***
بعد انتهائي من المذاكرة وعودتي إلى غرفتي، لفت نظري ظهر كارين، التي بدت غارقة في أفكارها.
“آه، آنستي، ها أنتِ قد جئت.”
تفاجأت كارين ووجمت عندما رأتني متأخرة.
لقد طلبت منها أن تستريح ولا تتبعني، لكنه لم يبد أنها كانت تحصل على قسط من الراحة على الإطلاق.
اقتربت منها وبسمة ناعمة تعلو محياي.
“آنستي؟”
بدلاً من الرد، مددت يدي ولمست وجهها.
ارتعدت كارين وأغمضت عينيها بشدة.
ما جعلني أطلق زفرة ضحك خفيفة.
“لماذا هذه الفزعة؟ كنت فقط أمزح معك.”
فقط عندئذ فتحت كارين عينيها.
رفرفت بجفونها بضع مرات وتحديقها علي.
“هل تخفين عني شيئًا؟”
“وماذا يمكن أن يوجد لدي لأخفيه عن آنستي؟”
تكلمت كارين بهدوء، وقد استجمعت رباطة جأشها. لكن عينيها ظلتا تتجنبان النظر إلي.
تظاهرت بعدم الالتفات وجلست على كرسي.
“كارين، هل أخبرتك بهذا من قبل؟”
“أخبرتيني بماذا؟”
“أنتِ أول خادمة أحتفظ بها بجانبي. لهذا أنا متعلقة بكِ.”
ارتعدت كارين مرة أخرى.
في مقابل ذلك، ابتسمت لها بتعبير ودود.
“لدرجة قد تجعلني أسلك طريق الموت من أجلكِ.”
حسنًا، لقد حدث هذا فعلًا.
“آنستي، تفضلي بالنزول إلى الطابق السفلي. لقد قال سيدي إن هناك هدية معدة لك هناك.”
في ذلك اليوم، أرسلتني كارين إلى الطابق السفلي، وأطعت كلماتها بدون أدنى شك.
“…”
نظرت إليّ كارين بتعبير غريب.
آنسة نشأت في مكانة أدنى من الخادمات، على الرغم من مكانتها الاجتماعية.
نفس الآنسة التي كبرت دون أن تنال حب أحد، تتوق إليه.
بدت كارين تشعر بالشفقة علي، أو ربما ظنتني مثيرة للشفقة. لربما كلاهما.
أمسكت بلطف بكم كارين.
“لذا، سأسألك لآخر مرة. هل تخفين عني أي شيء؟”
ترددت عينا كارين.
“آنستي، أنا…”
كنت أعرف إجابتها مسبقًا.
“…لا شيء لدي لأخفيه عنك.”
لقد كانت تخدعني دائمًا.
لم يتغير شيء.
بشكل ما، جعلني هذا أشعر بارتياح أكبر.
مع ابتسامة مشرقة، شددت على كم كارين الذي كنت أمسكه.
شريط!
“!”
جفلت كارين ودفعتني بعيدًا في صدمة.
لكن كمها كان قد تمزق بالفعل.
“آ-آنستي…”
تحديقها المذعور وقع على قطعة كمها التي في يدي.
تظاهرت بالدهشة، فأسقطت القماش الممزق.
“يا إلهي، أنا آسفة! لقد فعلتها عن خطإ!”
“عفوًا؟”
نظرت إلي كارين كأنها لم تستطع استيعاب ما حدث توًا.
كان هذا شيئًا لا يمكن أن يحدث أبدًا عن خطإ.
لكنني الآن، دون أن يكون لدي ما يعيقني، تكلمت بوقاحة أكثر منها.
“آسفة يا كارين. سأشتري لك زيًا جديدًا في المرة القادمة من مينستر.”
“ز-زي جديد من مينستر؟”
كانت مينستر مكانًا تصطف فيه المحلات الباهظة الثمن، لدرجة أنه يطلق عليه “شارع النبلاء”.
حتى محلات الخياطة هناك كانت تبيع فقط أفخر الملابس وأكثرها فخامة.
