في اللحظة التي فتحتُ فيها عيني صباحًا، أدركتُ أن جسدي ليس على ما يرام. لم يكن رأسي فقط، بل جسدي كله كان يشتعل بالحمّى.
آه، كنت أعلم أنّ هذا سيحدث.
كان ينبغي أن أكون حذرة حين شعرتُ بالتوعك أمس.
كلما فكرتُ في الأمر، شعرتُ بالغضب.
أقدّم هدية، وما أحصل عليه بالمقابل هو قرار إرسالي.
بالطبع، أعلم أن عليّ الذهاب.
لكن التوقيت! هل كانوا يناقشون إرسالي فور منحي إجازة؟
شعرتُ وكأنني طُعنت في الظهر، وبقيتُ طوال الأمس في مزاج سيئ. ثم أجبرتُ جسدي على الحركة، وتدرّبتُ بعد الظهر تحت المطر، وفي المساء… لم أستطع الراحة كما ينبغي لأن الأفكار ظلت تدور في رأسي.
ونتيجة لذلك، أُنهك عقلي وجسدي بطرقٍ عدة.
وربما لعب الإرهاق المتراكم طوال شهر دورًا أيضًا.
كيف ستكون الحياة إن كنتُ أتنقل من ساحة معركة إلى أخرى؟
بالطبع، في ذكرياتي، ذهبتُ إلى ساحات المعارك عدة مرات.
لكنني كمعالجة، كنتُ دائمًا في المؤخرة ولم أضطر قط لرؤية الموتى الأحياء عن قرب. كانت تُسمى ساحة معركة، لكنني كنت أبقى نسبيًا بسلام مع عربات الإمدادات.
أما هذه المرة، فسأكون في المقدمة.
سأقف في الخطوط الأمامية في حربٍ ضد الموتى الأحياء.
“هل قدرتي على التطهير حقًا ذاتُ فائدة…؟”
بصراحة، كنتُ قلقة.
لذلك جرّبتها عدة مرات بمفردي في غرفتي، لكن دون وجود موتى أحياء فعليين، لم أستطع التأكد إن كانت تعمل أم لا.
ومع ذلك…
“ربما كانت قدرتي على التنظيف كيون جيا هي في الأصل قدرة تطهير.”
كان الإحساس مختلفًا قليلًا، لكنه متشابه.
كما لو أن القدرة قد عُدِّلت لتناسب هذا العالم، لأنه مختلف.
الإحساس الدافئ والنقي للضوء الأبيض المنبعث من يديّ كان مشابهًا لما شعرتُ به حين كنت أنظف على الأرض.
ربّما لعدم وجود السحر أو الموتى الأحياء في ذلك العالم، كانت قدرة التطهير هناك أضعف؟
بطريقة ما، شعرتُ أن دخولي هذا الجسد لم يكن مصادفة.
ربما كانت سيرافينا ويون جيا في الأصل كيانين مرتبطين… هذا ما فكرتُ به.
على أي حال، لم أستطع التفكير طويلًا الآن.
سووش.
بللت فاي منشفة بالماء، وعصرتها، ثم وضعتها على جبيني.
“آنسة سيرافينا، يبدو أن حرارتكِ ترتفع أكثر. إن ارتفعت أكثر من ذلك فسيكون الأمر خطيرًا.”
آه، اصمتي يا فاي.
رأسي يؤلمني.
كانت صورتها القلقة تتشوش في بصري. نعم، إن ارتفعت أكثر فسيكون الأمر خطيرًا.
قد أفقد الوعي.
في تلك اللحظة، طُرق الباب. وصدى صوتُ رجل مسنّ في الغرفة.
“لقد أُرسلت من قبل جلالته. تشرفتُ بلقائكِ. أنا بريمن، المسؤول عن صحة جلالة الإمبراطور.”
كان رجلًا في منتصف العمر، أشيبُ الشعر.
الطبيب الشخصي للإمبراطور، لا أقل.
…أليس هذا جيدًا؟
شعرتُ بقليل من زوال استيائي من يوهان. ربما لم يأتِ لزيارتي لأنه مشغول. يبدو أنّه قلق حقًا، إذ أرسل طبيبه الشخصي.
“دعيني أفحصك.”
“نعم، من فضلك. أنا قلقة جدًا أن يحدث لها شيء.”
اصمتي يا فاي.
