خرجتُ إلى ساحة التدريب باكرًا لأُجري تمارين الإحماء.
“واحد-اثنان! واحد-اثنان!”
تمدّد، جلوس ونهوض.
كنتُ أشعر بالتوتر دائمًا في يوم المبارزة الأسبوعية بالسيف الحقيقي مع يوهان.
فهو سيفٌ حقيقي، وهذا مخيف.
بالطبع، لن أستطيع أن أُحدث خدشًا واحدًا في جسد يوهان. وهو أيضًا لن يؤذيني عن طريق الخطأ.
الفارق في المهارة بيننا هائل.
الغرض من هذه المبارزة هو أن أتمكن من التصادم مع سيف حقيقيِّ تصادمًا صحيحًا.
ومع تحسّن ردّات فعلي ورؤيتي الحركية يومًا بعد يوم، كنت قد تمكّنت بالفعل من الاشتباك مع سيفه عدة مرات، ومجرد تقاطع السيوف مع مستخدم قدرة من فئة الأبطال كان عونًا كبيرًا في إيقاظ مهاراتي بالسيف.
“قد يكون الأمر شاقًا، لكن أظنني سأستمتع بالمبارزة.”
كان لديّ هذا الشعور فحسب.
وبدا أنه أحبّ الهدية التي أعطيتُه إياها بالأمس بخجل.
وبشيء من الفخر، نظرتُ إلى الفرسان الذين يتدربون في البعيد. كيف يحتملون هذا التدريب القاسي كل يوم؟
مقارنتهم جعلت تدريبي يبدو كلعب الأطفال.
مع أنه شاقٌ عليّ بما فيه الكفاية.
في تلك اللحظة، رأيتُ يوهان يقترب من بعيد. كان متجهًا نحوي، مرتديًا ملابسه الأنيقة المعتادة.
وبالمناسبة، حين أتدرب معه أرتدي درعًا كاملًا، بينما يأتي هو بملابسه المعتادة. منطقي. ففي النهاية، لن يتصبب عرقًا حتى في مواجهتي.
وأنا أواصل الإحماء، وجّهتُ نظري دون وعي إلى صدره.
<هذا يناسب ذوقي أكثر.>
كانت تلك الكلمات تتردد في ذهني باستمرار.
ظللتُ أفكر فيها حتى غفوتُ البارحة.
“……؟!”
لكن صدره كان خاليًا.
ماذا؟ لماذا لا يرتديه؟
ولم يكن يرتدي أي زينة أخرى أيضًا. صدره، الذي كان يزيّنه عادة باعتدال، كان فارغًا تمامًا.
“خرجتِ باكرًا.”
رمشتُ وأنا أحدّق في يوهان الذي كان قد وصل أمامي بالفعل. كانت أجواؤه… مختلفة قليلًا عن المعتاد.
كيف أصف ذلك؟
بدت باردة قليلًا.
هل فعلتُ شيئًا خاطئًا؟ ظننتُ أننا افترقنا على خيرٍ البارحة…
ربما كان لديه أمر غير سار مع جيسوب. لمحتُ جيسوب من بعيدٍ يتدرب مع الفرسان. بدا طبيعيًا.
“شعرتُ أن جسدي قد يتصلّب بعد يوم إجازة، فجئتُ باكرًا لأُجري الإحماء.”
ابتسمتُ على نحو أكثر إشراقًا.
هيا، خفف حدّتك قليلًا. الأمر مخيف.
لحسن الحظ، بدا أن ابتسامتي كان لها أثر، إذ لان تعبير يوهان قليلًا. حدّق بي لحظة، ثم استلّ سيفه.
“لنبدأ فورًا.”
“نعم!”
“قال جيسوب إنكِ نجحتِ في صدّ سيف.”
“لهذا حصلتُ على إجازة.”
ارتفعت كتفاي بفخر. لكنهما هبطتا سريعًا عند كلماته التالية.
“لنرَ إن كنتِ ستنجحين أمام مارسيوس أيضًا.”
وكأن ذلك ممكن!
كان جيسوب يعلّمني كمعلمٍ جيّد يراعي مستواي، أما هذا الرجل فكان يلوّح بسيفه بلا رحمة.
صحيح أنه من منظور فارس يستخدم التعزيزات قد يكون يخفف عليّ، لكن الأمر كان لا يزال ساحقًا بالنسبة لي.
‘مجرد تقاطع السيوف يجعل ذراعيّ ترتجفان!’
لكن سواء أدرك معاناتي أم لا، أشار إليّ يوهان أن أهاجمه.
هاه…
فلنجرّب.
اتخذتُ وضعية الاستعداد ورفعتُ سيفي. ركّزتُ نظري على الهدف بعينين مفتوحتين على اتساعهما. أنا جاهزة!
ووش! سويش!
شقّ سيفي الهواء.
كان ذلك مشهدًا مألوفًا.
