أحضرت خادمات رايتشل الملابس إلى غرفة أريانا، وهي فساتين كانت مركونة في المخزن منذ أن صغرت على هيلينا، هذه المرة، سمحت أريانا لهن بإلباسها الفستان، ثم فعلت ما طلبته رايتشل وتوجهت إلى غرفة الاستقبال، وهي غرفة لم تدخلها من قبل إلا للتنظيف.
ابتسمت فيكتوريا، التي كانت تجلس على الأريكة، ولوحت بيدها عندما رأت أريانا “أريانا، تعالي إلى هنا.” قطبت هيلينا شفتيها باستياء من تصرف فيكتوريا، لكنها لم تشتكِ علناً. ‘ما الذي يخططن له؟’ إذا كانت هيلينا تكبح غضبها، فمن المؤكد أن هناك أمراً يُدبر في الخفاء.
بدت أريانا أكثر استرخاءً وهي تتجه نحو الأريكة، لكنها لم تخفف من حذرها، وعندما جلست أريانا بجانب فيكتوريا، حدقت بها هيلينا بغضب، لكنها سرعان ما التفتت لتنظر إلى فيكتوريا “آمل أن يصل حاكم الشمال إلى المملكة الغربية قبل أن نغادر إلى العاصمة، حينها يمكننا السفر إلى هناك معاً.” نظرت إليها فيكتوريا نظرة توبيخ، لكن هيلينا تابعت.
“لا أدري لماذا سيأتي إلى المملكة الغربية، لكنه على الأرجح يريد رؤية جدي، أليس كذلك؟، وهذا يعني أنه سيزورنا بالتأكيد، ستشعر الآنسات من العائلات الأخرى بالغيرة، لأن صاحب السمو على الأرجح انتقائي جداً بشأن العائلات التي يزورها.”
بدت هيلينا واثقة من أن حاكم الشمال سيأتي ويقابل بنات الدوق برونتي عندما يصل إلى المملكة الغربية، وكان من الواضح أنها تفترض أن أريانا لن تُدعى أبداً لهذا اللقاء، بدأت أريانا تتساءل عن سبب طرح هيلينا لهذا الموضوع. ‘أتساءل كيف ستكون ردة فعلها لو علمت أن حاكم الشمال موجود هنا بالفعل، وأننا التقينا في مناسبات متعددة؟’
استرجعت أريانا وجه سايروس؛ فالبشرة المحمرة حول عينيه الحمراوين تضفي عليه نوعاً خطيراً من الجمال الفاسد، وشفتان قانتا الحمرة تمنحان تبايناً لونياً مع بشرته الشاحبة، ورغم أن الوجه تحت شعره الفضي، الذي يذكرها بضوء القمر البارد، كان وسيماً إلى أقصى حد، إلا أن القسوة في عينيه كانت تقشعر لها الأبدان، شكّت أريانا في أن هيلينا ستكون قادرة حتى على التنفس بشكل طبيعي في حضوره.
“أريانا، تبدين جميلة في ذلك الفستان، احرصي على هندامكِ بشكل لائق من الآن فصاعداً، حسناً؟”
بدت وكأنها تلمح إلى أن أريانا كانت تتجول بملابس خادمتها لأنها أرادت ذلك.
ردت أريانا بخنوع “نعم يا أمي.”
“ستأتي صانعة الفساتين قريباً، أريانا، لديكِ الكثير لتستعدي له من أجل موسم الحفلات القادم، سنغادر إلى العاصمة في منتصف شهر مارس، لذا تعلمي إتيكيت التعامل الأساسي من أختكِ الكبرى في هذه الأثناء، حسناً؟”
“نعم يا أمي.”
ابتسمت رايتشل برضا وهي ترى أريانا تتصرف بهذه الطاعة، وجدت أريانا ابتسامتها بغيضة كأفعى تتلوى. ‘أنا السابقة كانت ستشعر بالابتهاج لأنها ابتسمت لي على الإطلاق.’ جعلها ذلك تشعر بالمرارة؛ فكلما كانت والدتها ألطف معها، كان عليها أن تكون أكثر حذراً، طردت أريانا هذه الفكرة البغيضة من عقلها.
“ستحبّكِ صاحبة الجلالة الإمبراطورة، أنتِ جميلة جداً،” قالت فيكتوريا بلطف، واضعة يدها على يد أريانا.
لاحظت أريانا عبوس هيلينا “أوه، شكراً لكِ، لكن ليس لدي أدنى شك في أن الآنسة هيلينا ستتألق أكثر مني.”
ابتسمت هيلينا بفخر عند سماع ذلك، وقطبت رايتشل حاجبيها عندما لاحظت أن هيلينا أطلقت العنان لمشاعرها، ثم منحتها ابتسامة كريمة.
“أريانا، لا يجب أن تناديها بذلك، إنها أختكِ، لا تتجولي وأنتِ تنادينها بالآنسة هيلينا؛ فقط خاطبيها بمودة باسمها.”
“نعم يا أمي.”
“هيلينا، يجب أن تحاولي الانسجام مع أختكِ أيضاً.”
