الفصل 18. الذائقة
***
قبل قليل.
ألقى يوهان نظرة فاترة إلى السماء التي تحوّل لونها إلى أزرق داكن، ثم أعاد بصره إلى المستندات.
التدفّق الذي لا ينتهي من العمل كان شيئًا لا بدّ له من القيام به بصفته إمبراطورًا، لكنه كان مملًا.
‘أتُراها لم تعد بعد؟’
سخر بخفّة من الفكرة التي خطرت بباله دون وعي، كأنه يهزأ من نفسه.
“ها. خرجتْ بكل ذلك الحماس، أستعود بهذه السرعة؟”
ما قصة اندفاعها خارجًا فور حصولها على الإجازة؟
شعر بخيبة غامضة.
لكنه لم يدرك حتى أن هذا الشعور هو خيبة، واكتفى بمحاولة تجاهله ومتابعة عمله.
خَشْخَشَة، خَشْخَشَة.
تردّد صوت احتكاك ريشة الكتابة بالورق بهدوء. كان صوتًا يحبه يوهان ويكرهه في آنٍ واحد.
سماع هذا الصوت كان يساعده على التركيز، لذا كان مفيدًا في التعامل مع هذا العمل الذي لا ينتهي.
لكن بروز صوت الريشة وحده في الهواء الساكن كان يجعل حواسه متيقظة بحدّة.
وعندها، كانت لحظات القتال العنيف في ساحة المعركة تعود إلى ذهنه بوضوح، كما لو يُعاد تمثيلها بجانبه مباشرة.
صرخات الموتى الأحياء المروّعة. الفرسان المحتضرون. صراعات يائسة…
‘يا له من إزعاج.’
كان عليه أن يقود الإمبراطورية جيدًا، ولو فقط من أجل أن لا يعود إلى تلك الأيام.
ومن المفارقات أن تلك الذكريات الفظيعة التي تطفو إلى السطح كانت تجعله أكثر تركيزًا، وتمنحه سببًا لِمَ يجب أن يركّز.
في تلك اللحظة، استشعر حضورًا خلف الباب.
أوقف يوهان ريشته ورفع رأسه.
بالنسبة لشخص بقدراته، كان استشعار مثل هذا الحضور أمرًا طبيعيًا كالتنفس. أما فرسان الحراسة في الخارج، فكأنهم وُضعوا للزينة فحسب.
على الأقل، لم يكن جيسوب.
ذاك الرجل لديه عادة التحرك مع إخفاء حضوره إلى حدّ ما، فلن يأتي بهذه الوضوح.
‘أيمكن أن تكون…’
لمع توقّع في عيني يوهان الزرقاوين.
عندما نظر عبر النافذة، كان الظلام قد حلّ بالفعل. لقد حان وقت عودة سيرافينا تقريبًا. بل إن حضورًا كهذا بدا شبيهًا بحضورها.
ها.
‘خرجت دون وداعٍ حتّى، والآن تذكّرتني أخيرًا؟’
سخر يوهان كأنه منزعج، لكن زاويتي فمه كانتا ترتجفان.
لكن لماذا لا تدخل؟
هل تتعمد اثارة قلقه؟
حاول أن ينتظر بصبر. لا، هذا ما كان ينوي فعله.
لكن يوهان لم يصبر طويلًا ونهض. أشخاصٌ مثل جيسوب، الذين لا ينتظرهم أبدًا، يدخلون دون حتى طرق الباب، أما هذه المرأة فجاءت إلى هنا وتماطل فحسب.
بانغ!
فتح الباب بلمسة مستعجلة.
‘هل كانت على وشك المغادرة؟’
وضعيتها التي توحي بأنها استدارت للتوّ تشير إلى ذلك.
فكّر يوهان فيما كان سيحدث لو لم يخرج في تلك اللحظة المناسبة.
ماذا كان سيحدث…
كان يمكنه رؤيتها غدًا فحسب، لكن لسببٍ ما، بدت رؤيتها الآن مهمة بالنسبة له.
وفي نواحٍ كثيرة، كان من الجيد أنه رآها الآن.
انخفضت نظراته ببطء ثم ارتفعت مجددًا. لماذا تزيّنت هكذا لتأتي؟ ألتلفت انتباهي؟
ذاب الاستعجال الذي شعر به بسبب تماطلها كما يذوب الثلج.
خفض يوهان قسرًا زاويتي فمه اللتين حاولتا الارتفاع دون إرادة، وسأل بنبرته المعتادة.
