0 - مقدمة
المقدّمة
“هل كلماتي مُضحكةٌ بالنسبة لكِ؟”
عند صوته البارد، انكمش عنقي لا إراديًا كسلحفاة.
شعرٌ أسود كحجر السج، وعينان حمراوان متّقدتان كأنهما محقونان الدَّم.
بهذين العنصرين وحدهما بدا مخيفًا بما فيه الكفاية، لكن الرجل لم يكن مرعبَ المظهر فحسب، بل كانت شخصيّته كذلك.
بل كانت أسوأ… قذرة.
“مضى وقت طويل منذ استدعيتكِ، والآن فقط تظهرِين.”
“أعتذر… هَاهْ… هَاهْ……”
أجبتُ بصعوبة وأنا ألهث لالتقاط أنفاسي.
وفي داخلي، كان السخط يملأني.
على مهلكَ، يا حارس الشمال.
لقد أتيتُ للتو راكضةً من ساحةِ معركةٍ أخرى دون أن أحصل على يوم واحدٍ من الراحة، هل تعلم ذلك؟
نعم.
هذا المكان هو أراضي الشمال القاحلة، حيث يظهر الموتى الأحياء بلا انقطاع.
بينما كان الجميع ينعمون بالرخاء مدّعين أن عصر السلام قد حلّ، كنتُ أنا، ومعي عدد لا يُحصى من الفرسان، نعيش جحيمًا حقيقيًا.
ولولا هذا الجحيم، لما عاش أولئكَ بسَلام.
عملٌ لا بدّ أن يقوم به أحد.
“هل تبدو لكِ الحرب ضد الموتى الأحياء مزحة، أيتها المُطهِّرة سيرافينا؟”
“كلا.”
أجبتُ وأنا مشدودة الأعصاب إلى أقصى حد.
الحرب مع الموتى الأحياء ليست مزحة.
فإن لم يُقضَ عليهم في الوقت المناسب، قد يتكاثرون بأعدادٍ هائلة.
“سأقوم بتطهيرهم فورًا. إلى أين يجب أن أذهب—”
“انتهى الأمر بالفعل.”
“نعم؟”
رمشتُ بعينيّ في ارتباك.
عندها رمقني بطل الشمال وحاميه، كلود، بنظرةٍ جليدية توحي بأنه لا يريد تكرار كلامه، ثم أضاف بسخرية بغيضة.
“أتوقّعين مني أن أنتظر وصولكِ بعد هذا التأخير؟ إن لم يكن لديكِ ما تفعلينه، فاذهبي واغتسلي. كم يومًا مرَّ عليكِ هذه المرّة من دون استحمام؟”
“…….”
عجزتُ عن الرد، وتجمّدتُ في مكاني كأن جذورًا نبتت في قدميّ.
حوّل كلود جهدي، الذي استمر أيامًا بلا راحة، إلى مجرّد رائحة عرق عالقة.
وبآخر نظرةٍ متأفّفة، بدا فيها وكأنه يحبس أنفاسه، استدار ومضى مبتعدًا.
حدّقتُ في ظهره المتعجرف، وقبضتُ يديّ وأنا أرتجف غضبًا.
ابن الـXX…
ركضتُ كل هذه المسافة، وفي النهاية هذا ما أحصُده؟
كنتُ أنام على ظهر الحصان وأنا أركض، فمن أين لي وقت لأغتسل، أيها الوغد!
حين كبحتُ تذمّري الذي لم أجرؤ على النُّطق به، شعرتُ بحرارة في جوفي وكأنني ابتلعتُ قطعة حديد ساخنة.
وذلك الغضب صبّ الزيت على قرارٍ كنتُ قد اتخذته أصلًا.
سأترك هذا العمل وأهرب، مهما كلّف الأمر.
حتـمًا.
***
عادةً ما يتم القبضُ على المرء بعد فترة وجيزة مِن اتخاذ مثل هذا القرار.
لكنني كسرتُ تلك القاعدة غير المكتوبة، ونجحتُ في الهرب عن مرأى الجميع. ومنذ أشهر وأنا أعيش حياةً هانئة ومسترخية.
همم، هممم~
كنتُ أدندن وأنا أمشي على شاطئٍ هادئ، أشعر وكأنَّ العالم بأسره صار ملكي.
“تبدين في مزاجٍ جيّد، آنسة كلويت.”
عند الصوت الذي جاء من خلفي، التفتُّ إلى الوراء. كان رجل ذو شعر أحمر يقترب بابتسامة جذابة تقطُر من عينيه.
“السيد سيريل.”
كنتُ قد أعطيته اسمًا مزيفًا، وعلى الأرجح… هو أيضًا لم يكن صريحًا معي بكل شيء.
فنحن مجرد معارف عابرين التقينا في مكان غريب.
تقدّم سيريل خطوةً أخرى، وقال وهو ينظر إلى المال الذي كنتُ أحمله متدلّيًا بعد عودتي من نقابة التجار.
“التجوّل هكذا والمال ظاهر قد يجعلكِ هدفًا للأشرار.”
