هادئًا بشكلٍ ملحوظ.
كلود وبقيَّةُ النبلاءِ تبدَّدَت شكوكُهم.
ثمَّ أطلقَ نيكولاس تنهيدةَ ارتياحٍ صامتة.
‘إيفيروزا قالتْ لي أنْ أقولَ هذا إذا شكَّ أحدٌ، وقد نجحَ الأمرُ فعلًا.’
لكنَّ نيكولاس أغفلَ شيئًا واحدًا.
مجرَّدُ أنَّ النبلاءَ تقبَّلوا تفسيرَه لا يعني أنَّهم أقرُّوا له بالفضل.
ستيلا على الأرجح هي من ابتكرَتْه وطلبتْ من ذلكَ الرجلِ ببساطةٍ التَّعاملَ معَ جذبِ المستثمرين.
التظاهرُ بتصديقِه والاستثمارُ معه ليسَ صفقةً سيِّئةً لنا على أيِّ حالٍ.
كانَ النبلاءُ يتظاهرونَ فقط بالانخداع، مركزينَ كلَّ اهتمامِهم على ملءِ جيوبِهم.
ظنًّا منه أنَّ عذرَه نجحَ، شرعَ نيكولاس في ترويجٍ واسعِ النِّطاق.
“لنْ أسمحَ لأيِّ شخصٍ بالاستثمار. فقط أولئك الذين أثبتوا قدرتهم الماليَّةَ سيُسمَحُ لهم. لكنْ بما أنَّ جميعَكم هنا أصدقائي، فقط قولوا كلمتَكم! سأتيحُ لكم فرصةَ استثمارٍ سيعودُ بعشرات، بل مئاتِ الأضعافِ!”
***
رغمَ أنَّ نيكولاس ادَّعى أنَّه يجمعُ المستثمرينَ بهدوء، إلا أنَّ الإشاعاتِ انتشرَت كالنَّارِ في الهشيم.
“صاحبُ السُّمو، نيكولاس بلانش يدَّعي أنَّه طوَّرَ دواءً جديدًا ويجمعُ أموالَ الاستثمار.”
كانَ ذلكَ في صالونِ الكونت دومينيك أرجنت.
الكونت، الجالسُ مقابلَ وليِّ العهدِ الأمير لودفيغ، طرحَ السُّؤال.
لودفيغ، المتَّكئُ إلى الوراءِ واللاعبُ الورقَ مع الكونت، ألقى ابتسامةً ماكرة.
“هل استثمرتَ أنتَ أيضًا أيُّها الكونت؟ أنتَ من مجموعةِ كلود، أليس كذلك؟”
في الواقع، كانَ الكونت أرجنت عضوًا مؤسِّسًا في تجمُّعِ النبلاءِ الشبابِ لكلود.
ومنذُ ذلكَ الحين، كُلِّفَ بمهمَّةِ جذبِ لودفيغ إلى مختلفِ وسائلِ الترفيهِ بناءً على طلبِ كلود… أو هكذا اعتقدَ كلود وآخرون.
لكنَّ الحقيقةَ كانتْ مختلفةً.
في الواقع، لقد أرسلَ لودفيغ الكونت أرجنت ليتسلَّلَ إلى مجموعةِ كلود منذُ البداية.
متظاهرًا بالموافقةِ على طلباتِ كلود، كانَ يجمعُ المعلوماتِ لصالحِ لودفيغ.
لقد كانَ الكونت أرجنت مساعدَ لودفيغ السِّرِّيَّ منذُ فترةٍ طويلةٍ.
“ظننتُ أنَّ نيكولاس يكذب، لذا استثمرتُ فقط الحدَّ الأدنى، لو استثمرَ الجميعُ ولم أستثمرْ أنا، لبدا الأمرُ مريبًا.”
“كلود أيضًا؟”
“نعم. حتَّى الدوقة فيوليت كليمنتي استثمرَت مبلغًا ضخمًا.” أجابَ الكونت أرجنت. “لكنْ أليسَ سموُّك قد قلتَ إنَّ إيفيروزا بلانش هي المبتكِرُ الحقيقيُّ لـالازرق الملكي؟”
عندَ ذكرِ إيفيروزا بلانش، تحوَّلَ المَرحُ في عينيْ لودفيغ إلى جِدِّيَّة.