“ما الذي تفعلينه، ألن تدخُلي؟”
“…كيف عرفتَ أنني هنا؟”
“مارسيوس ليس عديم الإحساس إلى درجة ألا يلاحظ حضورًا واضحًا كهذا.”
“آه، فهمت.”
أشار بذقنه إلى الداخل، موحيًا لها بالدخول.
وتبعتُه سيرافينا من الخلف بطاعة إلى المكتب.
وسرعان ما جلس الاثنان على أريكة موضوعة في أحد الجوانب. أخذت سيرافينا تدير عينيها في المكان بانبهار، مفتونةً بمنظر المكتب الذي تراه للمرة الأولى.
هذا المكان، الذي وُصف في الروايات بأنه ‘فاخر وواسع’، كان من غير الممكن اختزاله بهاتين الصفتين فقط عند رؤيته على الواقع.
هل تتشابه الأماكن مع أصحابها؟
هواء ثقيل وعميق ينساب في الأرجاء.
كانت تظنه مجرد إمبراطورٍ يحب مضايقة الناس أثناء التدريب، لكن كومة الوثائق على المكتب وآثار العمل المتواصل طوال اليوم جعلتها تشعر بعدم الارتياح.
إنه بالتأكيد ليس مجرد بطل.
إنه شخص استثنائي.
وقد جلبت شيئًا تافهًا أكثر من اللازم لشخص كهذا.
دفعت سيرافينا الهدية التي كانت تخفيها خلف ظهرها إلى الخلف أكثر.
ولم يفُت يوهان ذلك.
“ما هذا؟”
“لا شيء.”
“ليس لا شيء. يبدو أنكِ أحضرتِ شيئًا لتعطيني إياه.”
“قلتُ إنه لا شيء.”
“دعيني أراه.”
مدّ يوهان ذراعه. تراجعت سيرافينا كما لو أنه فعلًا لا شيء، لكنها لم تستطع مجاراة سرعة يوهان.
بعد أن انتزعَ العلبة بسرعة، ارتسمت على وجهه تعابير غريبة.
“حسنًا، إنه حقًا ليس شيئًا مميزًا. بالكاد نجحتُ في اختبار المطهِّرة، لكنكَ تبذل جهدًا خاصًا لتدريبي، لذا كعربون امتنان…”
فكّ يوهان الغلاف بصمت. ثم فتح العلبة.
شعرت سيرافينا بتوتر غريب. اتجهت عيناها تلقائيًا إلى الزينة المثبتة على صدر يوهان.
جواهر باهظة تظهر قيمتها من النظرة الأولى، وحِرَفية دقيقة تناسبها. بالتأكيد، من بمكانة إمبراطور ينبغي أن يرتدي مثل تلك الأشياء.
‘لم يكن ينبغي أن أعطيه إياها.’
رغم أنَّه اُنتزع منها، إلا أنها هي من جاءت إلى هنا حاملةً البروش بقدميها.
راقبت سيرافينا وجه يوهان بحذر.
ألا يعجبه إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا يُظهرُ أيّ ردة فعل؟
رؤيته يحدّق في الدبوس بلا تعبير جعلها تقلق. وانهالت الأعذار منها دون وعي.
“كانت تلك أول مرة أدخل فيها متجر مجوهرات، فلم أعرف ماذا أختار. لم أشترِ شيئًا باهظًا من قبل، لذا لا أعرف كيف أنفق المال…”
في تلك اللحظة، أخرج يوهان البروش من العلبة. ثم نزع ذلك الفاخر المثبت على صدره، وثبّت الذي أهدته إياه.
“ذائقتُكِ لا بأس بها.”
“أتسخرُ منّي؟ حتى طفل سيقول إن ما كان يرتديه جلالتك قبل قليل أفضل بمليون مرة.”
“حسنًا. هذا يناسب ذوقي أكثر.”
قال ذلك وهو يبتسم بشكلٍ ساحر.
شردَت سيرافينا للحظة.
ما هذا؟
فجأة، بدا أن قلبها ينبض أسرع قليلًا.
“كان من الجيد أن أعطيكِ إجازة.”
“السير جيسوب هو من منحني إياها، كما تعلم.”
“على أي حال.”
لوّح يوهان بالأمر كأنه سيّان، ثم نظر إلى سيرافينا مجددًا. انزلقت نظرته دون وعي إلى الأسفل ثم عادت إلى الأعلى.
