في الأصل، يُفترض أن يذهب المرء للتسوّق بعد أن يملأ معدته قليلًا.
كان ذلك مبدئي كيون جيا لتفادي الشراء الاندفاعي، ولتقليل الرغبات قدر الإمكان.
حسنًا إذًا.
لنبدأ التسوّق بجدية الآن.
كان هدفي اليوم أن أنفق كل الـ500 شلن التي سحبتها من البنك أمس. كنت قد أنفقت أكثر من النصف بالفعل، لكنني عقدت العزم على صرفها كلها.
أردت أن أتباهى مرة واحدة هكذا!
توجهتُ إلى متجر المجوهرات ومعي مارك. عند المدخل، تردد قليلًا، وعيناه تتأرجحان.
“يبدو المكان غاليًا جدًا… هل أنتِ متأكدة أن الأمر لا بأس به؟”
“إن كان غاليًا جدًا، سنلقي نظرة فقط ونغادر.”
“آه… فهمت.”
حكّ رأسه متقبلًا كلامي المقنع.
“ليس لدينا وقت نضيّعه. عليّ أن أعود إلى القصر الإمبراطوري قريبًا.”
“لنذهب إذًا.”
فتح مارك الباب بحماس.
رنّ الجرس المثبّت عليه بصوت صافٍ.
“أهلًا وسهلًا.”
مسحنا البائع بنظره بسرعة ثم سأل.
“هل تبحثان عن شيء محدد؟”
“بروش لرجل.”
لمع في عينيه ارتباك واضح. الرجال الذين يرتدون بروشات غالبًا ما يكونون من النبلاء أو الأثرياء. وبمظهرنا العادي، لم يكن يتوقع ذلك إطلاقًا.
ربما ظن أننا سنشتري إكسسوارات رخيصة على الأكثر.
“لِمَ ذلك؟”
سأل مارك بجانبي، إذ بدا أنه لم يتوقع أن لديّ شيئًا محددًا في ذهني.
في الحقيقة، لم أخطط لذلك أيضًا.
عندما دخلنا، كنت أنوي فقط التفرّج وربما شراء شيء يعجبني لنفسي، لكن…
‘هل هذا شراء اندفاعي؟’
قد يُعتبر كذلك.
هو يطعمني، ويوفّر لي المأوى، ويدفع لي أجرًا، ورغم أنه لا يستغل قدرتي على التطهير، إلا أنه يستثمر وقته وموارده في تدريبي كمطهِّرة…
أليس هذا سببًا كافيًا للتعبير عن الامتنان؟
“إنه هدية.”
استطعتُ قراءة ما يفكر فيه البائع من وجهه وحده.
بدا كأنه ينسج قصة في ذهنه: ربما نحن متواضعا المظهر لكن لنا صلات بأحد النبلاء أو الأثرياء.
“هل تفضلين أسلوبًا معينًا؟”
“رخيصًا.”
“عفوًا؟ نعم… من هذا الطريق…”
قطعتُ الاحتمالات من البداية.
سمعتُ خيبة أمله، لكنني تجاهلتها بخفة.
أنا ممتنة ليوهان، لكن ليس لدرجة أن أنفق الكثير. أنا أيضًا أعاني من التدريب، ثم إن يوهان يثير أعصابي أحيانًا.
تبعتُ البائع إلى زاوية.
من اللافتة إلى الديكور الداخلي، كل شيء يشع فخامة، لذا حتى “الرخيص” هنا لن يكون رخيصًا فعلًا.
“هذا البروش، المرصّع بحبات صغيرة من الياقوت الأزرق، يمنح إحساسًا باردًا. وهو أنيق باعتدال، مناسب للمناسبات الخاصة، وكثيرون يفضلونه.”
“بِكم؟”
“5,700 شلن.”
“…أرخص. أرخص بكثير.”
ربت مارك على كتفي مواسيًا.
لماذا هو غالٍ إلى هذا الحد؟
هل أستطيع حقًا شراء هدية مناسبة هنا؟
عندما رأى اضطراب عينيّ، أومأ البائع متفهمًا. يبدو أنه أدرك أن مفهوم “الرخيص” يختلف من شخص لآخر، فمنحنا عروضًا أخرى.
لحسن الحظ، عرضَ هذه المرة مجموعة بأسعار معقولة فعلًا.
لو اقترحتَ هذه من البداية لما كدتُ أصاب بالصدمة!
لم أنفق في حياتي 5,700 شلن دفعة واحدة.
حتى تجاوز 100 شلن كان يجعل قلبي يخفق، كأنني أبذّر ببذخ شديد.