بالنسبة لكارين، ابنة كبيرة الخادمات، كان مكانًا لا يمكنها حتى أن تحلم بوطئه.
“سأشتريه لك كاعتذار، فاختاري واحدًا يمكن أن يكون غاليًا كما ترغبين.”
“آ-آنستي! شكرًا جزيلًا لك!”
تغلب الطمع على كارين، وذاب شكها.
“أعطيني الملابس الممزقة. سأعتني بها بدلًا منك.”
“يمكنني رميها بنفسي يا آنستي.”
“أنا أصر لأنني أشعر بسوء.”
“حسنًا إذاً. سأذهب لأبدل ملابسي وأحضرها لك!” أسرعت كارين خارجًة إلى غرفتها.
تركت وحدي، التقطت كم فستان كارين الذي كان على الأرض.
ثم أخرجت السائل الأحمر الذي كنت قد أعددته مسبقًا وصببته على الكم.
شلخ!
تحول القماش إلى لون قرمزي مرعب، كأنه مشبع بالدم.
ثم خبأته في أقصى جزء من الدرج.
***
بعد بضعة أيام، استدعى هيوبرت كلًا من ستيلا وأنا إلى مكتبه.
“كارين، تعالي معي.”
كارين، التي كانت تترقب فترة راحة أخرى، لم تستطع إخفاء خيبة أملها.
“أنا خائفة لأن جدي استدعاني. أظن أنني سأكون أكثر شجاعة إذا جئت معي.”
“آه، إذاً لنذهب معًا.”
نهضت كارين على الفور من مكانها.
لقد أصبحت متعاونة جدًا، على الأرجح بسبب تفكيرها بالملابس التي ستحصل عليها مني.
كانت ستيلا قد وصلت بالفعل عندما دخلنا المكتب.
“إيفيروزا، أخيرًا جئت! لقد كنت في انتظارك!”
رحبت بي ستيلا بابتسامة مشرقة.
في الأيام القليلة الماضية، كانت باردة كالجليد، لكن تصرفاتها الآن تغيرت فجأة.
سرعان ما ظهر هيوبرت.
شرع في الموضوع مباشرة.
“كيف الأمور بينكما هذه الأيام؟”
كان سؤالًا غير متوقع.
لا بد أن هيوبرت قد أبلغ بما حدث بين ستيلا وبيني.
“نحن نتعايش بشكل رائع جدًا!”
أجابت ستيلا بمرح بصوت مشرق.
ثم حول هيوبرت نظره نحوي.
أومأت برأسي أيضًا.
“نعم، نحن على وفاق جيد. أنا أحب ستيلا.”
“إذاً لا شيء يدعو هذا العجوز للقلق.”
قال هيوبرت بارتياح لردي.
أسرعت ستيلا بالاعتراض.
“جدي، هل كنت قلقًا بشأن ما حدث بيننا منذ فترة؟”
“كما هو متوقع من ستيلا، أنتِ تعرفين قلب جدك هذا جيدًا.”
“بالطبع! من أنا؟ أنا ستيلا، حفيدتك الأغلى إلى قلبك!”
قالت ستيلا بدلال، مظهرة عواطفها.
“أتمنى أن تظلا على هذا الوفاق. كما قالت ستيلا، أنتما يا إيفيروزا وستيلا، أغلى حفيدتي.”
قال هيوبرت.
للحظة، شدت يد ستيلا بوضوح حول حاشية فستانها بقوة.
حتى الآن، كانت هي الحفيدة الأكثر حبًا إلى قلبه.
لكن الآن وهو يقول ‘أنتما’، لا بد أن ذلك يزعجها.
“جدي، هل تعلم ماذا قال لي المعلم الخصوصي بالأمس؟”
تصرفت ستيلا فورًا.
بدأت تسرد جميع المجاملات التي تلقتها من المعلم، محاولةً أن تتألق.
“قال لي المعلم إني على ما يبدو أذكى أحفادك. لذا قلت له ألا يقول ذلك؛ وإلا فماذا سيكون حال أخي أو بنات أعمامي؟”
“يا لكِ من صاحبة قلب نقي، يا ستيلا.”
مدحها هيوبرت.