لم يستطع التحكم جيدًا في عينيه.
لماذا جاءت مرتدية شيئًا لا ترتديه عادة؟
“هل كنتِ دائمًا تستمتعين بارتداء الفساتين؟”
وكأنني سأفعل؟
كيف لعاميةٍ أن تستمتع بالفساتين؟
كادت سيرافينا أن ترد، لكنها صمتت.
لأن فاي وضعت تنورة داخلية أسفل الفستان، فقد بدا منتفخًا كفستان رسمي كامل.
بل إن فاي زيّنتها بحماس بإكسسوارات من مكان ما، فأصبحت ترتدي ما لا يبدو غريبًا في حفلة شاي للنبلاء.
حكّت سيرافينا مؤخرة رأسها بحرج.
“اشتريته باندافعٍ للحظة. أردت أن أرتديه مرة واحدة على الأقل في حياتي…”
“همم.”
“آه، الأمر محرج جدًا. لم أكن أنوي ارتداءه خارجًا أصلًا، لكن بسبب فاي… على أي حال، سأرتديه في غرفتي فقط من الآن فصاعدًا.”
“ولماذا ترتدين شيئًا جميلًا كهذا في غرفتكِ فقط؟”
ردّ يوهان كأنه لا يفهم.
“لأنه محرج.”
“ليس كذلك إطلاقًا.”
“أنا من يشعر بالحرج.”
قالت ذلك وهي تضرب صدرها بحزم، كأنها حسمت أمرها.
شعر يوهان بقلق ما لسبب غير واضح.
لا.
هل يعقل أن تتزيّن بهذا الجمال ثم تنظر إليه وحدها فقط؟ وتقول إنه محرج؟
“لهذا السبب التافه؟”
“تافه؟”
“إذن هل ينبغي أن آتي أنا شخصيًا إلى غرفتكِ؟”
“ماذا؟!”
ظنت سيرافينا أنها أخطأت السمع.
لماذا قد تأتي إلى غرفتي؟
“هاهاها. لا داعي لكلّ هذا الذعر. مارسيوس يهتم طبيعيًا بالأشخاص الموهوبين.”
“……”
بدا وصف الأمر على أنه اهتمام بالمواهب في غير محلّه قليلًا، لكنها كانت مرتبكة أكثر من أن تفكر في ذلك.
“جلالتك! أفترضُ أنكَ قد أتممتَ عملك!”
في تلك اللحظة، اندفع أحدهم عبر الباب. كان جيسوب.
أدار يوهان رأسه بوجه منزعج قليلًا. كان بالكاد بدأ يستمتع بحديثه مع سيرافينا، وجاء هذا الرجل في توقيت سيئ.
“أوه؟ آنسة سيرافينا، ما زلتِ هنا.”
“كنتُ على وشك المغادرة. تفضلا بالحديث بينكما.”
نهضت سيرافينا من مقعدها.
تبعت عينا يوهان حركتها وهي تقف.
على وشك المغادرة؟ ألم نكن في مُنتصف الحديث!
كتم ما أراد قوله وحدّق في جيسوب. أما عديم الاحساس ذاك، فكان يودّع سيرافينا.
وبعد أن غادرت.
نظر يوهان إلى جيسوب الذي اقترب منه بامتعاض. جلس جيسوب في المكان الذي كانت تجلس فيه سيرافينا لتوّها، وكمن جاء لأمر مهم، دخل في صلب الموضوع.
“جلالتُك، بشأن تعيين الآنسة سيرافينا…”
كان هذا سبب قدومه بسُرعة.
لكن جيسوب لم يتمكن من المتابعة فورًا، بل رمش بعينيه. فقد لاحظ شيئًا.
“ذلك البروش…”
“آه، هذا.”
ارتفعت زاويتا فم يوهان، بعد أن كان متجهمًا حتى الآن.
“ما رأيك؟ يناسبني جيدًا، أليس كذلك؟ أتساءل أين وجدت شيئًا يطابق ذوقي بهذا الكمال.”
عندما رآه يتحدث بنبرة فخر واضحة، فتح جيسوب فمه بلا مبالاة.
“تلقيتُ واحدًا مثله، كما تعلم.”
قال ذلك وأخرج بروشًا من الجيب الداخلي لسترته. كان بتصميم مختلف، لكنه يوحي بأنه اشتُريَ من المكان ذاته.
تجمّد وجه يوهان.
التعليقات لهذا الفصل " 18"