تردّد صوت تقليب الأوراق في مكتب الإمبراطور الهادئ.
كانت الوثائق مكدّسة كجبالٍ حول يوهان. ورغم عبء العمل الذي لا بد أنه هائل، راح يراجع ويعالج القضايا الصغيرة والكبيرة التي تقع في أنحاء الإمبراطورية واحدةً تلو الأخرى بصمت.
كم من الوقت ظلّ مركّزًا هكذا؟
أبعد يوهان عينيه عن الأوراق للحظة، ثم اتكأ بعمق على ظهر كرسيه.
وبتعبٍ، ضغط جفنيه بقوةٍ بيدٍ واحدة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة فجأة. تذكّر سيرافينا وهي تركض وعيناها مغمضتان بإحكام.
“حقًا. لطيفة جدًا.”
تمتم بكلماتٍ لو سمعها أحد لظنّه مجنونًا، ثم رفع جفنيه ببطء.
كان وجهه نابضًا بالحيوية على نحوٍ يصعب معه تصديق أنه الشخص ذاته الذي بدا متعبًا قبل لحظات.
“حان وقت الغداء.”
بعد أن تفقد الوقت، أدار نظره نحو النافذة مفكرًا.
الآن وقت اشتداد التدريب.
لكنَّ عليها أن تأكل.
‘ربما أسألها عن تقدّم التدريب كمراعاةٍ ونحن نتناول الطعام معًا.’
“وأنا أيضًا أحتاج إلى استراحة قصيرة…”
“جلالتك.”
“……؟”
قطّب يوهان حاجبيه قليلًا عند الصوت الذي جاء من خارج الباب.
صوت جيسوب؟ أليس من المفترض أنّه يدرّبُ سيرافينا الآن؟
نهض يوهان لا إراديًا. وبدل أن يأمره بالدخول، اتجه نحو النافذة.
كانت فارغة. لا أحد في الحديقة.
نقرة.
“ما الأمر؟”
سأله فورَ فتحَ الباب ليدخُل. أجابه جيسوب بصوتٍ مشوش.
“ماذا تعني بما الأمر؟”
“سيرافينا. إلى أين ذهبت؟”
“آه. كنتُ في طريقي لأرفع تقريرًا عن ذلك.”
تقرير؟
بدا الإستغراب جليًّا على وجه يوهان.
“لقد تمكّنت من الحركات التي كانت تتدرّب عليها بإتقانٍ ممتاز، فكافأتها بإنهاء التدريب مبكرًا اليوم.”
“ومن الذي قرر ذلك؟”
“عفوًا؟”
ردّ جيسوب في عدم تصديق.
فهو ليس مجرد تابعٍ ليوهان، بل قائدٌ مسؤول عن تدريب العديد من الفرسان، وقد اعتاد أن يمارس هذا القدر من الصلاحية في منح الإجازات.
“الإجازة… غير مسموح بها؟”
خرج صوتٌ مرتبكٌ من فمه. سرعان ما ضيّق جيسوب عينيه، وقد بدأ يشعر بشيءٍ مريب، وراح يجادل.
“ألا ينبغي أن تكون هناك مكافأةٌ حين يحقق الفارس نتائج جيدة؟”
“سيرافينا ليست فارسة. بل مطهِّرة.”
“أليست تتلقى حاليًا تدريبَ فرسانٍ لتعلّم أساسيات الدفاع عن النفس؟ هذا كله لأن جلالتكً أصررتَ بشدة…”
توقّف جيسوب في منتصف الجملة. وهو يتكلم، شعر أن ثمة أمرًا غير منطقي.
“جلالتك.”
“ماذا.”
“لنرسلها إلى ساحة المعركة فورًا.”
“… لا تبدو مستعدة بعد.”
ضيّق جيسوب عينيه وهو يراقب يوهان يتكلم وكأنه يماطل.
في البداية كاد يُخدع—بل لعلّه كان مخدوعًا تمامًا حتى الآن—لكن التفكير في الأمر جعل التدريب كله يبدو بلا معنى.
لتجنّب خسارة المطهِّرة التي ظهرت بعد سنوات؟ لمنحها حدًا أدنى من الاستعداد؟
قد يكون خدع الإمبراطورية بأكملها، لكن لا ينبغي أن يخدع نفسه.
“لا يوجد تدريب أفضل من القتال الفعلي.”
“وماذا لو ماتت؟”
“هذا ليس من شيمكَ، يا جلالة الإمبراطور. أنت الذي شيّدتَ بسالةَ فرسان الإمبراطورية الحاليين عبر المعارك والخبرات الحقيقية.”
