***
وأنا أرقبُ المشهدَ مِن أعلى الدرج، لم أتردَّدْ حينَ حانتِ اللحظةُ التي انتظرتُها.
اندفعتُ مسرعةً، وسكبتُ المرهمَ على ذراعِ الفيكونت مولون وهو على وشكِ أن يُغشى عليه.
غطى المرهمُ ذراعَه المشوَّهَ في الحال.
لقد أعددتُ المرهمَ في صورةٍ سائلةٍ تحسُّبًا لمثلِ هذا الموقف، والحمدُ لله.
كان ذلك أداءً جيدًا.
شعرتُ بالرُّعبِ يتسرَّبُ ببطءٍ إلى وجوهِ مَن حولي، الذين كانوا حتى لحظةٍ شارِدين.
“إيفيروزا! بماذا تفكرين؟!”
دفعتني ديان بخشونةٍ فتراجعتُ.
لم أُقاوِمْ، وتركتُ نفسي أسقطُ أرضًا.
“أتحاولين قتلَ أحدٍ؟!”
هذا ما قالته ديان، لكنَّ أحدَ زاويتي فمِها كان منحنيًا للأعلى بابتسامةٍ خفية.
إنها تحاولُ استخدامي ككبشِ فداءٍ لتُفلتَ مِن العقاب، أليس كذلك؟
تزعمُ أنَّ هذه الفوضى كلَّها سببُه المرهمُ الذي صنعتُه أنا، لا ستيلا، وتُضخِّمُ الأمرَ لتجعلَه يبدو خطأي أنا.
لكنها مكيدةٌ غيرُ مُجدية، فـهيوبرت غاضبٌ بالفعل على مَن خدعوه.
ولكن ديان الآن ليست في حالةٍ تسمحُ لها بالتفكيرِ بعقلانية.
فكلُّ شيءٍ ينهارُ حولها.
“بسببكِ، الفيكونت مولون أصبح…”
“انتظري!”
كانت ديان على وشكِ الصراخِ في وجهي مجددًا، فإذا بصوت هيوبرت يجلدُ المكان، فأخرسَ الجميع.
وسرعان ما تحولَ ذلك الصمتُ إلى ذهولٍ وصدمة.
“!”
ذراعُ الفيكونت مولون التي كانت حمراءَ متورِّمةً كالحممِ البركانية، بدأت تعودُ إلى طبيعتها.
“آه… آخ…”
الفيكونت مولون، الذي كان على وشكِ الإغماء، فتحَ عينيه ببطء.
ثمَّ إذ رأى ذراعَه تلتئم، اتسعت عيناهُ من شدةِ الدهشة.
“ذ-ذراعي…!”
“لا بدَّ أنكَ تشعر بتحسُّنٍ الآن.”
حتى أعراضُ مرضِه الجلدي كانت تتحسَّن، بل أفضلَ مما كانت عليه.
والفيكونت مولون يلثغُ لا يصدقُ ما يرى، تطلعَ إليَّ.
تخلَّصتُ من الغبارِ عن ثيابي وحاولتُ الاقترابَ منه. لكن ديان اعترضت طريقي.
“أين تظنين أنكِ ذاهبة…”
“دعيها تذهب، يا ديان.”
تدخَّل هيوبرت.
“ماذا؟ ولكن يا حمَاي، إيفيروزا استخدمتِ المرهمَ دون إذن…”
“ليس فقط أنكِ خدعتني، بل الآن تعصينَ أمري أيضًا!”
زأرَ هيوبرت بغضبٍ شديدٍ لدرجةٍ أرعبت حتى الفيكونت مولون نفسه، فانتبهَ لنفسه.
اغتنمتُ لحظةَ ارتخاءِ قبضةِ ديان، وتقدمتُ نحو الفيكونت مولون.
“هل يؤلمك موضعٌ آخر؟”
“أ-أنا لا أشعر بألمٍ الآن، ولكن من أنتِ…؟”
قطَّب الفيكونت مولون حاجبيه أمام مظهري المتواضع الرث.