على أي حال، أدرتُ عينيّ نحو الخيارات العديدة المعروضة أمامي. كانت الأحجار الكريمة أصغر بالتأكيد، لكن ما يزال هناك الكثير من التصاميم الأنيقة والجميلة.
“هذا يبدو جميلًا أيضًا.”
“لكن، ليست لديّ مناسبة أرتدي فيها بروشًا.”
“ماذا؟”
أملتُ رأسي عند كلمات مارك وهو ينظر إلى جانبي.
أنا لا أشتريه لكَ بالمناسبة؟
وعندما قرأ ما في عينيّ، ارتبك مارك وانفجر ضاحكًا بصوت عالٍ. ذاك الرجل، حتى أذناه احمرّتا.
“أيُّ مرتزقٍ مجنون سيرتدي بروشًا إلى ساحة المعركة! هاهاها! أعني أنني كنتُ فضوليًا بشأن صديقكِ الآخر! هاهاها!”
يا له من رجلٍ لطيف.
“مارك، أنت تحب اللّحم. الطعام الذي تناولناه سابقًا كان هديتك.”
“أوه، أهذا ما في الأمر؟”
ابتسمتُ له برفق وهو يبدو محرجًا.
“وهو ليس صديقًا.”
“إذًا من يكون؟”
“شخص ما. شخص مزعج، لكنني لا أستطيع كرهه.”
أدرتُ رأسي مجددًا نحو صندوق العرض.
أصبحت عيناي أكثر تدقيقًا وأنا أختار الهدية.
وسرعان ما أشرتُ بإصبعي إلى أحد البروشات.
“من فضلك غلّف هذا بشكلٍ جميل.”
***
انتهت الإجازة التي بدت كالحلم.
بصراحة، يومان وليلةٌ واحدة مدة قصيرة جدًا.
خرجتُ بالأمس وعدتُ اليوم.
استمتعتُ بالتأكيد، لكن بدا الأمر وكأن الإجازة انتهت في 1.2 ثانية، لا في ليلة ويومين.
آه.
على أي حال، كان جسدي قد عاد بالفعل داخل أسوار القصر الإمبراطوري.
وكان المساء قد حلّ.
عندما دخلتُ الغرفة، استقبلتني فاي بحرارة.
“آنسة سيرافينا، هل استمتعتِ بإجازتكِ؟”
“نعم، فاي. مرّ الوقت بسرعة.”
“اشتريتِ الكثير من الأشياء. دعيني آخذها. سأرتّبها.”
أخذت فاي عددًا من أكياس التسوّق من يديّ. باستثناء واحد، بالطبع.
“آه. لا حاجة لترتيب هذا.”
سأضطر لإعطائه لهُ بنفسي لاحقًا.
نظرتُ بمودّة إلى العلبة المغلّفة بفخامة ووضعتها جانبًا على الطاولة. وأخرجت فاي محتويات بقية الأكياس واحدًا تلو الآخر.
“اشتريتِ الكثير من الملابس الجميلة. هل تجربين أسلوبًا جديدًا؟”
“آه، نعم. أردتُ أن أجرّبها.”
حككتُ رقبتي بشيء من الحرج.
هل يبدو الأمر غريبًا؟ ألا يليق بي؟
لم أستطع منع نفسي من مراقبة ردّة فعل فاي.
عادةً ما كنت أرتدي ملابس باهتة بلا لون مميز. وكنت أرتدي السراويل غالبًا لسهولة الحركة.
في الواقع، عندما فتحتُ الخزانة، لم يكن فيها سوى سراويل.
أتفهّم ذلك.
فالعيش أحيانًا كمعالجة مرتزقة يجعل السراويل مريحة، أليس كذلك؟
لكن بصفتي يون جيا، كان زيّي المدرسي تنورة، وكنت أرتدي الفساتين كثيرًا في حياتي اليومية. بالطبع، ليس بهذا الأسلوب المنسدل، بل فساتين بسيطة.
“همم.”
“لماذا تُصدرين صوتًا قلقًا هكذا؟”
لسببٍ ما، بدت عينا فاي تلمعان.
“بصراحة، عندما عُيّنتُ خادمةً للآنسة سيرافينا، ظننتُ أنني سأضطر للتخلي عن هذه المتعة.”
رفعت فستانًا خفيفًا متمايلًا وهتفت.
“سأجعلكِ تبدين جميلة!”
“……؟!”
ألهذا كنتِ تبدين جادّة إلى هذا الحد؟
قبل أن أستوعب صدمتي، بدأت فاي تخلع عني ملابسي.
“انتظري، فاي! لن أرتدي هذا الآن. سأخرج لاحقًا!”
كنت أنوي زيارة يوهان، فكيف أذهب وأنا أرتدي هذا؟
لكن فاي ردّت وكأن الأمر أفضل هكذا.
