الفصل 8. رجلٌ نوعه المفضل في النساء التي لا تستحمّ
“نعم؟”
بصراحة، ارتبكت.
بل ارتبكت كثيرًا.
كيف عرف أنني وصلت عند منتصف الليل؟ هل وضع من يراقبني؟ لم أشعر بشيء من هذا القبيل. أم أن هذه هي مهارة التخفّي التي يُشاع عنها؟ تتبّعٌ لا يُكتشف من خبير؟
كان قلبي يخفق بجنون.
تابع يوهان بصوت هادئ.
“بصراحة.”
أغلق الكتاب بفرقعة خفيفة ونهض من مكانه.
“ظننتُ أنك قد تنامين متأخرة قليلًا. لم يكن ذلك خطأً متعمّدًا، لذا كنتُ مستعدًا لتجاوزه.”
بدت عيناه الزرقاوان باردتين كالجليد.
تذكّرتُ سطرًا من الرواية الأصلية، فتوترت وعضضتُ شفتِي السفلى بقوة.
[أكثر ما يكرهه يوهان هو الكذب. لذلك كان غاضبًا بشدّو. بسبب أفيلين التي واصلت القول إنها بخير بينما تكذب.]
وكم كان غاضبًا آنذاك…
[بعد أن انهارت وهي تجوب ساحة المعركة بإفراط، تقول إنها ستخرج مجددًا لإبادة الموتى الأحياء؟ شعر يوهان أن صدره سينفجر من الاختناق.
“هل أنتِ بكامل وعيكِ؟ إلى أين تظنين أنك ذاهبة بهذا الجسد؟”
“أليس هذا عملي؟”
“توقفي.”
لكن أفيلين لم تتوقف.
“توقفي حالًا! هذا أمر!”
غير أن من عزم على الموت لا تردعه الأوامر. في النهاية، صرّ يوهان على أسنانه وانطلق خلفها. ثم خطف معصمها بسرعة.
“قلتُ لا.”
“قلتُ إنني بخير.”
“أأنتِ… مصمّمة على أن تريني أُجنّ؟ ليس لكِ حق الاختيار.”
“جلالتك! دع يدي!”
أمسك معصمها وسحبها معه.
وبتلك الهالة القاتلة التي بدت وكأنها ستجمّد المكان بأكمله، تنحّى الفرسان المقدّسون الذين جاؤوا لمرافقة المطهِّرة جانبًا دون وعي.]
إذًا… أليست تلك النظرة الباردة التي يحدّق فيَّ بها الآن نسخةً مصغّرة من تلك الهالة القاتلة؟
ندمتُ على أنني لم أرتدِ أكياس الرمل، وعلى أنني جئتُ ممتطية حصان مارك قبل قليل. كنتُ أراقب ملامحه بقلق.
وكما توقعت، خرج من فمه كلامٌ يوحي بأنه يعرف كل شيء.
“أما محاولة خداع مارسيوس بجرأة، فهذا يحتاج إلى تفسير.”
“ذلك….”
بصدق، حتى لو كان لي عشرة أفواه لما وجدتُ عذرًا.
أطرقتُ رأسي.
رأيته يخطو بضع خطوات مقتربًا مني. قررتُ أن أطلب الصفح بصراحة بدل أن أختلق أعذارًا واهية. فالكذب أو الادعاء أنني ركضت جزءًا من الطريق لن يزيده إلا غضبًا.
“كان الأمر مرهقًا جدًا. أنا آسفةٌ حقًا. لن يتكرر هذا.”
“من الطبيعي أن لا يتكر—… كح!”
توقف أمامي مباشرة وأصدر صوتًا غريبًا. رفعتُ رأسي فرأيته يضع يده على أنفه بوجه مرتبك.
آه…
أتمنى لو أختفي.
يبدو أنه شمّ رائحة رأسي مباشرة.
احمرّ وجهي حتى أذنيّ، وأنزلتُ نظري إلى الأرض. لم أرد أن أواجه أي شيء. تمنيت فقط لو تنشقّ الأرض وأتحول إلى دودة.
يا أنا في الماضي…
كان الأمر مجرد كسل لحظة، فلماذا لم تستحمِ فقط؟ يا إلهي.