لكن عينيه لمعتا فجأة.
“لا تقوليلي إنكِ استخدمتِ المرهمَ الحقيقيَّ معي؟”
وحين كنتُ على وشكِ الإيماء، قطع صوتُ هيوبرت الباردُ حبلَ أفكاري.
“الفيكونت مولون، تذكَّرْ مع من تتحدث.”
نبرتُه الجليديةُ صفعتِ الفيكونت.
“هذه الطفلةُ هي حفيدتي، إيفيروزا.”
عند سماعِ تلك الكلمات، اتسعت عينا الفيكونت مولون من الصدمة.
“أ-آسفٌ يا آنستي!”
اقترب مني هيوبرت.
“إيفيروزا، ما الذي يحدث هنا؟”
كدتُ أفتحُ فمي لأجيبه، لكنني سرعان ما تطلعتُ حولي.
كانت ديان تحدقُ في بنظراتٍ تقول بوضوح: ‘إذا تفوَّهتِ بكلمةٍ واحدة، فأنتِ ميتة’.
تظاهرتُ بالترددِ في الإجابة.
لا بدَّ أن هيئتي بدت كأنها من شدةِ الخوف.
نظرَ إليَّ هيوبرت مباشرة.
“لا بأس، قولي الحقيقة فقط.”
ابتسمَ ابتسامةً متكلِّفة.
“!”
كان الجميعُ الحاضرون في ذهولٍ تام.
الدوقُ الأكبر، الذي كان دائمًا باردًا كالثلج، يبتسم!
لا بدَّ أنه كان يحاولُ تهدئتي، لكنها كانت بادرةً غيرَ متوقعةٍ أبدًا.
أنا أيضًا شعرتُ بالارتباك.
هذه المرة، لم يكن تمثيلاً، بل كانت دهشةً حقيقية.
أحسَّ هيوبرت بالجوِّ المحيط، فتنحنحَ.
“لا داعيَ للخوف. أنا أقوى شخصٍ هنا. لذا يمكنكِ التحدُّث بحرية.”
طمأنني مجددًا بطريقةٍ يفهمُها حتى طفلةٌ صغيرة.
تمالكتُ نفسي، وتحدثتُ.
“سمعتُ صراخَ الفيكونت مولون فخرجتُ من غرفتي. وعندما رأيتُ ما يحدث، ظننتُ أنني قد أستطيعُ المساعدة.”
تحدثتُ بصوتٍ مرتعشٍ لكنه واضح.
“إ-إذاً، ما هذا المرهمُ الذي أعطيتِني إياه؟”
سألَ الفيكونت مولون، الذي عادَ لونهُ الطبيعي إليه الآن.
نظرتُ إلى العلبةِ الفارغة.
“كان مرهمًا علاجيًّا صنعتُهُ منذ فترةٍ ووزعتُهُ على الخدم.”
“مرهمًا علاجيًّا؟ “
ازدادَ فضولُ هيوبرت فمدَّ يده، فتناولتُ العلبةَ وأعطيتُها له.
“إذاً هذا هو المرهمُ الحقيقي، وستيلا أحضرتِ المرهمَ المزيَّفَ زاعمةً أنه الحقيقي.”
“ه-هذا ليس صحيحًا!”
صاحت ستيلا بتوتُّر.
“لقد قيل لي إن هذا هو المرهمُ الحقيقي!”
أشارت إلى علبةِ المرهمِ المزيَّفِ التي كانت تتدحرجُ على الأرض.
“أنا أعطيتُه للفيكونت فقط لأنني ظننتُه حقيقيًا! إيفيروزا كذبتْ لتوقعَ بي في الفخ، ولهذا السبب عانى الفيكونت…”
“ستيلا، ذلك المرهمُ الفاشلُ هو الذي أخذتِهِ بالقوة.”