ثم وضع على رأسي قبعةً ذات حافةٍ عريضة، لا أعلم لماذا كان يحملها أصلًا، وضغطَها برفق.
“……؟”
“من الأفضل أن تُخفي وجهكِ على الأقل.”
“أليس الأجدر أن تقول: أخفِي المال؟”
“ذلك أيضًا.”
حدّقتُ فيه قليلًا، ثم امتثلتُ بهدوء.
نعم.
صحيح أنني كنتُ أحمله هكذا لظني أنه لا أحد هنا، لكن الحذر لا يضرّ.
هذا المكان قريةٌ ساحلية صغيرة.
سماءٌ صافية ومنعشة، وصوت الأمواج الباردة يملأ الأجواء… جنةٌ مثالية بالنسبة لي.
وهذا الرجل، سيريل زافييه……
“جئتُ للاستجمام لفترة قصيرة، لكن بعد لقائي بكِ، بدأتُ أفكّر في الاستقرار هنا نهائيًا.”
رجلٌ التقيتُه هنا صدفة.
لا أعرف هويته، ولا عمله، ولا موطنه الأصلي.
لم يسأل عني، ولم أسأل عنه. وكان ذلك مريحًا. فمن يهرب ويُخفي هويته لا يرغب في من ينبش ماضيه من قِبل أحد.
على أي حال، ورغم غموضه والهالة الغريبة التي تحيط به، لم يكن يبدو شخصًا سيئًا.
وربما لأنني هربتُ لتوّي من أولئك المجانين الذين استنزفوني حتى آخر قطرة، بدا لي سيريل بالمقارنة رجلًا نبيلًا من عالمٍ آخر.
وبينما أسمح له ضمنيًا بالسير إلى جانبي، أجبته.
“ألا تشعر بالملل؟”
“أبدًا. أعيش هذه الأيام أسعد فترات حياتي.”
رأيتُه يرفع طرف شفتيه قليلًا، فهززتُ رأسي موافقة.
وأنا أيضًا.
هذه الأيام هي الأسعد بالنسبة لي.
بعد أن قضيتُ وقتي أتنقّل بين ساحات الحرب وأعاني الويلات، ثم تخلَّصتُ مِن كلِّ من كان يعذّبني… أشعر وكأن صدري انشرح أخيرًا.
“بالمناسبة، هل سمعتِ؟”
“بماذا؟”
“قيل إن الموتى الأحياء ظهروا مجددًا في سلسلة جبال غروديس الشمالية.”
“آه، هم يظهرون في ذلك المكان كلما سنحت الفرصة، أليس كذلك؟”
“أحقًا؟”
“ما يُنشر في الصحف ليس سوى جزءٍ بسيط—”
توقّفتُ فجأة عن الكلام حين وقعت عيني على الصحيفة في يد سيريل.
“يبدو أنكِ مطّلعة على التفاصيل.”
“آهاهاها، سمعتُ ذلك من هنا وهناك… لكن لا أذكر أين تحديدًا. آمل أن تكون مجرد شائعة. هاهاها.”
…ليست شائعة.
رأيتُ ذلك الأمر المُريعXX بعينيّ .
بل مراتٍ عديدة.
معظم الناس لا يشعرون بذلك، لكن العالم كان لا يزال في حربٍ مع الموتى الأحياء.
أولئك الذين نهضوا فجأة من الأرض قبل عشرات السنين، ودفعوا العالم إلى فوضى عارمة. القضاء على أعدادٍ هائلة منهم وجلب السلام للقارة كان إنجاز ثلاثة أبطالٍ شباب.
وبالطبع، ما زال لا بدّ من شخصٍ يتكفّل بالقضاء على من يظهر منهم بين الحين والآخر.
وكان ذلك الشخص… أنا.
بصفتي ‘مطهِّرة’ قادرة على إطلاق قدرات تطهير واسعة النطاق، كنتُ أُستَخدَمُ بكفاءة عالية في ساحات القتال. آه… مجرد الحديث عن هذا يعيد إليّ ذكريات الاستغلال، فيؤلم صدري.
“السيد سيريل، لحظة.”
في تلك اللحظة، اقترب أحد تابعيه.
لا أعرف بالضبط ما هو عمله، لكن وجود مرؤوسين لديه يوحي بأنه شخصٌ كفؤ.
لهذا بدا لي أنه كان يقضي وقت الاستجمام هذا معي كما لو كان من الأثرياء المتقاعدين الناجحين.
همس التابع بشيءٍ في أذنه، فتغيّر وجه سيريل قليلًا.
“هل هناك أمرٌ ما؟”
“لقد قضينا وقتًا ممتعًا، لكن عليّ أن أستأذن أولًا.”
قال ذلك وهو يضع الصحيفة في يدي، طالبًا مني قراءتها إن شعرتُ بالملل. وفي المقابل، تمنّيتُ له التوفيق.
“أتمنى أن تُحلّ الأمور على خير.”
كانت هذه هي حدودَ علاقتنا بالضبط.
لا أسئلة متعمّقة.