لو استطعت، كنت لأعيد الزمن إلى الوراء.
“آه-احم.”
في تلك اللحظة، سمعت صوت يوهان يسعل كإشارة خفيفة فوق رأسي.
“يبدو أن التدريب الأول كان شاقًا جدًا.”
نعم…
أخيرًا، أقررتَ بذلك، شكرًا لكَ على تفهمك.
“بالأخص، سأغض النظر عن هذه المرة.”
ثم تمتم بصوت منخفض: “لا تملكين حتى طاقة للاستحمام…”
بالنسبة لي، كان هذا بمثابة نصر، إذ تم الإعفاء من التحقيق في مسألة عدم الاستحمام، لكن في المقابل غمرني شعور بالذنب.
اللعنة.
ماذا عن كرامتي كإنسانة؟
“المنطقة الرابعة عشرة بعيدة حقًا.”
فجأة، سمعْتُ صوت شخص خلفي. لم أحتاج لرؤيته لأعرف من هو؛ لا بد أن يكون اللعينة جيسوب الذي أفشى كل شيء.
حاولتُ التحكم في تعابير وجهي وأظهرتُ أكبر قدر ممكن من التوبة حين نظرتُ إليه. ثعلبٌ وغد.
واصل جيسوب كلامه.
“لكنّ هذا من الأمور التي يجب أن لا تُغض النظر عنها.”
“إذا كنتَ تحاول جعلي إمبراطورًا طاغية، فلا تفعل. لا أرغب في دفع شخصٍ بلا طاقة حتى للاستحمام إلى الهاوية.”
ردّه القوي والمتمسّك بالمبادئ حول موضوع الاستحمام جعل جيسوب يصوّب عدائه نحوي فورًا.
“سيرافينا، لا تخدعي جلالته أبدًا مرة أخرى. لقد نلتِ رحمته هذه المرة، لعدم استحمامكِ، لكن مهما كانت قيمة المطهّرة، لا يمكنكِ الإساءة إلى الإمبراطور والنجاة من ذلك.”
يا إلهي، هل يمكن أن تتوقفا عن الحديث عن عدم الاستحمام؟
رغم شعوري بالرغبة في البكاء، كان عليّ الرد على هذا التحذير الشديد.
“آه، إذن الموضوع هو…”
لكن يوهان قاطعني قبل أن أجد فرصة للرد.
“جهزي أمتعتك للإقامة في القصر الإمبراطوري.”
“ماذا؟!”
“جلالتك، ما هذا الكلام الغريب؟!”
صرخنا أنا وجيسوب في آنٍ واحد. تبادلنا نظرات حائرة، ثم نظرنا إلى يوهان الذي بدا غير مبالٍ.
“كم عدد الغرف في القصر؟ ليس من الغريب أن تقيمي هنا مؤقتًا.”
“لكن لدي تعلق بالمنزل الذي أعيش فيه حاليًا!”
شعرت ببرودة في جسدي وأنا أجيب بسرعة.
كان الانتقال إلى القصر خطيرًا.
سأعمل سنة أو سنتين فقط ثم أستقيل، لكن لاحقًا ربما لن أتمكن من ترك العمل بسهولة. المكان الذي يعيش فيه الشخص مهم جدًا.
يوهان اكتفى برفع كتفيه وكأن الأمر لا يشكل مشكلة.
“ستقيمين هنا فقط خلال فترة التدريب المكثف، وفي الأيام التي لا يكون فيها تدريب يمكنكِ العودة إلى منزلك.”
“آه….”
في هذه الحالة… لا اعتراض لديّ…
ساد الصمت للحظة. ثم ختم يوهان الأمر كإشارة للقبول.
“إذن ابدأي فورًا بحزم أمتعتك والإقامة هنا اليوم.”
***
بعد حادثة الصباح، تم تعديل جدول تدريب سيرافينا قليلًا، فقط لإتاحة فرصة للاستحمام.
وفي سياق مماثل، بعد الانتهاء من التدريب في وقت مبكر من المساء، تمكنت سيرافينا من ركوب عربة الإمبراطور لجلب أمتعتها إلى القصر الإمبراطوري.