“فا-فاشل؟”
نظرتُ إلى ستيلا بتعبيرٍ متسائل.
“لقد أخبرتُكِ بوضوحٍ ألا تأخذيه. وأنكِ ستندمينَ لو فعلتِ.”
“أنتِ لم تقولي…!”
“لكنكِ أنتِ والعمة ديان أخذتُموه على أي حال، أليس كذلك؟ بل واستصحبتُما معكما الخادمات أيضًا.”
المعنى ضمنيٌّ وواضح: هناك شهود، فلا تفكِّرا حتى في الإنكار.
بدا أن ستيلا فهمتِ المغزى من وراء هذه الكلمات، فعجزت عن الكلام.
لم يعد بوسعها إلا أن تفتحَ فمها وتغلقه كسمكةٍ خارج الماء، ووجهُها شاحبٌ كالورق. ولم تكن ديان مختلفةً عنها، فلونها أيضًا اختفى من وجهها.
أأدركتما الآن؟ لقد وقعتُما أنتما الاثنتان في الفخِّ الذي نصبتُه.
لقد توقعتُ أن الفيكونت مولون سيأتي بحثًا عن المرهمِ بعد أن رأى تأثيره.
وحينها ستأتي ديان وستيلا إليَّ تطلبانِ ذلك المرهم.
إذا رفضتُ تسليمَه، فسيحاولانِ أخذه بالقوة.
لهذا تعمَّدتُ أن تراني كارين وأنا أصنعُ المرهمَ وطلبتُ منها أن تُخبرَ ستيلا بذلك.
بهذه الطريقة، ستأتيانِ لتأخذه.
بالطبع، الذي أعددتُه كان مزيفًا، وكان معدًَّا ليُؤخذ.
بفضل ستيلا تعلَّمتُ الكثير عن السمومِ القاتلة في حياتي السابقة.
كانت خليطاتٍ كانت تتلقاها هي من كوفيل لتستخدمَها ضدَّ منافساتها.
«كارين أخبرتني قالت إنها كانت قلقةً من أنكِ قد تصنعينَ المرهمَ مجددًا.»
تذكَّرتُ وجهَ ستيلا الشامخَ وهي تقولُ ذلك، معتقدةً أنها أمسكتْ عليَّ الأمر.
كدتُ أضحكُ في تلك اللحظة.
لكنني تمالكتُ نفسي، ووضعتُ يديَّ على صدري كأنني لم أعدْ أطيقُ الصدمة.
“المرهمُ الذي أخذته ستيلا وعمتي لم يكن ‘المرهمَ الحقيقي’. بل كان ‘مرهمًا فاشلاً’ كنتُ أعملُ عليه أثناء محاولتي صنعَ شيءٍ آخر لقد أخبرتُهما ألَّا يأخذاه لأنه قد يسبِّبُ آثارًا جانبيةً شديدةً إذا تمَّ استخدامُه…”
عند سماعِ كلماتي، ارتسمت على وجه الفيكونت مولون علاماتُ الغضبِ الشديد.
“أعطيتني مرهمًا فاشلًا مزيفًا فقط لتمهيدِ الطريق إلى ميناء بيتو!”
جسده كله كان يرتجفُ وكأنه يسترجعُ ذلك الألمَ المبرِّحَ الذي عاناه لتوِّه.
لكنه لم يستطعِ التعبيرَ عن غضبِه أكثر من ذلك.
فهو لا يزالُ في النهاية، بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى مرهمي.
“أحتاجُ إلى المرهمِ الذي صنعتِهِ، يا آنستي هل يمكنكِ أن تعطيني إياه؟”
“مرهمي أنا؟”
“عندما وضعتُه، مرضُ الجلدِ الذي عانيتُ منه لسنواتٍ بدأ يتحسَّنُ أخيرًا وهو أيضًا أنقذني من الموتِ المحقَّقِ منذ لحظات!”
