الفصل 12. افتحي عينيكِ وانقضِّي
“هااا!”
سيفي لم يلامس سيف يوهان حتى.
انطلقت من فمي صرخة غريبة بعد ضربةٍ هوائية مندفعةٍ لا معنى لها.
“احذري.”
تفادى سيفي بخفةٍ مزعجة، وحين اختلّ توازني وكدت أتعثر، أسندني بذراعٍ واحدة.
قوة ذراعه المشدودة بالعضلات أعادت لي اتزاني فورًا.
“أه؟”
وعندما استقمتُ، فوجئت بأن وجهه قريبٌ جدًا.
انعكس وجهه في عينيّ المتسعتين. توقعتُ أن يبتسم تلك الابتسامة الواثقة المعتادة، لكنه بدا متفاجئًا مثلي.
مرّ نسيمٌ خفيف بيننا.
كأن الزمن تباطأ.
…ولو لم أتوهم،
‘هل تلامست أطراف أنفينا للتو؟’
أم كان مجرد هواء؟
كنتُ أحدّق فيه بذهول، فأنزل يده عن خصري وتراجع خطوة، ثم عاد يرسم ابتسامته المعتادة.
“إذًا أنتِ لا تغمضين عينيكِ أثناء التطهير فقط.”
“…آه.”
“حتى في المبارزة؟ ينبغي أن تنظري إلى خصمكِ، لا أن تغمضي عينيكِ.”
لوّح بسيفه بخفةٍ كمن يلعب بلعبة.
ثم قال بنبرة مازحة.
“هل أبدو لكِ سهلًا إلى هذا الحد؟”
“بالطبع لا! هذه أول مرة ألوّح فيها بسيفٍ في وجه شخص… فأغمضتُ عينيّ دون قصد.”
“يبدو أنكِ جبانة بعض الشيء.”
وخزتني الكلمة.
كنت أظن أنني، على الأقل، أفضل من سيرافينا السابقة…
لكن الحكم نفسه صدر عليّ.
“همم.”
أدار عينيه نحو السماء كأنه يفكر، ثم طرق بطرف إصبعه على أرنبة أنفه.
…أنوفنا كانت قريبة فعلًا.
رفعتُ بصري إليه، فالتقت أعيننا.
“أتريدين المحاولة مجددًا؟”
لم أجب. شددتُ قبضتي على السيف.
نظرتُ إليه بعزم، لكنه ضحك بخفة.
ما الذي يضحككَ؟
“لطيفة.”
“……؟”
هل فقد عقله؟
اقترب مني ووقف بمحاذاتي، ثم عدّل وضعيتي ممسكًا بذراعي.
“إذا أمسكتِ السيف من الطرف هكذا، سيسهل أن يُنتزع منكِ. هكذا أفضل.”
“آه، حسنًا…”
المسافة قريبة جدًا.
كانت تنبعث منهُ رائحةٌ عبقة، مما جعلني واعيةً بشكلٍ مفرط حتّى تجاه أنفاسي نفسها.
توقف عن تعليمي بهذا اللطف!
الفرسان يحدّقون أكثر الآن!
شعرتُ بنظراتهم تزداد وضوحًا، دون أن ألاحظ أن طبيعتها تغيّرت من غيرةٍ إلى شيءٍ آخر.
“جيد. أفضل بكثير.”
“سأجرّب أن ألوّح به صعودًا وهبوطًا بضع مرات.”
لوّحتُ بالسيف بحماسة، مقلّدةً ما رأيته في الكتب.
أليست تدريبات المبارزة تبدأ عادةً بسيفٍ خشبي خفيف؟
لكنّ هذا سيفٌ حقيقي.
ومع كل حركة، خفق قلبي بقوة.
“جيد. هيا إذًا!”
صرختُ كمن يعلن الحرب، وانطلقتُ بسيفي نحوه.
لكن حين بدأ السيف الحقيقي يشق الهواء…
تجمّد قلبي للحظة.
ومن لم يجرّب التلويح بسيفٍ حقيقي، فليصمت.
سيفٌ يمكنُ به بحقٍّ أن يقطع إنسانًا.
والماثِلُ أمامي… هو الإمبراطور نفسه.
