بعد فراقي مع الكاردينال لينون، غادرت المكان المقدس وتوجهت نحو العيادة المجانية.
ولأن المكان المقدس كان يقع خلف العيادة، فقد اضطررت دائمًا لعبور العيادة للخروج.
ورغم ذلك، لم يعد الأمر شاقًا كما كان في أول مرة جئت إلى هنا.
ربما كان الفضل يعود إلى “ياسا بلانش”، فلم أعد أسمع أنين المصابين بجروح طفيفة أو أمراض بسيطة.
فهؤلاء كانوا يحصلون على وصفاتهم الطبية ويغادرون بسرعة.
أما الذين بقوا، فكانوا حقًا من المصابين بأمراض خطيرة.
فهل بإمكاني مساعدة أناس مثلهم أيضًا؟
لكن ذلك كان مستحيلًا. فقد حاولت عدة مرات أن أصنع دواءً لمثل هذه الحالات.
لم أستطع صنع دواء بتأثير قوي.
فأقصى ما استطعت تحضيره كان شيئًا مثل “ياسا بلانش” أو “الأزرق الملكي “.
أكان ذلك لأن قدرتي على الشفاء ضعيفة؟
أم لأنني اكتسبتها بالمصادفة؟
كان من المثير للسخرية أنني، بينما كنت منهمكة في السعي لتحقيق ثأري الشخصي، أتظاهر بالاهتمام بالآخرين.
ومع ذلك، لم أستطع تجاهل معاناة المرضى.
في الوقت الراهن، بدلًا من الانشغال بما لا أستطيع فعله، دعيني أفعل ما هو في وسعي.
فلو تمكنتُ من الوصول إلى عائلة بلانش، لربما استطعتُ، بفضل مواردهم وشبكة معلوماتهم، تطوير دواء أكثر فعالية.
لذا، ما يمكنني فعله لهم الآن هو “المضي قدمًا نحو هدفي الأصلي”. هذا فقط.
***
“في أيّ فكرة عميقة تغوصين؟”
كان ذلك عندما اقتحم أحدهم أفكاري.
فجأة، وجدت رجلًا أشقر مبهر الجمال يقف أمامي – ولم أدرِ متى اقترب.
عيناه السوداوان النابضتان بالحياة وابتسامته الرقيقة زادته وسامة.
لكنني لم أستطع رد ابتسامته.
هذا الرجل ليس سوى الدوق كلود كليمنتي، ابن فيوليت.
أنا أعرف الطبيعة الحقيقية المختبئة خلف ذلك الوجه الطيب.
حينما دهستني فيوليت وعائلة غايل، تذكرتُ جيدًا تعابير وجهه الباردة وهو يمرّ بجانبي.
لقد نظر إليّ وكأنه يشاهد نملة تتلوى بعد أن وُطئت عليها. لقد كان متفرجًا قاسيًا.
أسرعتُ بحني رأسي، مخفية وجهي قبل أن تتجهم تقاطيعه.
“ومن تكون أيها السيد؟”
تظاهرتُ عمدًا بعدم معرفتي به.
ضحك بهدوء فقط.
“ألا تذكرينني؟ أنا أذكر الآنسة، التي كانت نشيطة جدًا في صالون غايل.”
“آسفة، لا أتذكر.”
ردّدتُ بحزم.
تساءلتُ لماذا في هذه الحياة، يتظاهر شخص كان غير مبالٍ بي في حياتي السابقة بأنه يعرفني أولًا.
هل كان مهتمًا بسبب حادثة الصالون؟ لكن لم تكن لدي أي نية لأن يستخدمني.
“الأهم من ذلك، أشعر بعدم الارتياح وأنا أتحدث مع رجل غريب عني هكذا.”
“إذا كنتِ تشعرين بعدم الارتياح بالتحدث مع غريب، فكيف تحدثتِ مع أخي؟”
رفعتُ رأسي بدهشة.
لقد رآني أتحدث مع ولي العهد لودفيغ؟
لقد تحدثتُ مع لودفيغ في العيادة المجانية مرة من قبل.
في ذلك الوقت، كان كلود يعالج المرضى من بعيد. ظننتُ أنه لم يلحظ.
لكن ربما كان قد رأى كل شيء.