“في ذلك الوقت… حسنًا، مع ظهور الأموات الأحياء فجأة، لم يكن هناك وقت للتدريب.”
ذريعة أخرى تبدو معقولة.
لكن جيسوب لم يُفوّت لحظة الارتباك العابرة على وجه يوهان.
ضغط عليه، كمن يدقّ إسفينًا.
“يمكننا تعيين فارسٍ موثوق يرافقها.”
“……”
تحرّكت شفتا يوهان بقلق، عاجزًا عن الرد. بدا مرتبكًا من كيف أصبح هذا الرجل فجأةً فصيحًا إلى هذا الحد.
“كان الأمر مريبًا منذ البداية. أمرتنا أن ندرّبها حيث يمكنكَ رؤيتها.”
“ذلك…”
“قلتُ إنني سأمنحها إجازة حتى الغد، لذا سأتركها تستمتع بوقتها حتى ذلك الحين.”
“ماذا؟ غدًا؟”
إذًا لن يكون هناك أحد في الحديقة حتى الغد؟
قطّب يوهان حاجبيه، وابتلع بالكاد الكلمات التي كادت تنفجر من فمه. لقد أمضى الشهر الماضي يستمتع، بين الحين والآخر، بإلقاء نظرة خاطفة على الحديقة أثناء عمله….
تشاك-
“جلالتك، لقد رتّبتُ الوثائق العاجلة التي ينبغي عليكَ مراجعتها اليوم.”
في تلك اللحظة، ظهرت إيونيا على حين غُرّة، تحمل رزمة من الوثائق. أدار الرجلان رأسيهما في آنٍ واحد.
“ما هذا؟ إن كنتما في خضمّ نقاش جاد، فهل أنسحب؟”
ورغم إحساسها بالأجواء الغريبة، شقّت إيونيا طريقها بجرأة بينهما، ووضعت الرزمة على مكتب يوهان بوقعٍ مسموع. ثم استدارت لتواجههما.
بوجهٍ يسأل “أرحل فورًا؟” مالت برأسها قليلًا نحو يوهان. غير أن الكلمات التي خرجت من فمها اختلفت عن تعبيرها.
“هذه تقارير عن ظهور الأموات الأحياء في مناطق مختلفة من الإمبراطورية. على جلالتِك مراجعتها اليوم وتحديد القوات الإضافية التي ستُرسل إلى كل منطقة. ومع ذلك، يُرجى إعطاء الأولوية للمناطق التي لا يوجد فيها مطهِّرون نشطون.”
بعد أن أنهت حديثها، نظرت إلى يوهان بنظرةٍ تنتظرُ أيّة أسئلة.
لكن الذي تكلّم كان جيسوب.
“أليس جليًّا؟ كم المطهِّرون مهمّون.”
“أهمم.”
راقبت إيونيا يوهان وهو يتجنب الموضوع، ففهمت الأمر بسرعة وأضاءت عيناها.
“تتحدثان عن الآنسة سيرافينا. هل هيَ مُهيّأةٌ أخيرًا للتوجه لساحة المعركة؟”
“مُهيّأة؟”
أبدى يوهان انزعاجًا، وكأنّه يقول: عمّ تتحدثين الآن؟ لم يرق له أن يبدو مرؤوسوه وكأنهم يفهمونه أكثر مما يفهم نفسه.
أضافت إيونيا بلامبالاة.
“بما أنه مضى وقت طويل منذ ظهور مطهِّر، فقد دلّلتها كأنها كنز، فسايرنا مزاجكَ لبعض الوقت. لكن يبدو أنكَ أخيرًا مستعدٌّ لتركها تذهب.”
“أي هراء هذا يا إيونيا؟ كنتُ أحاول فقط تنمية مطهِّر سيكون نافعًا لأمن الإمبراطورية.”
“نعم، نعم. إذًا، هل ستُرسلها؟”
كانا كوحيدَي قرنٍ يندفعان نحو مسألة إرسال سيرافينا.
تمتم يوهان بصوتٍ نصف مُستسلم.
“يا لقلوبكم القاسية. إنها خائفة لدرجة أنها لا تستطيع حتى فتح عينيها…”
“الآن تحدّق فيك وهي تلوّح بسيفها دون مشكلة. وبالطبع تفعل الشيء نفسه معي.”
“……”
لم يجد يوهان ما يردّ به على تعليق جيسوب اللاذع.
آه…
ربما الصواب أن يرسلها.