لا تقولي أشياء كهذه. الكلمات قد تصبح واقعًا…
حين أزال بريمن المنشفة عن جبيني، استقر هواء بارد في موضعها. ثم بدأ يفتش في حقيبته وأخرج بعض الأدوات الطبية ليفحص حالتي.
“سأقيس حرارتكِ.”
قياس الحرارة من الأذن مشابه، أليس كذلك.
“افتحي فمكِ وقولي ‘آه’.”
“آه.”
فعلتُ كما طُلب مني، رغم أن ذهني كان ضبابيًا.
دوّن بريمن شيئًا على الورق، ثم تحدث بنبرة هادئة.
“سأجري بعض سحر العلاج أولًا.”
“أنتَ… معالج…؟”
كان الأمر غير متوقع، لأنه لم يكن يبدو كذلك إطلاقًا. جمعتُ ما تبقى لديّ من قوة لأُظهر دهشتي. فأومأ برأسه بابتسامة لطيفة.
“المعالجة تكون أكثر فاعلية للجروح الخارجية، وفي حالات الإرهاق مثل هذه، لا يمكنها سوى تقليل التعب الجسدي قليلًا.”
“أفهم…”
لم تكن لديّ طاقة للرد.
“لكنّ ذلك أفضل من لا شيء.”
هوووش.
انتشرت طاقة بيضاء صافية من يديه وانتشرت بحرارة في جسدي. كان الأمر بالتأكيد أفضل من لا شيء.
الحمّى لم تنخفض على الإطلاق، لكن جسدي شعر براحة نوعًا ما. في هذه الحالة المزرية، حتى التغيير الطفيف كان يبدو مهمًا.
“جلالته كان قلقًا جدًا عليكِ، آنسة سيرافينا.”
“حَـ…قًّا……؟”
هذا الرجل.
ارتفعت زاويتا فمي قليلاً حتى وأنا مريضة.
“قال إنه يجب أن تتعافي بسرعة حتى لا يتأخر إرسالك الى واجبِك.”
“……”
ذاك الـXX.
ابتسامتي الخفيفة تحولت إلى مرارة.
كم أنا غبية لتفكيري به ولو للحظة!
دون أن يدرك مشاعري، أضاف بريمن بابتسامة لطيفة.
“سأصف لك دواءً فعالًا لضمان أن تتمكني من الالتحاق بساحة المعركة الأسبوع القادم كما هو مقرر.”
أغلقت عيني ببساطة.
أنتَ مثلهم جميعًا، إهيء….
لا أحتاج أيًا من هذا!
***
بعد أن تناولتُ الدواء الذي وصفه بريمن، شعرتُ بالنعاس، عالقة بين النوم واليقظة.
إما أنه فعال جدًا أو مليء بأقراص مهدئة.
“الآنسة سيرافينا، نامي قليلًا.”
“مم. شكرًا، فاي.”
غطّت فاي البطانية حتى رقبتي.
“عليكِ أن تنامي جيدًا لكي يعمل الدواء بشكل أفضل.”
“مم… هممم…”
ربما هناك سبب يجعل منه طبيب الإمبراطور بعد كل شيء.
العلاج وتناول الدواء كان له تأثير مباشر.
وبهمهمة، غُصتُ في عالم النوم بعد آخر رد مني.
نمتُ بعمق دون أحلام.
كم من الساعات مرت هكذا؟
آه.
أشعر بالبرودة.
بينما كنت نصف نائمة، شعرت بيدٍ على جبيني. جعلني أستيقظ قليلًا. لكن كنتُ متعبة جدًا لفتح عيني بالكامل.
في حالتي الضبابية، رفعتُ جفوني قليلًا ورأيتُ شخصًا جالسًا بجانب السرير. بضوء القمر خلفه، كان وجهه مخفيًّا في الظل.
“من هذا…؟”
فور مرور هذا السؤال في رأسي، سمعت صوت رجل.
“الحمّى لا تتوقف.”
كان صوت يوهان.
هاه؟
يوهان؟
هل جاء ليتحقق من حالي قبل إرسالي؟
“رجل فظيع.”
انطلقت الكلمات من فمي بلا تفكير. المرض جعل حُكمي ضبابيًا.
هه.
شعرت أن الرجل المظلل ابتسم.
غريب. لو كان يوهان، لقال شيئًا مثل “رجل فظيع؟” وكأنني أسيء إليه.
رمشت بعيني.
