“سأحاول صنع دواء يناسب أذواق النبلاء والأثرياء.”
“أتقولين أنك ستصنعين دواءً جديدًا آخر؟” عبس هيوبرت، وكأنه يقول إن هذا قد يكون مبالغًا فيه قليلًا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
إنه محقٌ في نصف قوله ومخطئٌ في النصف الآخر.
***
بدأ المطر يهطل في المساء، وبحلول منتصف الليل، اشتد الرعد والبرق.
لم أستطع النوم، فتهتُ في أرجاء الرواق.
ارتجفت نوافذ الممر المُوصَدة بعنف.
“!”
في تلك اللحظة، غاص قلبي في صدري دفعةً واحدة. كان ذلك تحديدًا.
“إيفيروزا.”
جاء صوت هيوبرت من خلفي.
استدرتُ وعيناي مُذعورتان.
“جدي… “
لذا كان سبب عدم انطفاء نور المكتب حتى ساعة متأخرة من الليل.
يبدو أنه كان يخرج لتوه.
“لمَ تتجولين هنا؟”
“حسنًا…”
“ألا تستطيعين النوم لأنك خائفة من الرعد والبرق؟”
سأل هيوبرت وهو ينظر إلى وجهي الشاحب المذعور.
“من كان يظن أن طفلةً رزينةً مثلك تخاف الرعد والبرق؟ لا تزالين مجرد طفلة بعد كل شيء.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه.
هززت رأسي.
“أنا لست خائفة من أشياء مثل الرعد والبرق.”
“هل تحاولين التظاهر بالشجاعة أمام جدك؟”
“ليس هذا…” ترددت للحظة قبل أن أفتح فمي. “أمي تخاف من الرعد والبرق.”
“!”
اتسعت عينا هيوبرت للحظة.
بدا مصدومًا من إجابتي غير المتوقعة.
لاحظتُ رد فعله بعناية وتحدثتُ بحذر.
“لم أستطع النوم لأنني ظللت أفكر في أمي وهي وحيدة في الملاذ، كنت قلقة بشدة خوفها هناك.”
صمت هيوبرت للحظة.
ارتسمت على وجهه نظرةٌ وكأن روحه قد ذهبت إلى مكانٍ آخر.
“هذا صحيح. ليونور… لطالما كانت تخاف من الرعد والبرق…”
***
قصف رعدي..! كانت إحدى الغرف في الملاذ.
كانت ليونور ترتجف تحت الغطاء.
كانت كتلة البطانية المستديرة ترتجف كلما ومض برقٌ أزرق أو قصف رعدٌ.
يدها الخارجة من الغطاء كانت ترتعش وهي تقبض على الملاءة.
في تلك اللحظة، وضع أحدهم يده فوق يدها المرتعشة.
كانت يدًا مغلفة بدرع فضي بارد.
توقف ارتعاش ليونور كما لو كان كذبًا.
أخرجت رأسها ببطء من تحت الغطاء.
وقعت عيناها على الدرع الفضي الذي يمسك يدها.
كان وجه الشكل محجوبًا بخوذة، مما أكسبه مظهرًا غريبًا.
ومع ذلك، بدت ليونور وكأنها تجد عزاءً في وجوده.
“…بعض الشيء”، تمتمت ليونوي بصوت خافت، وعيناها الثابتتان تحدقان بفراغ.
***
كان ذلك في مكتب التحقيقات بالعاصمة.
“اكتمل التحقيق. يمكنكِ المغادرة الآن.”
أنهيت التحقيق في القضية وخرجت من الغرفة.
كان تحقيقًا في الحادثة التي وقعت في صالون غايل.
بينما كنت أسير في الرواق، ارتدى صوت غايل المدوّي من الغرفة المجاورة.
“أقول لك، ليس لي أي علاقة بهذا! هل تعلمون من أنا أساسًا؟”
يا له من مشهد مثير.
تحدثتُ إلى السائق الذي كان ينتظرني.
“لا تتجه مباشرة إلى القصر. توقف عند الملاذ أولاً من فضلك.”
الليلة الماضية، حصلت على إذن من هيوبرت لزيارة الملاذ.
والمثير للدهشة أنه منح الإذن دون مقاومة تذكر.
لا بد أن الفضل يعود لقصة الرعد والبرق.
كان الملاذ يقع خلف عيادة المعبد المجانية.
عند دخولي العيادة، تعرف عليّ كاهن وهرع نحوي فورًا.
