“بلغني أنَّ حفلةً مُشوِّقةً تُقام في القصر الخارجي، فظننتُ أنْ أَمُرَّّ للتسلية، لكن بما أنَّ الجميع يَراني ضيفًا غيرَ مرغوبٍ فيه، فسأمضي في طريقي”.
أنهى لودفيغ شايَهُ الذي قدَّمته له فيوليت، ثمَّ غادر الصالونَ بخطًى واثقة
“لماذا أتى إلى هنا وهو غير مدعوٍّ أصلًا!”
ما إن اختفى لودفيغ عن الأنظار، حتى جلست فيوليت بضيق، وهي لا تُبالي بإظهار انزعاجها، رغم أنَّ لودفيغ هو وليُّ العهد!
أنا أيضًا يشغلني الفضول! لماذا ظهر لودفيغ فجأةً وانحاز إليَّ؟
وفجأةً، تذكَّرتُ ما قاله في العيادة الخيرية للمعبد.
«إذاً، سأستمتع بمُشاهدة ما يحدث معك».
يا له من مجنون! قشعريرةٌ بردتْ في عمودي الفقري. ظننتُها مجرَّد كلمةٍ عابرة!
وبينما كنتُ غارقةً في حيرتي، كان الجميع منشغلين بمراقبة مزاج فيوليت.
لقد فشلت بالفعل خطة ديان وستيلا الرامية إلى إحراجي باستخدام نفوذ فيوليت.
“فيوليت، لا تكوني هكذا. لقد أعددتُ لك هديةً، أرجو أن تفرحي”.
بادرت ديان بتقديم صندوق الهدايا لاسترضاء فيوليت، ثم حذت حذوهنَّ باقي النبيلات، مغمِرات فيوليت بالهدايا الثمينة والإطراء.
عند رؤية كلِّ هذه الهدايا الفاخرة، بدت فيوليت وقد تحسَّن مزاجها أخيرًا:”شكرًا لكنَّ على هذا الاهتمام”.
“بالطبع، يجب أن نُعدَّ الهدايا للدوقة التي تفضَّلت بدعوتنا. جميعنا نُجلُّ مقامكِ يا دوقة”.
أضافت ستيلا ببراءة مصطنعة.
نظرت إليَّ فيوليت ببرود:”ما عدا واحدة، على ما يبدو؟”
كانت تسخر مني لأني لم أُقدِّم هديتي بعد.
كانت هناك عادةٌ متبعة في حفلات الشاي، وهي تقديم هدية صغيرة للمضيفة.
لكن من النادر أن تجد من يطلب الهدايا الثمينة بهذا الوقاحة مثل فيوليت.
في حياتي السابقة، لم تُخبرني ديان ولا ستيلا بهذه العادة، فتحمَّلتُ وحدي غضب فيوليت.
“أتظنينني حمقاء؟ كيف تجرؤ أمثالكِ!”
كان ذلك أولَ لقاءٍ لي مع عالم النبيلات.
هكذا استطعتُ أن أجلبَ كراهيةَ أقوى امرأة في الإمبراطورية.
بعد ذلك، في كلِّ حفل وتجمُّع، كانت فيوليت تبدو وكأنها تبحث عن وسيلة لتدميري.
أصبحت حياتي الاجتماعية كارثة.
منهكةً، تخليتُ في النهاية عن المجتمع وانغمستُ في جعل غايل وريثًا للعائلة.
ظننتُ حينها أنَّ تلك هي الطريقة الوحيدة لنيل الاعتراف.
ولكن بالنظر إلى الماضي، أرى أنَّ ديان وستيلا كانتا تستخدمان فيوليت عمدًا لعزلي، لكي تستغلاني ككلب صيدٍ مُطيع.
لكني لن ألعب دور الحمقاؤ لأجلهما بعد الآن.
أخرجتُ علبةً من جيبي: “لقد أعددتُ شيئًا للدوقة أيضًا”.
اتسعت عينا فيوليت، ربما لأن ديان طلبت منها توبيخي بشدة لعدم إحضاري هدية.
لكن ما إن رأت فيوليت العلبة الفاخرة، حتى تغيَّر تعبير وجهها، فمهما طلبت ديان، يصعب رفض هدية ثمينة.
“ما هي؟”
“إنها عقدٌ جميل. أردتُ أن أشتري شيئًا بنفسي، لكن كما تعلمين، لقد أمضيتُ وقتًا طويلاً أعيش في الشوارع، فلا مال لديَّ ولا ذوق…”
توقَّفتُ عن الكلام ونظرتُ إلى ستيلا.