أغمضتُ عينيَّ بإحكام دون أن أشعر. في داخلي، كانت صرخاتُ “ماذا أفعل، ماذا أفعل” تتدفق بلا توقف.
“سيرافينا.”
طعن!
انغرس السيف في الأرض.
مرّرتُ يدي على صدري الذي كان قد هبط فجأةً من شدة الفزع.
صوت يوهان السليم كان دليلًا على أنني لم أؤذه، فتدفّق إلى قلبي إرتياحٌ عامر.
رفعتُ جفنيّ ببطء. وحين استدرتُ قليلًا، رأيتُ يوهان، الذي تفادى هجومي بمرونة عالبة، ينظر إليّ بعينين يغلّفهما الملل.
حاولتُ أن أعتدل في وقوفي.
بل حاولتُ.
“آه… يا جلالة الإمبراطور، السيف عالق ولا يخرج.”
كنت أئنّ وأنا أحاول سحب السيف المغروس في الأرض، ففتح يوهان فمه بنبرةٍ غير راضية.
“حتى لو هاجمتِ بكل قوتكِ، فلن تمسّي شعرةً مني.”
“لكن مهما يكن… كيف لي أن أهاجم جلالتك…”
“إنشانت.”
تجمّدتُ عند الكلمة التي خرجت من فمه. صوته دوّى في الهواء على نحوٍ غريب، كأنه ليس من هذا العالم.
بدا نصلُ سيفه وكأنه يلتفّ بهالةٍ زرقاء هائجة.
لا تقل لي…!
“باستارد سرعة الضوء.”
فوووش!
“آااه!”
هبت ريحٌ عاتية فجأة، فرفعتُ ذراعي أحمي بهما وجهي. بدا وكأن إعصارًا اندلع حول يوهان.
هذا المجنون!
‘إنشانت’ فجأةً هكذا؟!
بوووم!
دوّى انفجارٌ هائل في الأرجاء.
صرختُ من شدة الفزع وسقطتُ جالسةً على الأرض، لكنَّ هدير الصوت ابتلع صرختي بالكامل.
“ما هذا…”
حين هدأت العاصفة الجارفة، أنزلتُ ذراعيّ وتمتمتُ بذهول، ثم انتبهتُ فجأة والتفتُّ إليه.
“جلالتك! كادت ساحة التدريب أن تُدمَّر! هل تنوي نسف القصر الإمبراطوري بأكمله؟!”
أطلقتُ كلماتٍ قد يصفها جيسوب بالوقاحة، لكن بينما كنتُ أرتجف، كان يوهان في غاية الهدوء.
قال بصوتٍ رزين.
“لا تقلقي. ساحة التدريب محاطة بقبةٍ حاجزة ضخمة.”
وأشار بطرف ذقنه إلى الفرسان في الجهة الأخرى، الذين تظاهروا بالتدريب وهم يراقبوننا خفيةً.
“حتى يتمكن فرسانٌ مثلي ممن يستخدمون الإنشانت من التدريب بحرية.”
“هذا…”
انفلت صوتٌ شارد من فمي.
الإنشانت.
قدرةٌ خاصة تظهر أحيانًا لدى الفرسان الموهوبين.
حين يبلغ المبارز مستوىً معينًا، يصبح قادرًا على التعامل مع المانا، ويُدعى عندها “ماستر- سيّد”.
وإذا أتقن التحكم بالمانا إلى حدّ تكوين سلاحٍ منها دون حاجةٍ إلى سلاحٍ حقيقي، يُسمّى “سورد ماستر- سيّد سيف”.
ثم…
من يتجاوز ذلك الحد، فيستخدم المانا ليُظهر قوى أشبه بالسحر، يُسمّى “إنشانتر”.
ما فعله يوهان للتو كان هو الإنشانت بعينه.
“افتحي عينيكِ وانقضّي على خصمِك.”
“…….”
“هدفكِ اليوم أن تلمسي سيف هذا المارسيوس ولو لجزءٍ من الثانية.”
رفعتُ عينيّ إليه.
نبرته الجادة جعلتني أتعامل مع المبارزة بجديةٍ حقيقية.
نهضتُ ونفضتُ التراب عن مؤخرتي، ثم أمسكتُ السيف كما علّمني قبل قليل.