حاولتُ النظر عن قرب إلى الوجه المظلل، لكن كما لو كانت الحمّى قد أثّرت على بصري أيضًا، لم أستطع الرؤية بوضوح.
وبما أن الأمور سارت بهذا اللطف.. فلم يكن يوهان.
أغمضت جفوني ببطء وفتحتها مرة أخرى.
ثم…
“لقد اختفى.”
كما لو أنه لم يكن بجانبي قط، اختفى الرجل. ولمسةُ اليد الباردة على جبيني أيضًا اختفت.
ظننتُ ذلك.
لابد أنه كان حلمًا. أو ربما حتى هذا حلم.
لم يكن لدي طاقة وجفوني كانت ثقيلة.
مرة أخرى، غاص وعيي تحت سطح النوم.
***
كيف أشعر بهذا الانتعاش؟
أُعلن أنَّ بريمن كان طبيبًا عبقريًا.
قفزتُ بجسدي الخفيف. بعد أن كان ثقيلاً ثم أصبح خفيفًا، شعرت أن جسدي أصبح أخف من قبل.
“همم همم…”
“لقد عُدتِ الى حيويّتكِ في يوم واحد فقط.”
مُتّبعةً إيايَ من الخلف، ضحكت فاي بينما كنت أهدئ أنفاسي.
بينما أغير ملابسي وأمسك سيفي، تذكرت فجأة أحداث الليلة الماضية واستدرت.
“فاي.”
“نعم؟”
“هل جاء أحد لرؤيتي الليلة الماضية؟”
“……؟”
“آه، لا بأس. لا شيء.”
رؤيتها تميل رأسها بارتباك وتعبير وكأنها لا تعرف شيئًا، بدا أن أحدًا لم يأت. إذن لمسُ يوهان لجبهتي لم يكن إلا وهمًا…
لمست جبيني بلا مبالاة مرة واحدة.
هل كان حقًا وهمًا؟
ظننت أنه ربما كان كذلك، لكن جزء صغير مني كان يأمل ألا يكون كذلك…
حسنًا.
بتذكر الجو عندما افترقنا آخر مرة في ساحة التدريب، لم يبدو محتملًا أنه قد جاء.
<أتمنى لك حظًا موفقًا. أتطلع لإنجازاتكِ في هزيمة الموتى الأحياء وحماية سلام هذه الأرض.>
<نعم. سأبذل جهدي.>
<جيد. يجب أن أذهب الآن.>
كان هناك شخص في المسافة يلوّح بيديه تجاه يوهان. كما لو أن أمرًا عاجلًا قد ظهر.
كان مشغولًا جدًا، لدرجة أنه أرسل طبيبه الشخصي دون أن يحضُر.
علاوة على ذلك…
الجو البارد والمتصلب الذي بقي في النهاية.
كان مختلفًا تمامًا عن يوهان الذي رأيته في حلمي عند الفجر.
أثناء تفكيري بذلك، توجهتُ إلى الحديقة حيث كنت مقررة للتدريب مع جيسوب.
لم يكن هناك حديث محدد عن ما إذا كان سيكون هناك تدريب اليوم أم لا، لكن بدافع العادة، ذهبت إلى نفس المكان في نفس الوقت.
“…هاه؟”
وأطلقت صوتًا مندهشًا عندما رأيتُ يوهان في الحديقة. استدارَ تجاهي.
“أنتِ هنا.”
هاه.
ما زال الجو بيننَا باردًا.
كما هو متوقع، الرجل الأحمق الذي ابتسم عندما سُمّي “الرجل الفظيع” عند الفجر لا يوجد إلا في أحلامي.
هل تقول إن المزاح انتهى الآن؟
حسنًا. سأذهب الى ساحة المعركة، سأذهب!
بعد أن أدركتُ الواقع مرة أخرى، سألتُه بصراحة.
“أين السير جيسوب؟”
“آه. إنّه قادم من هناك.”
استدرت نحو المكان الذي أشار إليه.
هاه…
ورجفت عيني قليلاً.
بجانب جيسوب، كان يمشي رجلٌ يبعث بهالة قاتلة. شعر أسود كحجر السج وعينان حمراوان كالدم. رغم أنها كانت المرة الأولى لي أراهُ فيها شخصيًا، إلاّ أنَّني تعرفت عليه على الفور.
[…المنطقة التي ظهر فيها الموتى الأحياء بكثرة كانت حول جبال غروديس، والتي يحميها كلود، حامي الشمال…]
التعليقات لهذا الفصل " 20"