“الجميعُ يعتقدُ أنَّ شخصًا مثلَ إبيروزا، التي صنعَت شيئًا مثلَ «ياسا بلانش»، لا يمكنُها أبدًا أنْ تكونَ من ابتكرَت الأزرق الملكي.”
ألقى بأوراقِه جانبًا، فاقدًا الاهتمامَ باللعبةِ ومركِّزًا على ما يهمُّ حقًّا.
“يعتقدونَ أنَّ ستيلا بلانش هي من ابتكرَت الأزرق الملكي لتنافسَ إيفيروزا بلانش.”
“لكنْ لماذا تعتقدُ خلافَ ذلكَ يا سموِّي؟”
“هل تعلمُ من هو الشخصُ الذي سلَّمَ الأزرق الملكي لأوَّل مرَّةٍ إلى الماركيز جينت؟”
“سمعتُ أنَّه كانَ كبيرَ مساعدي عائلة بلانش.”
“عندما ابتكرَت إيفيروزا بلانش ياسا بلانش، كانَ ذلكَ الشخصُ مشاركًا أيضًا.”
“لكنَّ ذلكَ المساعدَ في الأصلِ هو أحدُ رجالِ الدوق الأكبر هيوبرت. هذه المرَّة، ربَّما ساعدَ ستيلا بلانش. فالدوق الأكبر هيوبرت مشهورٌ باختبارِ أحفادِه بالتَّناوب.”
كانَ تفنيدُ الكونت أرجنت منطقيًّا، لكنَّ لودفيغ هزَّ رأسَه.
“الجميعُ يعتقدُ أنَّ «ياسا بلانش» و«الأزرق الملكي» مختلفانِ فقط لأنَّ شكلَهما مختلف. لكنْ هل سبقَ لكَ أنْ حلَّلتَ المكوِّنات؟”
“ماذا؟”
“طلبتُ من طبيبٍ أنْ يحلِّلَ التَّركيبتين. واتَّضحَ أنَّ الدَّواءينِ متطابقانِ تمامًا.”
اتَّسعَت عينا الكونت أرجنت.
“لقد قامَت إيفيروزا بلانش بحيلةٍ صغيرةٍ لطيفةٍ.” رفعَ لودفيغ زاويتَي فمِه كما لو كانَ مسلِّيًّا.
***
أخبارُ أنَّ نيكولاس يجمعُ الاستثماراتِ بصفتهِ «مبتكِرَ الأزرق الملكي» سرعانَ ما وصلَت إلى غايل وديان.
“بأيِّ عقلٍ تقومُ بجمعِ أموالِ استثمارٍ دونَ إخبارِ والدِك!”
وبَّخَ غايل نيكولاس الذي شعرَ بالظلم.
“أبي، ألا تستطيعُ مدحي بدلَ أنْ تغضبَ؟”
“ماذا؟ مدح؟ تريدُ مدحًا لأنَّك بدأتَ شيئًا بدونِ خطَّةٍ؟”
ضغطَت ديان على جبينِها.
“كيفَ استطعتَ جمعَ أموالٍ من أجلِ دواءٍ جديدٍ لا تعرفُ حتَّى كيفَ تصنعُه؟ والأسوأُ أنَّك قبِلتَ فقط استثماراتٍ كبيرةً من نبلاءٍ ذوي نفوذٍ؟ كيفَ ستُصلحُ هذه الفوضى؟”
على الجانبِ الآخر، كانَ هناكَ شخصٌ وجدَ الأمرَ مثيرًا للاهتمام.
كانتْ ستيلا.
“أخي، هل استطعتَ جمعَ مبلغٍ كبيرٍ من المالِ؟”
“الجميعُ في مجموعتي استثمروا، إنَّه مبلغٌ ضخمٌ.” تفاخرَ نيكولاس.
“حتَّى الدوقة فيوليت استثمرَت.”