شعرتُ بنظرتها وقد لاحظت أخيرًا رقبتي العارية.
ثمَّ – صدمة.
ابتسمتُ بخفوت وتابعت:”أودُّ أن أُهديَ الدوقةَ العقدَ الذي أهدتني إياه ستيلا. لقد قالت إنه كان شيئًا عزيزًا جدًا عليها”.
“أتُهدينني شيئًا أعطاك إياه شخصٌ آخر؟” سألت فيوليت باستياء.
“إنه فاخر وثمين للغاية ولا يليق بي أبدًا. لا أعرف قيمته حقًا. لكني أعلم أنَّ البتلات الكبيرة المصنوعة من الياقوت الأصفر جميلة حقًا”.
عند سماع عبارة «الياقوت الأصفر الكبير»، لانَ تعبير فيوليت.
“ناوِليني إياه”
مدَّت يدها.
وهنا صرخت ستيلا: “لا!”.
تفاديتُ يد ستيلا التي حاولت انتزاع العلبة، وسلَّمتها إلى فيوليت.
فيوليت، التي أصبحت العلبة في يدها الآن، حدَّقت في ستيلا بانزعاج:”ما بكِ يا ستيلا؟”.
“ه-هـ-هذا…”
“هل قرَّرتي فجأة ألّا تتنازلي عنه لأنه كان ملككِ في الأصل؟ يا له من غرور في مثل سنِّكِ!”.
“ل-ليس الأمر كذلك…”.
“ستيلا، اخرسي فحسب”.
تدخَّلت ديان، التي لم تكن تعلم ما يحدث، محاولةً تهدئتها.
تجاهلتُ ستيلا المضطربة، وفتحت فيوليت العلبة – وتجمَّد وجهها المبتسم تمامًا.
زهرةٌ من الياقوت الأصفر المتألق.
وتحتها، أشواكٌ حادَّةٌ بارزة. كانت هذه الزهرة هي “الجورس” – الرَّتم.
وفي أوساط النبلاء، كان رمزًا لـ المحظية أو “السرية”.
“أ-أنتِ… هييييه!” صرخت فيوليت، وقد غلبها الغضب، وقذفت بالعقد بعيدًا.
جثوتُ على ركبتيَّ بتعبير خائف، وكأني لا أفهم ما يحدث: “أ-أ-أيتها الدوقة! ه-هل ارتكبتُ خطأً ما…؟”.
“كيف تجرؤين على إعطائي هذا؟!”.
“أ-أنا فقط ظننته شيئًا جميلًا، خاصةً أن ستيلا أصرَّت أن أرتديه اليوم…”
كلماتي المرتجفة وجهت غضب فيوليت نحو ستيلا.
“ستيلا!!!”.
أنتِ من طلبتِ من إيفيروزا ارتداء هذا العقد؟ بالنسبة لفيوليت، كان الأمر واضحًا: ستيلا كانت تقصد السخرية منها عبر إيفيروزا المسكينة التي لا تعلم شيئًا.
ففي النهاية، طالما وصفني الجميع بـ “الطفلة الجاهلة وضيعة الأصل”، لدرجة أنهم اقتنعوا أني لا أستطيع معرفة معنى زهرة الرَّتم.
إذاً، لا بد أن ستيلا هي من كانت تسخر من فيوليت طوال الوقت.
” أيتها الطفلة الخبيثة!!!”.
سرشب!
تناثر الشاي من الكأس على وجه ستيلا.
“كيااااه!” صرخت ستيلا.
“كم سخِرتِ مني من وراء ظهري، حتى جئتِ بأُخْرَى لترتدي هذا اليوم؟ هل أوحيتِ لهذه الأحمقاء بفعلتها لتُهينَني؟”،
“ل-لا! أنا فقط أردتُ أن أُهديَها عقدًا ثمينًا، ولم أتلاعب بأحد!”.
“أووه، إذاً أنتِ تعتزِّين بعقدٍ يستهزئ بي؟!”.
خشخ! والآن، تطاير كأس الشاي نحو ستيلا المرتبكة.
“أوه، لا! ستيلا!”
عانقت ديان ستيلا لحمايتها، خوفًا من أن تُصاب.
أمَّا باقي النبيلات فتقوقعنَ في خوف وارتباك، لا يدرين ما يفعلن.