يوهان سريع كالريح، وبالنسبة إليه لا بد أن سيفي بطيء كسلحفاة.
لكن إن ركزتُ على نقطة واحدة، فستأتي لحظة لا يستطيع فيها المراوغة ويضطر إلى صدّ هجومي بسيفه.
أفعلُ كما تعلّمت.
أحافظ على تنفّسي حتى لا يتذبذب السيف. أركّز على خطواتي وحركاتي. تمامًا كما تدربتُ مئات المرات مع جيسوب…!
بانغ!
اصطدم سيفي بسيف يوهان.
وفوق النصلين المتقاطعين، كانت عيناه الزرقاوان تنظران إليّ من أعلى.
“ليس سيئًا. لقد ازدادت قوتكِ.”
رغم أن الاشتباك بدا كما هو في العادة، إلاّ أنه لاحظ التغيّر الطفيف. ومدفوعةً بمديحه، قررتُ أن أشن هجومًا حقيقيًا آخر.
دفعتُ السيف نحو الخصم بينما أتراجع خطوة إلى الخلف.
هوووش!
وبعد أن صنعتُ مسافة بيننا، أدرتُ سيفي مرة فوق رأسي لاستعيد وضعيتي.
حينها حدث ذلك.
انجلت الغيوم وظهرت شمسٌ ذهبيةٌ ساكبةً نورها عليّ. بدأت تدفئني من أعلى رأسي.
للحظة خاطفة، خُيّل إليّ أن حدقتي يوهان اتسعتا.
لوّحتُ بسيفي كما خططت وطعنته مباشرة نحوه.
ثم…
“هاه!”
“آه…”
فشش-
تمزقت ملابس يوهان، الذي تفادى هجومي متأخرًا بنصف نبضة، بشكلٍ طوليّ. تجمدتُ في وضعيتي بعد إنهاء الهجوم، من شدة الصدمة.
تلاقت أعيننا.
“لماذا لم لم تتجنّبها!”
من شدة دهشتي نسيتُ أنه الإمبراطور، وسألته وكأنني أوبخه. أما يوهان فظل يحدق بملابسه الممزقة بشرود.
آه، حقًا!
كيف لبطلٍ ألا يتفادى حتى هذا؟! ألم يقل إنني حتى لو هاجمته وعيناي مفتوحتان على وسعهما فلن أستطيع لمس خيطٍ من ثيابه؟!
“كيف لي أن أهاجم براحة هكذا؟ حقًا لا أستطيع العيش.”
تفقدتُ إن كان يوهان قد أُصيب في أي مكان. كان صدره، أسفل عظمة الترقوة بقليل، ممزقًا بطول ملحوظ. بطول شبر تقريبًا؟
ظهر جلده العاري من خلال قميصه الأبيض. لحسن الحظ، لم يبدُ أن جلده قد انجرح. يبدو أنه تفادى الضربة بفارق شعرة.
“لا أريد أن أترك ندوبًا على جسد جلالتكَ.”
“إن نجحتِ، فاعتبريه شرفًا.”
“هذا ليس مزاحًا.”
“سيرافينا.”
ناداني بصوت منخفض غائر. رفعتُ رأسي عند صوته الذي بدا جادًا على نحوٍ ما.
وحين التقت أعيننا، سقطت قطرة مطر على كتفي.
وسرعان ما انهمر المطر.
“إنها تمطر… لنذهب إلى الداخل أولًا.”
كانت السماء ملبدة منذ الصباح.
ولأننا لم نُحضر مظلات، استدرتُ لأدخل المبنى بسرعة. أما الفرسان الذين يتدربون في البعيد فظلوا يلوّحون بسيوفهم، كأن هذا القدر من المطر لا يعني لهم شيئًا.
أقوياء فعلًا.
على أي حال، أنا مختلفة عنهم.
لا أريد أن أبتل تمامًا.
طَق.
لكن قبل أن أتمكن حتى من أخذ خطوة، أمسك يوهان بساعدي. التفتُّ إليه مجددًا.
سوووش.
كان المطر يشتد.
“ما الأمر؟”
في ذلك السؤال القصير، كان جسدي قد ابتلّ أكثر من النصف بالفعل. وكذلك جسد يوهان.
عادةً، كنتُ سأشدّه وندخل سريعًا. لكنني لم أستطع فعل ذلك الآن. تعبير يوهان كان جادًا.
“…هو …الأخير.”
“عفوًا؟”
حين سألته مجددًا عن تمتمته، تحدث هذه المرة بوضوح أكبر.
“قلتُ، اليوم هو الأخير.”
لم أسأله عمّا يقصده.
فهمتُ غريزيًا.
نطق يوهان بما خطر في ذهني تمامًا.
“لقد تقرر إرسالكِ الى ساحة المعركة.”
“……”
يبدو أن هذا ليس مجرد مطر عابر.
بحلول ذلك الوقت، كنتُ أنا ويوهان مبتلّين من الرأس حتى القدمين.