“ماذا؟ فيوليت فعلَت هذا؟!” صُعقَت ديان.
ستيلا فقط ابتسمَت أكثرَ إشراقًا.
“إذاً لدينا تمويلٌ كافٍ. يمكننا استئجارُ طبيبٍ مشهورٍ ليصنعَ الدَّواءَ وندَّعي أنَّنا صنعْناه بأنفسِنا.”
قطَّبَ غايل جبينَه لاقتراحِ ستيلا.
“مهما كانَ الطَّبيبُ مشهورًا، لنْ يستطيعَ صنعَ شيءٍ مثلَ الأزرق الملكي لو طلبنا من إيفيروزا أنْ تصنعَ لنا دواءً آخرَ باسمِنا مجدَّدًا، قد ترفضُ.”
“فقط اصنعوا دواءً يعطي قليلًا من النَّشاط وادَّعوا أنَّ تناوُلهُ منذُ الصِّغرِ يضمنُ طولَ العمرِ.”
“ماذا؟ دواءُ طولِ العمرِ؟”
“النَّاسُ سيدركونَ الحقيقةَ فقط عندما يهرمونَ ويوشكونَ على الموتِ على أيِّ حالٍ. من يهتمُّ إنْ كانَ صحيحًا أم لا؟” أجابَت ستيلا بمكرٍ.
أشرقَ وجهُ ديان بفكرةِ ابنتِها.
“هذا سينجحُ! كما توقَّعتُ، ابنتُنا ستيلا ذكيَّةٌ.”
تشنَّجَ وجهُّ نيكولاس.
مرَّةً أخرى، كانتْ ستيلا هي من تنالُ المديح.
“أمي! أنا من جمعتُ أموالَ الاستثمارِ!”
“أجل. الآن، سلِّمْ تلكَ الأموالَ.” طالبَ غايل.
أمرَ نيكولاس خادمَه بإحضارِ دفترِ الحساباتِ الذي أعَدَّه.
كانَ المبلغُ مذهلًا.
معَ فقدانِ ديان السَّيطرةَ على أموالِ الأسرةِ ونفادِ مالِها الآن، بدتْ تلكَ الأموالُ كواحةٍ لغايل.
‘لقد كنتُ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أموالِ الرَّشوةِ لطلبِ المساعدةِ في أنْ أصبحَ ربَّ أسرةِ بلانش.’
هذا مثاليّ! يمكنُه أيضًا تغطيةُ نفقاتِ البحثِ التي أُرسلَت إلى كوبيل، الذي يبحثُ عن طريقةٍ للمطالبةِ بالعنقاء.
‘سأنفقُ الحدَّ الأدنى فقط على صنعِ الدَّواءِ الذي ذكرَتْه ستيلا. حتَّى لو كانَ مصنوعًا بشكلٍ رديءٍ، فسيشتريْهِ أولئك الحمقى! وبالتَّالي سيُستخدَمُ معظمُ أموالِ الاستثمارِ كما أريدُ أنا.’
“نيكولاس، أخيرًا فعلتَ شيئًا مفيدًا.”
تهلَّلَ وجهُّ نيكولاس لهذا المديحِ النَّادرِ.
“أبي! هل هذا يعني أنَّك أخيرًا تعترفُ بي؟”
“أجل. من الآنَ فصاعدًا، استمرَّ في جلبِ مستثمرينَ كبارٍ. أمَّا بالنسبةِ لكِ أنتِ وستيلا،”
نظرَ غايل إلى ديان وستيلا،
“استمرَّا في نشرِ الإشاعةِ أنَّ مُبتكري الأزرق الملكي هما ستيلا ونيكولاس. تأكَّدا أنْ لا يشكَّ أحدٌ في غيرِ ذلك.”
ابتسمَت ستيلا بلطفٍ.
“بما أنَّ أبي بالفعلٍ تأكَّدَ من أنَّ إيفيروزا تلتزمُ الصَّمتَ، لنْ يشكَّ أحدٌ في أيِّ شيءٍ.”
برقَت عيناها بالمكرِ.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 38"