“إن نجحتِ، سننهي تدريب اليوم فورًا.”
“سأنجح بالتأكيد!”
صرختُ بحماسٍ مضاعف على أمل العودة باكرًا للراحة.
ضحك بصوتٍ مستمتع.
“إذًا لنبدأ مبارزةً حقيقية.”
“هااا!”
لوّحتُ بسيفي بكل قوتي. هذه المرة لم أغمض عينيّ. تفادى هجومي بخفة، فانتقلتُ مباشرةً إلى الضربة التالية.
ضربةٌ بعد ضربة.
“هاه… هاه…”
سرعان ما امتلأت الساحة بأنفاسي اللاهثة.
واختفى الفرسان الذين كانوا يتدربون.
لم يبقَ في الساحة سوانا.
كان محقًا.
حتى بعدما استنفدتُ طاقتي واسترحتُ مرارًا وعدتُ للهجوم، لم أستطع لمس سيفه. بل لم يُسمح لي حتى بأن أطأ ظلّه.
“هذا ظلم… هاه…”
حين تمددتُ أخيرًا على الأرض، ابتسم يوهان.
“أحسنتِ. سنكتفي اليوم بهذا، ومن الغد سيُشرفُ جيسوب على تدريبكِ.”
بينما كنتُ مبللةً بالعرق من رأسي حتى قدمي، لم تتكوّن على جبينه قطرة واحدة.
وذلك ما أثار حنقي أكثر.
***
اشتدّت قسوة التدريب يومًا بعد يوم.
كان جيسوب يتولى صقل الأساسيات بالسيف الخشبي، أما يوهان فكان يبارزني بسيفٍ حقيقي مرةً كل أسبوع تقريبًا.
بصراحة، الفارق في المستوى كان شاسعًا لدرجة أنني تساءلتُ عن جدوى المبارزة معه، لكن يبدو أن لها فائدة.
كأنها حسّنت سرعة استجابتي وقوة بصري الحركي.
طَق! طَق طَق! طَق!
“أوه! آنسة سيرافينا!”
“هاه! واو! واو!”
أخيرًا بلغتُ مرحلةً أستطيع فيها تطبيق إحدى التقنيات التي أتدرب عليها بفعالية في مبارزتي مع جيسوب بالسيف الخشبي.
انطلقت عبارات الدهشة من فمي بلا توقف.
حتى جيسوب، الذي لم يكن راضيًا عني في البداية، بدا أنه يشعر بالرضا كمعلمٍ وهو يرى تقدّمي يومًا بعد يوم.
“قليلًا بعد! هكذا! ممتاز!”
“واو! سيد جيسوب! أنا… أنا هذه التقنية…!”
لم أستطع إكمال كلامي.
طَق! طَق! طَق! سسس! طَق!
“حتى تحويل اتجاه الضربة… رائع!”
“هيهي.”
أنهيتُ الحركة الختامية دون خطأ، فشعرتُ بسعادةٍ غامرة أمام المديح.
“آنسة سيرافينا، سننهي التدريب مبكرًا اليوم على نحوٍ خاص.”
“شكرًا جزيلًا، سيد جيسوب!”
ضممتُ يديّ بحماسة وركعتُ أمامه بفرحٍ صاخب.
يا له من ماكر يعرف كيف يوازن بين العصا والجزرة!
ومع ذلك، كنتُ سعيدةً بحق.
نظر إليّ جيسوب بصوتٍ راضٍ وأضاف هديةً أكبر.
“سأتحدث إلى جلالته ليرتّب لكِ إجازةً حتى الغد.”
“حقًا؟ ما المناسبة اليوم؟ لماذا أنتَ لطيفٌ هكذا؟”
ابتسم ابتسامةً صغيرة كأنه يستغرب سؤالي.
“أليس اليوم أول يومٍ لاستلام راتبكِ؟”
“……!”
ماذا؟!
كيف نسيتُ هذا؟!
كم انتظرتُ هذا اليوم!
يبدو أن التدريب القاسي أخرج عقلي في نزهة.
بينما كنتُ مذهولةً، ابتسم جيسوب كأنه يحثّني على التحرّك.
“اذهبي واستمتعي بوقتكِ كما تشائين.”
التعليقات لهذا الفصل " 12"