“رائع أن لديكِ مكانًا تذهبين إليه وأنتِ متأنقة!”
“لا، اشتريتُ هذا لأرتديه في غرفتي فقط!”
“أتقولين إن هذا لباس نوم؟!”
“لم أقل إنه لباس نوم…”
“لا يمكنني تقبّل هذا إطلاقًا! اشتريتِ أشياء جميلة كهذه لتلبسيها في غرفتكِ فقط؟ أليست فائدة شراء الأشياء الجميلة هي التباهي بها؟!”
هناك متعة الاكتفاء الذاتي أيضًا!
لكن بغضّ النظر عن إرادتي، كانت فاي قد جرّدتني تمامًا ووضعت التنورة الداخلية فوق رأسي.
لماذا يداها سريعتان هكذا!
وهكذا تحطّمت خطتي لتجربته بهدوء وحدي تحطّمًا مدوّيًا.
وبعد لحظات، كنت أمام طاولة الزينة، بشعرٍ مصفّف وزينة مكتملة.
***
واو.
المكياج حقًا خدعة.
والملابس حقًا أجنحة.
وأنا أفكّر بذلك، سرتُ في الممر.
بصراحة، شعرت أنني متأنّقة أكثر من اللازم وفكّرت ألّا أرى يوهان اليوم. لكن بينما كنت مترددة في مغادرة الغرفة، صادفتُ جيسوب الذي جاء يبحث عني في التوقيت المثالي، فقررتُ الذهاب.
كيف أقول ذلك؟
حيّيتُ جيسوب لأخبره أنني عدت، فشعرت أنه من المحرج ألّا أفعل الشيء نفسه مع يوهان.
كما أن فاي دفعتني للذهاب.
‘لكن لماذا جاء السير جيسوب؟’
ظننت أن لديه أمرًا ما، لكنه سأل فقط إن كنتُ قد استمتعتُ بإجازتي ثم غادر. بدا وكأن لديه ما يريد قوله، إذ ارتعشت شفتاه قليلًا.
‘حسنًا، إن كان الأمر مهمًا فسيتولى هو معالجته.’
واعتقادًا مني أنه ليس بالأمر الكبير، تابعتُ طريقي.
الخادمات اللواتي صادفتهن في الممر رحّبن بي.
“آنسة سيرافينا، لقد عدتِ.”
“كيف كانت إجازتكِ؟”
“لم نركِ إلا بملابس التدريب وملابس النوم، لكنَّ هذا الثوبَ يمنَحكِ رونقًا متألقًا ويليق بكِ!”
لم أشتر هذا للنوم كما تعلمون.
إنها ملابس يومية للخروج.
كدتُ أردّ، لكنني تراجعت.
لنفكّر بإيجابية. شعرتُ ببعض الحرج لكوني متأنّقة جدًا، لكن مع كلِّ خادمة تمدحني، ازدادت ثقتي.
لكن عندما وصلتُ فعليًا إلى مكتب الإمبراطور، لم أستطع الدخول فورًا وترددت أمام الباب.
آه.
ظننتُ أنني جمعت كل شجاعتي، لكن الآن وأنا على وشك لقائه، أشعر بالحرج.
أحد فرسان الحراسة الواقفين أمام الباب حرّك شفتيه بصمت.
“هل أُعلن عن قدومكِ؟”
لا، لا.
هززتُ رأسي ورسمتُ علامة X بذراعيّ.
فجأة، شعرتُ وكأنني أستعيد رشدي ببطء.
حسنًا، إن سألني لماذا أرتدي هكذا، يمكنني أن أقول إنه من أجل الاكتفاء الذاتي. لكن الهدية في يدي…
رغم أنها مخفية بتغليف فاخر، بدا البروش داخل العلبة غير مناسب إطلاقًا لإمبراطور.
كان ثروةً بمعاييري، لكنه بالتأكيد رخيصٌ بمعايير يوهان.
رفعتُ رأسي ببطء. لسببٍ ما، شعرتُ بأن الفخامة التي تملأ كل زاوية من القصر الإمبراطوري تطغى عليّ. شعرتُ بضآلة نفسي وأنا أحمل هدية كهذه.
‘لا حاجة لإعلان قدومي. سأغادر فقط.’
عبّرتُ عن قصدي لفارس الحراسة بحركات شفتيّ وإشاراتي، ثم استدرتُ بجسدي.
وفي تلك اللحظة تمامًا، انفتح باب المكتب.
التفتُّ بدهشة.
كان يوهان وهو ينظرُ إلي بوجه يسألُ لماذا لم أدخل بعد.
التعليقات لهذا الفصل " 17"