“أنتِ الآنسة الصغيرة من عائلة بلانش التي كان من المفترض أن تأتي اليوم، أليس كذلك؟”
“مرحبًا أيها الأب لا بد أنك تعمل بجد. باركك المولى.”
عندما حييته بأدب وأنا لا أزال طفلة، ابتسم الكاهن بحرارة.
“أخلاقكِ حسنة جدًا.”
“هذا بفضل التربية التي تلقيتها من عائلتي.”
“حتى بين العائلات النبيلة، ليس الجميع هكذا. آه، ما الذي أقوله…”
تظاهر الكاهن بتوبيخ نفسه، ضاربًا فمه بخفة.
كان من الواضح أنه قال ذلك عن قصد.
هل تسبب نيكولاس بمشاكل هنا أيضًا؟ كان من المدهش بما يكفي أن شخصًا مثله سيأتي إلى عيادة مجانية، مهما كان من أجبره على ذلك.
“لقد جئتِ لرؤية والدتكِ، صحيح؟ الملاذ من هذا الطريق.”
بينما كنت أتبع الكاهن، لاحظت بعض النبيلات اللواتي بدا عليهن عدم الانسجام مع المكان.
“هؤلاء السيدات جئن للتطوع…”
“لا تلمسني! أيها الوسخ!”
حدث ذلك حينها.
دفعت إحدى النبيلات ببرود مريضًا مد يده نحوها.
“وضع العيادة المجانية صعب نوعًا ما علينا قبول أمثالهم لأننا نعتمد على التبرعات.”
“أرى… “
هناك نبلاء يُرغمون أنفسهم على التطوع، بدافع الشعور بالتفوق الأخلاقي أو ليظهروا بمظهر الأشخاص الطيبين في الأوساط الاجتماعية.
بدت هاتان المرأتان من هذا النوع.
“لكن بفضل باسا بلانش التي تبرعت بها سيادتك، تحسن وضع العيادة المجانية بشكل ملحوظ.”
بفضل باسا بلانش، لم تعد العيادة المجانية مضطرة لشراء أدوية باهظة الثمن قليلة الفعالية.
ولم يكن هذا كل شيء.
فالمرضى الذين مكثوا في العيادة المجانية لفترة طويلة لأنهم لم يستطيعوا التعافي، أصبحوا يتحسنون بسرعة بعد استخدام باسا بلانش، مما قلل من تكلفة رعايتهم.
“شكرًا جزيلاً لكِ.”
حنى الكاهن رأسه.
عند كلماته، بدأت همهمات تنتشر حولنا.
“تلك الآنسة الصغيرة تبرعت بباسا بلانش؟”
“لا بد أنها الآنسة الصغيرة لعائلة بلانش!”
ثم احتشدوا نحوي.
“شكرًا لكِ، سيدتي!”
“بارك الإله عائلة بلانش!”
“مهلاً، جميعكم! الآنسة الصغيرة هنا في مهمة! مهما كنتُم ممتنين، لا تعترضوا طريقها!”
حمى الكاهن شخصي وسحبني بعيدًا عن الحشد.
نظرت إلى الوراء نحو الأشخاص الذين كانوا يهتفون بشكرهم وعلامة الذهول على وجهي.
“اعتذاري، آنستي. لقد كانوا فقط ممتنين لكِ لدرجة أنهم…”
“لا، لا بأس. أنا فقط سعيدة لأنهم فرحون لهذه الدرجة.”
“أن تكوني بهذه الطيبة بعد أن منحتِ هذا الجميل، حقًا لديكِ روح جميلة.”
ارتبكت من هذا الكلام.
لم أفعل ذلك من منطلق طيبة قلبي، لكن… ضميري وبّخني، فقلت فقط أي شيء خطر ببالي.
“لقد تبرعت فقط لأنني كنت أبيع الدواء.”
“بغض النظر عن النية، العمل الصالح يبقى عملاً صالحًا. علاوة على ذلك، ألم تبيعيه بسعر منخفض جدًا؟”
“هل هذه هي الآنسة الجديدة من عائلة بلانش؟”
جاء صوت حاد من مكان ما.
كانت تلك النبيلة التي تجاهلت يد المريض في وقت سابق.
ابتسم الرجل المرافق لها بازدراء أيضًا.
“حتى لو صعدت من القاع بصعود مفاجئ، يبدو أنها لم تهذب أخلاقها بعد تصنع مثل هذا الدواء الرخيص.”
“هل يسعدها أن تصنع بعض الدواء للفقراء المتسولين وتحصل على ثناء رخيص؟ أنا شخصيًا لن أستخدم ذلك الدواء حتى لو أعطي لي مجانًا.”