راقبتُ ظهره وهو يبتعد على عجلٍ للحظة، ثم أدرتُ رأسي.
ساف… ساف…
كان ملمس الرمل وهو يلتصق بقدميّ مريحًا.
بعد قليل من المشي، جلستُ في مكانٍ يُظهر امتداد الشاطئ يمينًا ويسارًا بوضوح. لمَ لا أقرأ الصحيفة بعد طول انقطاع؟
“همم؟”
تجهمتْ ملامحي وأنا أقرأ بلا تفكير.
[……ظهر صاحب قدرة من الطراز الأعلى ليملأ الفراغ الذي خلّفته المطهِّرة سيرافينا المختفية. وحشٌ يمتلك قدرة تطهير أقوى وأوسع من أي مطهِّر في التاريخ…….]
إنها البطلة، أفيلين.
ظهورها محا موتي تمامًا من الذاكرة.
لأنها تمتلك قدرةً هائلة تحلّ محلّي.
نعم.
هذا هو التوقيت. حان دوري لأرتاح.
اعتني بالباقي يا بطلة.
[……لكن تُشير بعض الشائعات إلى أن الأبطال ما زالوا بحاجة إلى قدرات سيرافينا. ويقال إنهم يجوبون الأماكن بحثًا عن مكان وجودها…….]
أظلم وجهي وأنا أتابع قراءة المقال.
هذا غريب.
وفقًا للأصل، كان من المفترض أن أموت أثناء الحرب، ثم تظهر البطلة بعد فترة قصيرة بقدرةٍ تفوق قدرتي، فيحتاجها الجميع ويقعون في حبها… هكذا كان يجب أن تسير الأحداث.
…فلماذا ما زالوا يبحثون عني؟
حاولتُ تهدئة نفسي والقلق يساورني.
لا بأس.
لقد غيّرتُ اسمي واختبأت.
اختبأتُ في قريةٍ ساحلية صغيرة لم تربطني بها صلةٌ من قبل، فكيف سيعثرون عليّ؟
ربما لأن ظهور أفيلين مازال جديدًا. قريبًا سينبهرون بقدراتها التطهيرية الهائلة وينسون أمري تمامًا، أليس كذلك؟
بعد أن هدّأتُ نفسي بهذه الأفكار، رفعتُ بصري نحو الأفق.
اتساع المشهد بدّد الأفكار السلبية تمامًا.
هل أتمشّى قليلًا مجددًا؟
نفضتُ الرمل العالق بثوبي، وبدأتُ أسير على طول الشاطئ مرةً أخرى. لكنني لم أقطع مسافةً طويلة حتى توقّفت فجأة.
“هاه؟!”
ذلك…؟!
اسودّ وجهي حين رأيتُ ما لا ينبغي أن يكون هنا.
شيءٌ أسود يشبه الثلج الجاف كان يتلوّى على الأرض أمام عينيّ. ضيّقتُ نظري. كان وحشًا من الموتى الأحياء، من الرتبة الدنيا.
لحسن الحظ، كان مجرد واحدٍ ضعيف.
بالنسبة لجسدٍ خبير في ساحات القتال، بدا هذا القزم الصغير لطيفًا حتى.
“تسك تسك، يا لسوء حظك. بالضبط في القرية التي اختبأتُ فيها؟”
لكن لا يمكن تركُه لمجرد أنه يبدو لطيفًا.
ظهور الموتى الأحياء يعني أن أولئك المجانين—أقصد الأبطال—قد تصلهم معلومات عن هذه القرية.
لا يمكن السماح حتى لذرة وعيٍ منهم بأن تدرك وجود هذا المكان.
انحنيتُ بسرعة وأنا أتمتم بالتعويذة، متلفّتةً حولي خشية أن يراني أحد.
“يا ظلام الفوضى، عُد رمادًا.”
انبثق ضوءٌ أبيض من يدي، فأطلق القزم صرخةً حادّة: “كيييه!” ثم تفتّت إلى غبار.
ومع هبّة نسيمٍ بحري، تناثر الرماد الأسود في كل اتجاه.
بعد أن تخلّصتُ من الوحش دون أن يشعر أحد، أخذتُ أفكّر.
حتى لو كان الأمر نظيفًا… للاحتياط……
‘يجب أن أُجريَ دورية في المنطقة.’
سلامُ مخبئي… سأحميه بنفسي.
وبينما هممتُ بالنهوض، ألقى ظلٌّ ضخم نفسه فوقي.
قشعريرة.
سرت قشعريرة حادّة من أسفل ظهري، صعودًا على طول العمود الفقري.
وبإحساسٍ مشؤوم، رفعتُ رأسي ببطء.
“……!”
طَقّ.
سقطت الصحيفة من يدي.
رنّة.
وانزلقت النقود التي خبأتها في صدري وسقطت هي الأخرى.
لكن نظرة الرجل الباردة، وكأن كل ذلك لا يعنيه بشيء، كانت مغروسةً فيّ مباشرة.
حسابي واتباد 🌸 ki_lon2
التعليقات لهذا الفصل " 0"