بعد أن سمعت الإجابة، أومأت إيونيا برأسها قائلة إنها فهمت، ثم خرجت فورًا.
وعلى عكس الجهد الذي بذلته بالحضور شخصيًا لتسليم الملاحظة، لم يكن في تصرّفها أي تردّد أو تعلق.
وحيدًا في مكتب العمل، فتح يوهان التقرير الذي كان ينقر عليه بأصابعه فقط.
رغم أن محتواه معروف لديه مسبقًا، إلا أنه مرّ بعينيه عليه مرة أخرى من أوله إلى آخره.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ارتفعت زاوية فمه من تلقاء نفسها.
ثم ما لبث أن كشف عن أسنانه وبدأ يضحك فعلًا.
“آهاهاها.”
حقًا، حتى عند قراءته مجددًا يظل مضحكًا.
منذ مدة طويلة لم يصادف تقريرًا مسليًا إلى هذا الحد.
—
[تقرير سير اختبار المطهِّرة الرسمي]
تمكّنا من إجراء المرحلة الأولى فقط من أصل ثلاث مراحل مقررة للاختبار.
والأسباب كما يلي:
1. الخوف المفرط
خافت من غول واحد فقط، فأخذت تصرخ صراخًا حادًا كاد يمزّق طبلة الأذن. وبناءً عليه، رُئي أن متابعة المراحل التالية غير ممكنة.
2. ضعف اللياقة البدنية
كانت تلهث وكأن رئتيها ستنفجران، لذلك تقرر أن خوض المرحلة الثانية مع أمواتٍ أحياء من المستوى الثاني أمر غير ممكن. لوحظت سرعة ردّة فعلها أثناء الهرب من الأموات الأحياء، إلا أن قدرتها البدنية لم تكن كافية لدعم ذلك.
3. الاستخدام العشوائي لقدرة التطهير
لم تتمكن من النظر مباشرة إلى الأموات الأحياء أو التصويب بدقة. ويبدو أن التطهير لا يُفَعَّل إلا عند إغماض عينيها والصراخ.
مع ذلك، تبيّن أن نطاق قدرة التطهير واسع جدًا، لدرجة أن المختبِرين أنفسهم أُدرجوا ضمن نطاق التطهير إلى جانب الغول.
—
“هههه.”
هذا جنون. أمسك يوهان جبينه بيد واحدة، وهو يضحك كالمجنون.
يبدو أن شخصًا ممتعًا للغاية دخل القصر أخيرًا. لم يكن راضيًا عن أن يتولى المعبد الإشراف على اختبار المطهِّرين من الأساس، لكن أن يُدرَج الكهنة القائمون على الاختبار ضمن نطاق التطهير؟ هذا الأمر راق لهُ كثيرًا.
“ثم إننا منذ كم سنة لم نحصل على مطهِّر حقيقيّ؟”
ارتسمت ابتسامة رضا على وجه يوهان.
مهما كانت مهاراتها، فبالنسبة للإمبراطورية كان هذا مكسبًا كبيرًا.
اختبار التطهير كان يُجرى أكثر مما يُظَن، لأن كثيرين كانوا يتقدمون إليه طمعًا في قلب حياتهم رأسًا على عقب. ولا سيما المعالجون.
لكن العلاج والتطهير مجالان مختلفان تمامًا.
ورغم أن الاختبار كان يُعقد عشرات المرات كل عام، نادرًا ما كان أحد ينجح فيه، ولهذا أصبحت مكانة اختبار التطهير غامضة جدًا.
الإبقاء عليه لا يجلب نتائج تُذكر، لكن إلغاءه أيضًا غير ممكن، فربما — ولو باحتمال دخول ناقةٍ في ثقب إبرة — يظهر مطهِّرٌ حقيقيّ.
وعلى أي حال، وفي خضم ذلك كله، ظهرت مطهِّرة حقيقية بالفعل.
وكان هذا أمرًا يستحق الترحيب الحار من قبل الإمبراطورية.
“أمّا المهارة… فيمكن رفعها بالتدريب المكثف.”
وفعلًا، كان قد أصدر أوامر خاصة لبدء التدريب اعتبارًا من الغد.
لا بد أنها تسلّمت الرسالة الآن.
“هممم… ترى كم يبلغ خوفها؟”
من الانطباع الذي رآه في حفل التعيين، بدت واثقة إلى حد ما.
وبينما يفكر بذلك، تذكّر يوهان سِيرافينا التي صادفها مصادفة في الحديقة.