رأت ستيلا أن خطتها نجحت، فلم تستطع إخفاء ابتسامتها.
ثم تحول نظر هيوبرت نحوي.
“هل قال لك المعلم شيئًا خاصًا يا إيفيروزا؟”
“لم أكن قادرة على التركيز على دروسي مثل ستيلا، لذا لم أتلق مثل هذا المديح العالي.”
“لا تركزين على دروسك؟ لماذا؟ هل أعمالك التجارية تشغلك هذه الأيام؟”
زادت تجاعيد جبين هيوبرت وهو يسأل.
ناولته دفتر الحسابات الذي كنت قد أعددته مسبقًا.
“كنت أحاول أن أعد مسودة دفتر حسابات المبيعات بنفسي، بناءً على التقرير الذي أعطاني إياه السيد بنيامين.”
تناول هيوبرت دفتر الحسابات بنظرة مفاجأة.
وبعد قراءته، كان أكثر اندهاشًا.
صحيح أني تعمدت التظاهر بالخرق، لكن الجودة كانت أساسًا مرتفعة جدًا.
“هل كتبت هذا بنفسك حقًا؟”
“نعم. لقد حصلت على كثير من المساعدة من الكتب.”
“بالتأكيد، لا بد أنك تعانين كثيرًا في كتابة شيء مثل هذا. لكنه أفضل بمائة مرة من مجرد إعجاب المعلم!”
ضحك هوبيرت من أعماق قلبه.
“ستديرين شؤون الأسرة بشكل ممتاز في المستقبل!”
لقد رأيت العضلات في فك ستيلا تشتد.
فمعنى أن يقول هيوبرت شيئًا مثل هذا أنه سيكون من الصعب على ديان استعادة ثقته.
إذا أظهرت المزيد من قدراتي هنا، قد أتمكن حتى من الاستيلاء على الشؤون الداخلية التي تديرها ديان للعائلة.
ابتلعت ابتسامة انتصار.
بعد أن غادر هيوبرت أولًا بسبب العمل، غادرت ستيلا وأنا المكتب أيضًا.
“متى كتبت دفتر حسابات كهذا؟”
تعلقت بي ستيلا متظاهرة بالود، لكنها لم تستطع إخفاء غيرتها.
“كتبته شيئًا فشيئًا في وقت فراغي. هل تريدين مني أن أعلمك كيف تفعلينه؟”
اتسعت عينا ستيلا. بدت مهتمة.
“أجل! علميني!”
“أين يجب أن أعلمك؟ غرفتك ستكون الأفضل، أليس كذلك؟”
“بالطبع. دعينا نذهب إلى غرفتي.”
قادتني ستيلا بحماس إلى غرفتها.
كانت تخطط بوضوح لتعلم مهاراتي وكسب مديح هيوبرت.
بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك وطردت جميع الخادمات بدقة، ربما للتأكد من أنهن لن يتعلمن أي شيء بالمشاهدة.
“إذا فعلتِ هكذا…”
“انتظري! إذاً ماذا عن ذلك؟”
علمت ستيلا بسخاء بكل شيء.
ابتسمت من الأذن إلى الأذن، وأمطرتني بكل أنواع الأسئلة.
“لماذا لا تجربين الكتابة بنفسك بما علمتك إياه حتى الآن؟”
“بالطبع! أنا جيدة جدًا في هذا، ستصدمين!”
“أنا متأكدة أنني سأصدم.”
بينما كانت ستيلا منشغلة بالمهمة التي أعطيتها إياها، نهضت بهدوء من مقعدي.
إنها منغمسة جدًا في واجبها لدرجة أنها لا تهتم حتى بما أفعله.
تفضلي وتعلمي كل مهارات كتابة دفاتر الحسابات التي تريدينها.
ليس وكأن هذا سيكون كافيًا أبدًا للإطاحة بي.
أخفيتُ بإتقان الكمَّ الأحمر الذي أخذته من كارين في عمق غرفة ستيلا، في مكان سريّ لدرجة أنه لن يُعثر عليه بسهولة، مهما حاول أحد البحث.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 32"