كانت أصواتهما عالية، وكأنهما يريدان للجميع أن يسمعوا.
كان حقدهم التافه واضحًا لدرجة أنه لم يغضبني حتى.
لكن الكاهن بدا يشعر بشكل مختلف.
“رجاءً لا تنزعجي. هما دائمًا هكذا.”
“لا بأس. إنهما فقط يشعران بالغيرة.”
رفعت صوتي، متأكدة من أنهما يستطيعان سماعي أيضًا.
عندها احمرّ وجهي الرجل والمرأة.
“لماذا نشعر بالغيرة من سيادتك؟”
“لا داعي لاستخدام ألقاب التشريف. مما قالته ستيلا، يبدو أنها لا تزال غير قادرة على التخلص من جذورها الوضيعة وتتصرف بتهور!” صاحت المرأة.
آه، إذاً هي إحدى صديقات ستيلا المقربات وتضغِن لي ضغينة.
ضحكت ضحكة خفيفة.
“هل ضحكتِ عليّ للتو؟!” اقتحمت المرأة، وقد احمرّ وجهها، نحوي.
كان ذلك حينها.
“ما الذي تظنين أنكِ تفعلين؟ أتتخاصمين مع الآنسة الصغيرة؟”
“بحقهم، إنهم سيئون للغاية. تمنيت لو لم يأتِ هذان الاثنان إلى هنا أبدًا.”
بدأ الأشخاص الذين احتشدوا حولي سابقًا يتمتمون، وهم ينظرون إلى الزوجين.
“هل يتحدث هؤلاء الحمقى المتعجرفون عنا؟” صرخ الرجل بحدة.
عندها، وقف أحد الرجال ذوي البنية الضخمة فجأة وتحدث.
“هذا صحيح! ما تفعلونه بنا مزعج بما فيه الكفاية، لكن لا تجرؤوا على مضايقة الآنسة الصغيرة!”
“أيها الجاحدون الناكرون للجميل! أيها الأب! ألا يمكنك طرد هؤلاء الناس؟”
أوقفت الكاهن الذي كان على وشك التدخل.
“اتركهم. من يجب أن يغادر هما هذان الاثنان.”
“ماذا قلتِ للتو؟”
قبض الرجل على قبضتيه بشدة.
لكن بدلًا من أن يلكمني، استدار وصرخ في وجه أهل البلدة.
“أنتم بحاجة لضربة مبرحة لتفيقوا!”
“إذا مددت يدك حتى ولو لشخص واحد من أهل البلدة، فلن أقف مكتوفة الأيدي.”
عند كلماتي، أطلق الرجل شخيرًا ساخرًا.
“وكيف ستفعلين ذلك؟”
“أعدك باسم بلانش.”
عند ذكر ‘بلانش’، ارتجف الرجل والمرأة.
لكن سرعان ما سخرت مني المرأة.
“هل تحاولين التظاهر بأنكِ متفوقة لمجرد أنكِ تسمين نفسك بلانش؟ لكن كم شخصًا في المجتمع يعترف بشخص مثلكِ كإحدى آل بلانش؟”
إذاً هذا ما زال تصور المجتمع لي.
كان متوقعًا، لذا لم يزعجني كثيرًا.
“ما رأيكما في أن نراهن؟”
“رهان؟”
“على ما إذا كان بإمكاني حقًا الوفاء بوعدي باسم بلانش أم لا.”
تردد الرجل والمرأة.
بغض النظر عن مدى استخفافهما بي، كان هناك دائمًا ذلك الاحتمال ‘ماذا لو’.
إذا، ومن باب الصدفة، ثبت صحة ذلك ‘ماذا لو’، فسينتهي بهما الأمر على خلاف مع بلانش.
في النهاية، اختارا أن يكونا جبانين.
“لماذا نضيع وقتنا مع شخص مثلها؟ إنها مقرفة، لذا دعنا فقط نبتعد عنه. لكن الملاذ الذي أهاننا سيدفع الثمن.”
“اعتبارًا من اليوم، نحن نسحب كل تبرعاتنا للملاذ. ضع ذلك في اعتبارك!”
شحب وجه الكاهن.
نظرت إلى الاثنين، المنتفخين بالفخر، وقلت:
“لا تقلق. سأتبرع بأكثر من المبلغ الذي تبرعا به يومًا.”
“هاه، ومن أين ستحصلين على المال لذلك؟”
أجبت وأنا أنظر إليهما،
“ما زلتُ إحدى آل بلانش. هل تعتقدان حقًا أن معي مالًا أقل منكما؟”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 21"