<جميل……>
<ماذا؟>
<لا، أقصد، لماذا خرج هذا الهراء من فمي؟>
<……هراء؟>
<“لا، أقصد، ليس أنني أقول إنك غير جميل.>
<إِنَّكَ؟>
<……>
“هاههاهاهاها!”
ما إن استعاد الذكرى حتى انفجر بالضحك.
قالت أنه جميل.
لطالما سمع هذا النوع من المدح خلال حياته، لكنها كانت المرة الأولى التي يرى فيها شخصًا يتمتم به أمام الشخص المعني، بذلك الشرود.
بدا أنّ شخصيتها من النوع الذي لا يستطيع إخفاء أفكاره على الإطلاق.
“صحيح. عندما أفكر في الأمر…”
حتى في قاعة سارنادي، كان وجهها يعكس فرحة حقيقية بتعيينها مُطهِّرة. تذكر وجهها المشرق بالفخر وهي تُداعب خطاب التعيين بعناية. ظن أن ذلك يكفي.
“الأهم هو العقلية.”
بقلبها المُستعد لتكريس نفسها للإمبراطورية، حتى مهاراتها التي تفتقر إليها يُمكن تعويضها بالجهد. على الأقل، هذا ما كان يعتقده يوهان.
ابتسم ابتسامة لطيفة، وهو يفكر في أن سيرافينا ربما ستلوح بيديها نافيةً الأمر إذا علمت به.
“سأحرص على جعلكِ مطهرة لائقةً تماماً.”
***
كان الطقس صافياً في هذا المكان.
يمكن القول إنهم بنوا العاصمة في موقع جغرافي مثالي.
استمتعت بأشعة الشمس اللطيفة التي تتسلل عبر قضبان النافذة بعد الظهر، وقمت بالبحث في خزانة الملابس.
تباً. ليس لديّ الكثير من الملابس.
“لقد ذهبتُ بملابس رثة للغاية في المرة الماضية أيضاً.”
في ذلك الوقت، كنت قد امتلكت هذا الجسد للتو، وكانت تلك أول مرة أذهب فيها إلى القصر الإمبراطوري، لذلك كنت جاهلة بعض الشيء.
لكن الآن وقد بدأت أتأقلم مع هذه الحياة الجديدة، أردت أن أرتدي ملابس أجمل قليلاً.
يجب أن تحافظ المطهرة على مظهرها! نعم، بالطبع!
لكن هذا لا يعني أن الملابس الفاخرة ستظهر فجأة من العدم من أجلي.
بعد أن حدقت في خزانة الملابس لبعض الوقت، تقبلت الواقع بسرعة.
“حسنًا. أعتقد أن هذا سيكون جيدًا.”
لم يكن الزي مختلفاً كثيراً عن المرة السابقة.
على أي حال، أثناء التدريب ستتسخ الملابس كلها، فما الحاجة لارتداء شيء فاخر؟
ليس كأنني لا أملك شيئا آخر لإرتدائه.
طالما أنني مقتنعة، سأرتدي إحدى الملابس التي كنت أشارك بها فالمعارك.
“جيد. إذن، هل أنطلق؟”
ذهبتُ هذه المرة أيضًا على متن عربةٍ مأجورة.
كنتُ سأضطر للذهاب إلى التدريب يوميًا من الآن فصاعدًا، فخطر ببالي أن هذا قد يكون تبذيرًا كبيرًا للمال، لكن على أي حال لم يكن لديّ حلّ آخر في الوقت الحالي.
ثم إن أجرة العربات لشهرٍ كامل لن تكون بالأمر الجلل حالما أتقاضى أول راتب لي.
‘إذًا ستُستنزف مصاريف النقل جزءًا لا بأس به من ميزانية الشهر.’
وبينما أفكر بأنه عليّ إعداد دفترٍ للمصروفات، أخذتُ أحدّق بهدوء في المناظر المتبدّلة خارج نافذة العربة. كان ضوء الشمس يسقط بزاوية غريبة، فانعكس وجهي بشكل باهتٍ على الزجاج الشفّاف.
شَعرٌ بنيٌّ فاتح.
وعينان بنيّتان تميلان إلى البرتقالي.
مظهرٌ عاديٌّ إلى أبعد حد، لكن إذا دقّقت النظر فيه جيدًا، فهو لا بأس به على طريقته.
همم. أعلم أن قول هذا عن نفسي قد يكون محرجًا، لكن يبدو أنني أُعدّ جميلة إلى حدٍّ ما؟
التعليقات لهذا الفصل " 5"