نظرتُ إليه بعينين تتذبذبان قليلًا. ويوهان نظر إليّ بصمت.
كنتُ أعلم أنني ذاهبة إلى ساحة المعركة، بالطبع.
لكنني شعرتُ بعدم ارتياح.
لماذا أشعر هكذا؟
***
بعد أن انتهت المبارزة الصباحية في ساحة التدريب، عاد يوهان إلى غرفته واغتسلَ أولًا.
كان قد أبلغ سيرافينا بأنها سترحل الأسبوع المقبل. كان ذلك نتيجة نقاشه مع جيسوب الليلة الماضية.
هذا جيد.
بفضل اجتهادها الصادق، بات بإمكانهم إرسالها بقلق أقل من أن تُصاب بسهولة في ساحة المعركة. وقدرة التطهير لديها لا بأس بها.
“لكن لماذا أشعر بكل هذا القلق؟”
كان هناك شيء يزعجه.
شعور لم يستطع تحديده.
هل لأنه قد تُصاب سيرافينا في ساحة المعركة؟ نعم. فالمطهِّرون ثمينون.
وبعد أن حدّد نوعًا ما ماهية مشاعره، توجه يوهان إلى مكتبه دون أن يجفف شعره المبتل، محاولًا التخلص من الإحساس العالق بعدم الارتياح.
وبعد لحظة، جلس إلى مكتبه وبدأ يراجع الوثائق التي تركتها إيونيا واحدة تلو الأخرى.
خشخشة، خشخشة.
كان صوت تقليب الصفحات يتردد في الجو بين حين وآخر.
كم من الوقت مرّ وهو على هذا الحال؟
توقف المطر في وقتٍ ما.
ومن الحديقة، كانت أصوات سيرافينا وجيسوب تصل أحيانًا عبر النافذة، على الأرجح يتدربان في فترة ما بعد الظهر.
في يومٍ آخر، ربما كان سيتجه إلى النافذة لينظر إلى الحديقة ويصفّي ذهنه، لكنه اليوم لم يفعل.
بدلًا من ذلك، ظل جالسًا كتمثال، لا يتحرك من مقعده.
خربشة، خربشة.
استمرت الريشة في الحركة.
أمور الإمبراطورية الكبيرة والصغيرة تُقرَّر وتوضع موضع التنفيذ بأمره. يتعمق الليل، ينتهي الفجر، ويأتي الصباح من جديد.
طرق، طرق.
ترددَ صوتُ طرق مهذب. لا بد أنها إيونيا. وبالفعل، فُتح الباب ودخلت.
“جلالتك؟ هل سهرتَ طوال الليل؟”
رفع يوهان رأسه عند صوتها المتفاجئ.
“آه. كنتُ مركزًا للغاية.”
“أوه. لرؤية كومة الوثائق وقد صغُرت بشكلٍ ملحوظ، هناك أيام كهذه أيضًا.”
هتفت إيونيا بإعجاب، ثم ذكرت فورًا سبب زيارتها.
“وصل خبر بأن حامي الشمال سيصل قريبًا إلى إيلمون، جلالتك.”
“ماذا؟”
قطّب يوهان حاجبيه عند سماع خبر قدوم شخص غير مرغوب فيه، فقد كان متوترًا بما فيه الكفاية بالفعل.
“لماذا هو…”
“جلالتك.”
لكن يوهان لم يستطع إكمال جملته.
اندفع جيسوب إلى الداخل.
“ما الأمر.”
“الآنسة سيرافينا فقدت الوعي.”
“ماذا؟”
نهض يوهان من مقعده بصدمة.
“لماذا؟ ماذا حدث؟ هل تعرضت لحادث؟”
“لا. يبدو أنها أجهدت نفسها في التدريب تحت المطر أمس، والآن لديها حمى…”
توقف جيسوب عن الكلام، يرمش عند رد فعل يوهان المبالغ فيه. كما بدت إيونيا متفاجئة.
عندها فقط أدرك يوهان أن رد فعله لم يكن ملائمًا.
تنحنح.
“أحم. تلعب بجدٍّ ثم تمرض.”
رغم نبرته الجافة، كان ذهنه ممتلئًا بمبارزة الأمس.
الضوء الذي انسكب من بين الغيوم.
سيرافينا وهي تقف هناك وحدها، تلوّح بسيفها، بدت مشرقة للغاية… ككائن سماويّ…
أن يُفتَن بشخصٍ ولو للحظة.
‘لابد أنني أصبتُ بالجنون للحظة..’
لم يسبق له أن نظر إلى موهبةٍ بهذه الطريقة من قبل.
تحدث يوهان بلهجة عملية، وكأنه يدفع المشاعر غير الضرورية بعيدًا.
“أرسلوا طبيبًا ليُساعدها على التعافي سريعًا. تأكدوا من عدم تأخر ارسالها.”
التعليقات لهذا الفصل " 19"