إذاً، لم يكن ولي العهد لودفيغ يمزح حين قال إن كلود جاء لمراقبته.
“لقد احمرّ وجهك. لم أقصد إحراجك. أعتذر.”
تحدث كلود بأسف يرتسم على وجهه.
لو لم أكن أتذكر حياتي السابقة، لربما وقعتُ في غرام الدفء المنبعث من تلك العيون السوداء.
“كيف لي أن أجرؤ على رفض ولي العهد؟”
قصدتُ بذلك أني كعامية، لا يمكنني معارضة أفراد العائلة المالكة.
وفي نفس الوقت – لكنك لست سوى ابن غير شرعي للإمبراطور، ألست كذلك؟ كان هذا قصدي.
بدا أن كلود استشعر قصدي، فبرد وجهه في الحال.
لكنه سرعان ما ابتسم بحرارة مجددًا، مغيرًا تعابيره.
“أرى ذلك. إذاً، إن لم يكن المرء من العائلة الإمبراطورية، فلا يمكنه التحدث مع آنسة جميلة. هذا محزن.”
كانت ابتسامته الممزوجة بحزن عميق كافية لجعل أي قلب يرف.
لكنني لم أتأثر على الإطلاق بعينيه الحنونتين.
هذه المرة، شعرتُ بحيرة كلود.
بدا أنه يرى لأول مرة امرأة لا تتأثر بسحره.
“…أتفهم وضعكِ، آنستي. أرجو أن تغفري لي وقاحتي.”
“إذا كنتَ تفهم، فسآخذ إذني بالمغادرة أولًا.”
انحنيتُ لكلود بانحناءة مهذبة وغادرتُ المكان بسرعة
“سأراكِ في المرة القادمة!”
ناداني صوته من الخلف.
شخرتُ بازدراء وأسرعتُ خطاي.
***
كان لودفيغ متكئًا على شجرة مورقة، يستمع إلى الأصوات القادمة من الأسفل.
“كيف لي أن أجرؤ على رفض ولي العهد؟”
كان صوتًا عذبًا كزقزقة طائر أزرق.
لكن كان هناك عداء خفي يتخلل ذلك الصوت الصافي.
من النادر أن تظهر امرأة مثل هذا العداء العلني تجاه أخي غير الشقيق.
ما قصتها؟ لا، الاثنان كانا غريبين تقريبًا عن بعضهما.
أيمكن أن أخي الوسيم الصغير ليس على ذوق الآنسة إيفيروزا ببساطة؟
كتم لودفيغ ضحكة بصعوبة.
كان عليه فعل ذلك، وإلا لربما لاحظه الشخصان المتحادثان بالأسفل.
“سأراكِ في المرة القادمة!”
رأى كلود، الذي كان قد رُفض للتو من قبل إيفيروزا، يلوح بيده بضعف.
لا بد أن تلك كانت أول مرة يُرفض فيها من امرأة. لكن بدلًا من أن يشتم، أظهر كلود رد فعل غير متوقع.
“إنها ليست سهلة. هذا مثير للاهتمام.”
فجأة، لمعت عينا لودفيغ المسترخيتان.
“من الممتع أكثر استخدام أداة لن تُستخدم بسهولة.” تمتم كلود وهو يختفي.
بدا كلود أكثر افتتانًا بإيفيروزا.
لسبب ما، جعل هذا لودفيغ يشعر بالانزعاج.
ربما عليّ مساعدة تلك الآنسة البريئة كي لا يستخدمها أخي الخطير.
كان يكره التدخل في شؤون الآخرين، لكنه لسبب ما لم يستطع تجاهل هذه القضية.
***
“أنتِ تتعلمين بسرعة. سأنهي درس اليوم مبكرًا.”
قال معلمي الخاص.
كان هو من عينه هيوبرت لي.
وبسبب نشأتي في الأحياء الفقيرة، بدأت بتلقي التعليم الأساسي.
كنت أتظاهر عمدًا بأنني أتعلم ببطء، لكن الدروس بدت تتقدم بسرعة رغم ذلك.
ربما كان من المستحيل التظاهر بالجهل، خاصة وأنني تعلمت كل هذا في حياتي السابقة.