لكن لماذا يشعر بهذا القدر من الانزعاج والقلق؟
لا سبب يدعو إلى كل هذا التردد…
“وماذا عن سيرافينا؟ حتّى رغم تردّدها على منزلها، أليست غير قادرة على تناول طعامٍ غير طعام القصر الإمبراطوري؟”
لقد أحدثت ضجّة كبيرة حول مدى لذّة طعام القصر.
ردّ جيسوب على يوهان، الذي بدا وكأنه يتشبث بندمٍ خفي.
“لقد خرجت راكضة بحماس في وقتٍ سابق.”
***
“ممم، ها… لذيذ جدًا!”
ملأت حيوية الشوارع الصاخبة رئتيّ.
وأنا أتذوّق شعور الهروب من السجن الفاخر المسمّى القصر الإمبراطوري، صرخت في داخلي فرحًا بالحرية الممنوحة لي حتى الغد.
“ماذا أفعل أولًا؟”
لكنني شعرت أيضًا ببعض الذهول من هذه الحرية المفاجئة.
طوال الشهر الماضي، اعتدتُ جدولًا محكمًا من التدريب من الصباح حتى المساء، لذا بدا الوقت الحر الذي مُنح لي فجأة غريبًا.
حرّكت عينيّ قليلًا، ثم حددت وجهتي.
“سأذهب إلى المصرف أولًا.”
مهما قالوا، اليوم هو أول يوم أتقاضى فيه راتبي.
كان عليّ الذهاب إلى المصرف.
تجوّلت في الشوارع، أقبض على دفتر الحساب الذي استلمته سابقًا من موظف المالية.
هيهي.
‘أتراني سأجدُ في حسابي 100,000 شلن…؟’
هذا عالم مختلف تمامًا، لذا قد لا تكون المقارنة ذات معنى، لكن لو حوّلته تقريبًا، فسيعادل نحو 100 مليون وون في كوريا.
حين كنت ألهث يوميًا ككلب حاملةً أكياس رمل، ظننت أنني لن أتحمل. لكن التفكير في تفقد أول راتب جعل الأمر يبدو ممكنًا.
“ما الخدمة التي تحتاجينها اليوم؟”
حيّاني موظف عند دخولي المصرف.
“أودّ الاطلاع على رصيدي و… إجراء سحب أيضًا.”
“نعم، تفضّلي من هنا.”
بما أنه أول راتب لي، ينبغي أن أسحب بعض المال للاستمتاع اليوم، أليس كذلك؟
كانت خطتي الأصلية بشدّ الحزام وادخار كل شيء عدا نفقات المعيشة الضرورية قد بدأت تتراخى قليلًا.
جلستُ عند المنضدة، وطلب الموظف دفتر الحساب.
أخرجته متلعثمة من جيبي. هنا، إن لم تحضره، فعليك الخضوع لإجراءات تحقق معقدة، لذا من الأفضل حمله إن أمكن.
اتسعت حدقتا الموظف فجأة بعد أن كان يحدّق في الدفتر بوجهٍ ضجِر. لكنه سرعان ما تمالك نفسه وحدّث سجل العمليات والرصيد.
“…قلتِ إنك تريدين سحبًا أيضًا؟”
كان في صوته شيء من الغيرة.
كم بلغ الرصيد ليحسدني إلى هذا الحد؟
لم أستطع كبح فضولي، فملتُ قليلًا لأنظر إلى الدفتر تحت يده.
واو، ضربة حظ!
98,000 شلن…!
شعرتُ دون وعي بانتفاخ صدري.
هيا.
اهدئي.
حافظي على وقاركِ، أيتها المطهِّرة.
“كم تودّين سحب؟”
“50 شلـ…”
انتظري، انتظري.
ماذا سأفعل بذلك المبلغ؟
آكل، أتسوّق قليلًا، أحتاج لشراء بعض الملابس، ويجب أن أفكر في أشياء متنوعة أفعلها حتى الغد…
“300… لا، 500 شلن من فضلك.”
بدأ الرقم يرتفع تدريجيًا.
ما إن رأيتُ 98,000 شلن في الحساب، حتى لم يعد هناك فرق كبير بين 50 و500 شلن. فالرصيد المتبقي سيكون إما 97,950 أو 97,500 على أي حال.
“حسنًا. سأعطيكِ 500 شلن.”
عندما تلألأت الأموالُ أمام عينيّ، اختفى تمامًا الشعور الطفيف بالذنب الذي راودني بشأن سحب مبلغٍ كبير.
التعليقات لهذا الفصل " 13"