ولم تهدأ فيوليت بعد، بل سكبت إبريق الشاي بأكمله على ديان وستيلا.
“كيااااه! أمي!”.
“فيوليت، إنه سوء فهم! سوء فهم!”.
“سوء فهم؟! ديان، هل ظننتِ أني سأنسى كيف كنتِ تحتقرينني بصفتي ابنة محظية عندما كُنَّا صغيرات؟”
هكذا انفتحت الجروح القديمة بسهولة.
لم تكن ديان وفيوليت قريبتين مقرَّبتين أبدًا، لأن ديان كانت دائمًا تنظر بازدراء وتتنمَّر على فيوليت لكونها ابنة غير شرعية.
فيوليت، التي قادها الغضب، فعلت ما في وسعها لتنجح – وفي النهاية، أصبحت هي نفسها محظية الإمبراطور.
والآن، انعكست الأدوار بينهما.
“أنا آسفة، فيوليت! سامحيني!”.
علاقةٌ يمكنهما فيها التعاون إذا لزم الأمر، ولكن سرعان ما يدير كلٌّ منهما ظهره للآخر عند أدنى زلَّة.
كانت أداةً مفيدة يُمكن استغلالها بقدر الحاجة في المستقبل.
والآن بعد أن عانيتا بما يكفي، يجدر بي أن أتدخَّل. بهذه الطريقة، سيكون لديهما سببٌ أقل للومي لاحقًا.
اندفعتُ نحو ديان وستيلا المبللتين:
“إنه خطأي! كل هذا حدث بسبب جهلي!”
عانقت ديان وستيلا وأنا أنتحب.
عندها فقط، تدخَّلت باقي النبيلات بحذر لتهدئة فيوليت.
“دوقتي، أرجو أن تغضبي نفسك. لقد أخطأت الآنسة ستيلا خطأً طفوليًا فحسب”.
“أرجو أن تُبدي بعض الرحمة بصفتك الأكبر سنًا هنا”.
ما زالت فيوليت تغلي من الغضب، فغادرت المكان بعاصفة.
أمَّا النبيلات اللواتي جئن للاستمتاع بوقت شاي أنيق، فتجعدت جباههنَّ من هذا المشهد.
“لم أتوقع هذا من الآنسة ستيلا…”.
“والسيدة ديان تتنمَّر على الدوقة فيوليت عندما كانتا صغيرتين… لم أعد أرها بنفس النظرة”.
كنتُ الوحيدة التي أبدت قلقها على ديان وستيلا المنكسرتين
“هل أنتِ بخير يا عمتي؟ وأنتِ يا ستيلا؟”.
“دعيني –!”
كادت ديان أن تدفعني بعيدًا بدافع العادة، لكنها سرعان ما أمسكت بيدي عندما لاحظت نظرات الجميع.
“أ-أنا بخير. شكرًا لاهتمامك”.
لكن عينيها كانتا تشعان بشررٍ قاتل نحوي.
***
عندما عدنا إلى المنزل، جرَّتني ديان إلى غرفتها فور وصولنا.
“أنتِ فعلتِ هذا عمدًا، أليس كذلك؟ دبَّرتي لي ولستيلا هذه المكيدة!”.
“حقًا لم أكن أعلم! كيف لي أن أعرف معنى تلك الزهرة؟”
ترقرقت الدموع على وجنتي، وبدوتُ كأني مظلومة.
ولم أكن أكذب تمامًا.
كيف لشخص عاش في الشوارع حتى وقت قريب أن يعرف معنى زهرة نادرة مرصَّعة بالجواهر؟
علاوة على ذلك، ستيلا هي من أعطتني العقد.
لكن ديان، التي كانت بحاجة لمن تُفرغ عليه غضبها، صرخت في وجهي: “ستيلا أعطتكِ ذلك العقد! لماذا أهديتهِ لفيوليت؟!”.
“لكن… حتى لو كنتُ ارتديتُه، ألم تكن الدوقة فيوليت ستغضب على أي حال؟ ربما كان الأجدر بها ألَّا تشتري هذا العقد أساسًا؟”.
“إذاً أنتِ تلومينني الآن؟”
انفجرت ستيلا غضبًا.
بالطبع ألومكِ.
ذنبُ من يكون؟ أتراه ذنبي أنا؟
نظرتُ إلى ستيلا بعينيْن بريئتين تفيضان بالدموع.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 26"