سيبلغ هيوبرت بهذا على الأرجح، لذا أردت أن أُرى كحفيدة مجتهدة ومحلّة للإعجاب.
ومرة أخرى، انتهى الدرس بالكثير من الثناء فقط، واختتمنا باكرًا.
بعد الحصة، عدت إلى غرفتي وبدأت بكتابة رسالة. كانت رسالة إلى الماركيزة كادينس جينت.
الشخص الذي تذكرته أمي وأرادت رؤيته مجددًا.
بصراحة، أردت الذهاب للبحث عنها وطلب لقاء أمي مباشرة.
لكنني لم أستطع.
وذلك لأنها كانت منعزلة عن المجتمع لسنوات الآن.
الماركيزة كادينس جينت هي الشقيقة الصغرى للإمبراطورة الراحلة، تباشا ليوبولد.
لقد انسحبت من المجتمع بعد أن أصابها الإحباط الشديد عندما أنجب الإمبراطور ابنًا من خليلته بعد عام واحد فقط من وفاة الإمبراطورة.
وبسبب عزلة الماركيزة، استطاعت فيوليت أن تنال هذا النفوذ في المجتمع الراقي.
نظرًا لأن عائلتها ومركيزية جينت يتمتعان بالنفوذ، كانت كادينس دائمًا زهرة المجتمع منذ صغرها.
وحتى الإمبراطور، في الواقع، كان يعتز بكادينس كأخت زوجته.
لذا، حتى عندما تجاهلت طلبات الإمبراطور بالخروج من عزلتها، لم يجبرها.
لا أعلم إن كانت الماركيزة سترد على رسالتي أم لا.
لكن من أجل أمي ومن أجل خططي، كان عليّ أن أفعل ما بوسعي.
إن لم ترد على رسالتي، فأنا مستعدة لتجربة وسائل أخرى.
بعد الانتهاء من الرسالة، ذهبت لرؤية بنيامين.
كان اليوم هو يوم تلقّي التقارير حول “ياسا بلانش” و”الأزرق الملكي “.
كنت دائمًا أذهب إليه مباشرة بدلًا من استدعائه.
جزئيًا لكي لا أبدو متغطرسة، ولكن أيضًا لأنني أردت مراقبة بنيامين عن كثب.
إنه ملعون أيضًا.
لكن من قام بلعنه، وكيف؟ استطعت تخمين إجابة “لماذا”: إنه لتوريط هيوبرت بتهمة الخيانة باستخدام بنيامين.
أما بخصوص العقل المدبر الأكبر – فلدي فكرة جيدة عن هويته.
الذي سيطر على العائلة فور انهيار هيوبرت: غالبًا غايل. لكن غايل لم يلعن بنيامين مباشرة.
بنيامين كان يكره كوبيل، لذا غالبًا لم يتصل به مباشرة.
لا بد أن هناك تابعًا هو من لعن بنيامين.
عند وصولي أمام غرفة بنيامين، توقفت عند سماع صوت حديث من الداخل.
هناك شخص بالداخل.
فتحتُ الباب بحذر وألقيت نظرة إلى الداخل.
“هناك جبال من الأمور التي يجب إبلاغ الدوق الأكبر بها اليوم لا بد أن لديك أكثر مني – كيف تنجزها كلها؟”
“فقط اعمل بهدوء.”
كان باترسون، مساعد هيوبرت الآخر، يتحدث مع بنيامين.
لقد كان النوع المجتهد، ولولا وجود العبقري بنيامين، لكان بإمكانه بسهولة أن يصبح المساعد الرئيسي.
لكن بدلًا من منافسة بنيامين، اختار باترسون البقاء قريبًا منه.
فهو لا يستطيع منافسته حقًا، وكان هناك الكثير ليتعلمه من بنيامين.
وبطبيعة الحال، بعد سقوط بنيامين، أصبح هو المساعد الرئيسي – ليس لهيوبرت، بل لغايل.
بالتفكير بالماضي، ما كنت أظنه طبيعيًا بدا الآن متشابكًا بشكل غريب.
والأهم من ذلك كله –
“بنيامين؟ بنيامين؟ تبا، لقد تجمد مجددًا. يا له من أحمق.”
رؤيتي لهذا المشهد جعلت شكوكي تتأكد فقط.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 29"