عندما تلقى يوهان تقريرًا بوصولها سالمة، أومأ برأسه بابتسامة راضية وهو يجفف شعره المبتل بالمنشفة.
حدّق جيسوب بالإمبراطور الذي خرج لتوه من الحمام، مرتديا ثوب الاستحمام، بتجهم وفتح فمه قائلاً.
“لم أظن أنّك رجلٌ نوعه المفضل في النساء التي لا تستحمّ.”
“ما هذا الهراء؟”
جلس يوهان على السرير بتجهم، عابسًا حاجبيه.
”سمعتُ في مكان ما أن الناس ينجذبون لمن يعاكسهم في الصفات…”
“إذا كنت ستتحدث بالترهات، فاخرج.”
“لا، أنا فقط لا أستطيع الفهم.”
“مجرد غرفة فارغة نمنحها لها، لا أعرف لماذا تجعل الأمر معقدًا.”
“أنت كنت ترسل جميع النبلاء السكارى إلى بيوتهم أثناء الولائم الإمبراطورية.”
“لا أرغب في أن أكون تحت سقف واحد مع السكارى.”
واصل يوهان كلامه بسلاسة.
“بالإضافة إلى ذلك، ألن يوفر عليك هذا عناء الذهاب والإياب للمنطقة 14 يوميًا؟”
“لم أكن أنوي الذهاب يوميا على أي حال.”
الليلة الماضية…
تبعها جيسوب سرًا ليتحقق من الوقت الذي تستغرقه للوصول من القصر إلى منزلها.
وفي صباح اليوم…
<لقد وصلتْ في منتصف الليل، ربما لن تستطيع الاستيقاظ صباحًا.>
<سأذهب في لأتأكد فقط مما إذا كانت ستنطلق أم لا.>
وهذا ما حصل.
بالنسبة لجيسوب، كانت هذه المسافة لا شيء.
لكنها أتت مع رجلٍ ضخم، وعلى الحصان بكل أريحية دون أكياس الرمل، ثم بدأت تبذل مجهودًا لتتعرق قرب القصر فقط قبل الدخول.
كان الأمر مستفزًا.
أن تقوم عامية أصبحت مطهرة بالاستخفاف بالإمبراطور هكذا!
تراكم الغضب بداخله.
خارجيًا، كان جيسوب أحيانًا ما يتذمر، لكنه كان فارسًا حقيقيًا في أعماقه. وكان يحترم يوهان بصدق كفارس.
مهما كان، منذ اللقاء الأول، لم يجد جيسوب سيرافينا لطيفة. يمكن القول باختصار: لقد كان صارمًا جدًا.
”أعتقد أنك تبقيها قريبة جدًا منك.”
”لا داعي للمبالغة في رد الفعل. إنها مورد ثمين، وأنا أقدم لها الدعم اللازم في الوقت المناسب فقط.”
“إذا كان هذا هو المنطق، فيجب أن يدخل جميع المطهّرين إلى القصر.”
“كلهم مشغولون بمطاردة الموتى الأحياء، ليس لديهم سبب للمجيء قرب إيلمون.”
رد جيسوب مستفسرًا.
“إذن هل سترسل سيرافينا لاحقًا أيضًا؟”
“… لماذا تسأل كثيرًا؟”
رفع يوهان حاجبه بتعب واضح.
بصراحة، لم يعرف جيسوب سبب تدخله بهذا الشكل، فقط لم يعجبه، مجرد حدسٍ منه.
إذا أردنا سببًا منطقيًا…
“أظن أن دعمكَ مبالغ فيه. ألم يُرسل كلّ مطهر آخر إلى ساحة المعركة فور اجتيازه الامتحان؟”
“إنها امرأة بالكاد تقتل غولًا واحدًا. ماذا لو أُصيبت بالإغماء، ألا يكون ذلك خطيرًا؟”
“مهما يكن…”
قاطع يوهان جيسوب الذي كان يتمتم بعدم رضا، وقال بحزم مطمئن.
“بمجرد انتهاء التدريب المكثف، أخطط لإرسالها فورًا إلى ساحة المعركة. يجب أن أستردَّ ما استثمرته فيها.”
التعليقات لهذا الفصل " 8"