تردَّدتُ قبل أن أتكلَّم.
“لكن عمتي قالت إن هذا المرهمَ خطيرٌ ويجبُ التخلُّصُ منه نهائيًّا…”
“ماذا؟ تبا!”
حدَّقَ الفيكونت مولون في ديان بنظرةٍ قاتلة، وكأنه مستعدٌّ لقتلها بيديه.
“سنحقِّقُ في هذا الأمرِ لاحقًا.”
تكلَّم هيوبرت ببرود.
ديان وغايل وستيلا شحبَتْ وجوهُهم.
وذلك لأن هيوبرت نفسه سيتولَّى التحقيق.
حينها، كلُّ ما فعلته ستيلا وديان بي سينكشفُ بكامله.
ابتسمتُ في سري، وشعرتُ بقليلٍ من الارتياح.
“أستطيعُ أن أعطيَكَ المرهمَ أيها الفيكونت. لكن أولاً، عليكَ أن تأخذَ إذنَ جدي.”
رفعتُ رأسي إلى هيوبرت وأنا أتكلَّم.
إنجازي هو بالأساس إنجازٌ له أيضًا.
بدا هيوبرت مسرورًا بردِّ فعلٍ كهذا.
وكأنَّ التوترَ الذي كان يشتدُّ في فكَّيْهِ المطبَقَيْنِ بسب عائلة ستيلا قد خفَّ أخيرًا.
“سعادتُك، أيمكنُ أن ترحمَ هذا الحقيرَ المسكينَ مولون؟”
انحنى الفيكونت مولون أمام هيوبرت انحناءةً عميقةً، وهو يرفعُ طلبَه بأدب.
وكان في تصرُّفِه هذا وعدٌ ضمنيٌّ: ‘لن أثيرَ أيَّ مشاكلَ أخرى مع العائلةِ الدوقيةِ بخصوصِ تصرُّفاتِ ستيلا’.
نظرَ هيوبرت ببرودٍ إلى قفا الفيكونت مولون للحظة، ثمَّ انفجرَ فجأةً في ضحكةٍ صافيةٍ صادقة.
“سأبذلُ حسنَ نيتي بكلِّ سرور لنذهبْ إلى مكتبي أولاً. سنبدأُ بصياغةِ العقد.”
“شكرًا لسعادتَك!”
لعلَّ السببَ أنَّ المرهمَ أثبتَ فعاليَّتَه بالفعل، بفضلي أنا.
لم يطلبِ الفيكونت مولون المزيدَ من اختباراتِ المرهم، واتَّبعَ هيوبرت بطاعة.
وبينما كان هيوبرت يصعدُ مع الفيكونت مولون إلى المكتبِ في الطابقِ الثاني، تبعَهم غايل بوقاحةٍ متسلِّلًا.
لكن هيوبرت لم يكن ليسمحَ بذلك.
“غايل، ابقَ هنا أنت.”
“ماذا؟ أتقولُ إن الابنَ الأكبرَ ينبغي أن يُستبعَدَ من عقدٍ مهمٍّ كهذا؟”
ارتفعَ حاجبُ هيوبرت بانزعاج.
“ما الذي يؤهِّلُك لأن تشاركَ فيه، وأنت عاجزٌ حتى عن إدارةِ شؤونِ عائلتِك الصغيرة؟”
عند اندفاعةِ هيوبرت هذه، انكمشَ غايل على نفسِه كجروٍ مُعنَّف.
“بدلاً منك،”
تطلَّعتْ نظرةُ هيوبرت إلى أفرادِ العائلةِ المجتمعين.
ديان التي تديرُ المنزل.
ستيلا التي كانت تحضرُ دائمًا اجتماعاتِ العملِ المهمةَ لتكتسبَ الخبرة.
ثم أنا، التي لم أدخلِ القصرَ إلا مؤخرًا.
لكن نظَرَته توقَّفتْ عندي.
“إيفيروزا سترافقني.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"