“حسناً…”
وصلت صانعة الفساتين، وهي الأكثر شهرة في المملكة الغربية، مع خدمها قريباً، وبينما كانت المساعدات يأخذن قياسات بناتها، تفحصت رايتشل عينات القماش والكتالوج.
“سآخذ هذه لابنتي الأولى، وهذه للثانية، وهذه للثالثة.”
بدا صانع الفساتين حائراً من اختيارات رايتشل “اختياراتك ممتازة لابنتيكِ الأولى والثالثة، لكن تلك التي اخترتها لابنتك الثانية ستكون أكثر ملاءمة لامرأة أكبر سناً.”
“إنها طفلة ناضجة، وأنا واثقة من أن الألوان ستبدو جميلة عليها، أنا أمها، ويجب أن أعرف.”
“بالطبع،” أجاب صانع الفساتين بلطف، ثم التفت لينظر إلى الفتيات الثلاث اللواتي كن يخضعن للقياسات، كانت هناك هيلينا ذات الشعر البني، وأريانا ذات الشعر الأزرق السماوي، وفيكتوريا بشعرها الأشقر الداكن، كن جميلات جميعاً، لكن أريانا كانت الأكثر جمالاً بينهن، كان صانع الفساتين، بكونه منتبهاً للاتجاهات والشائعات، قد سمع بعض الأشياء عن الابنة الثانية؛ فقد كانت بعض النبيلات وبناتهن اللواتي زرن متجره مؤخراً يتثرثرن عن الحادث في حفل حديقة برونتي.
“أشفق عليها كثيراً…”
“لو لم يكن حاكم الغرب والد الدوقة، لأبلغت عنها السلطات.”
“كانت الابنة الثانية كحيوان!، لم تكن تعرف شيئاً عن الإتيكيت، هذا يظهر مدى سوء المعاملة التي تتلقاها.”
توقع صانع الفساتين أن تكون الفتاة مخلوقاً وحشياً غير مهذب تماماً، كطفلة تربت في الجبال مع الذئاب، قرأ عنها في الصحف منذ زمن طويل. ‘الشائعات لا يجب أن تُصدق أبداً، على أية حال.’ بدا أن الشائعات حول أريانا كانت خاطئة.
كانت أريانا أقصر من أختيها الطويلتين نوعاً ما، لكن حضورها المهيب جعلها الشخصية الأبرز في الغرفة، كانت طريقتها الموزونة وابتسامتها الخافتة لا تشوبها شائبة، وحركاتها الهادئة والمسترخية ذكرته بالفراشة، التقى بعدد لا يحصى من السيدات وبناتهن خلال إدارته لمتجره في المملكة الغربية، لكنه لم يرَ قط أي شخص يبدو بنبل أريانا.
حتى الفستان القديم الذي كانت ترتديه لم يقلل من جمالها، كان الشعر الأزرق السماوي المنسدل على كتفيها فوق بشرة لؤلؤية صافياً كسماء الربيع المشمسة، وذكّرته عيناها بياقوت أزرق فاخر. ‘يا إلهي، إنها كالدمية.’ كان مظهرها وسلوكها مثاليين، كأنها دمية تدب فيها الحياة، مما أثار قشعريرة في جسده.
كان يعلم أن العائلات الأكثر عراقة، تميل أطفالها إلى أن يكونوا أكثر تعليماً ونضجاً، لكن أريانا تفوقت عليهم جميعاً، وبحكم تعامله مع مجموعة واسعة من الناس، كان في وضع أفضل لملاحظة أناقة أريانا. ‘كيف يمكن لفتاة لم تُعلَّم شيئاً عن الإتيكيت أن تكون بهذا الوقار؟’ كان ذلك مستحيلاً، كان هناك شيء أكبر مما تراه العين، كان واثقاً من ذلك.
ومع ذلك، كان رجلاً ذكياً ولم يظهر شكوكه، وغادر بمجرد انتهائه من أخذ القياسات، وبعد رحيله، أمرت رايتشل خادمة بإحضار بعض الشاي والبسكويت.
مُنحت أريانا شرف الجلوس مع والدتها وأختيها والاستمتاع بالشاي معهن.
قالت رايتشل “سأدعو بعض السيدات اللواتي يعشن في الجوار إلى حفل شاي، هذا لنا نحن السيدات الكبيرات، لذا ابقين هادئات يا أطفال، حسناً؟”
وجدت أريانا أنه من المشبوه أن تشارك رايتشل هذه المعلومات على الإطلاق، لكنها أجابت “نعم يا أمي.”
“وسنخرج إلى متجر مجوهرات قريباً، ماذا تودين أن تفعلي يا أريانا؟، هل ستأتين معنا؟” كان واضحاً من نبرة رايتشل أنها تريد من أريانا الرفض، لم تكن لدى أريانا أي نية للذهاب معهن أيضاً.
“لا، أنا بخير، سأثق بكِ لاختيار مجوهرات وأحذية جميلة لي يا أمي.”
“نعم، سأفعل ذلك.” لم تكرر رايتشل الطلب.
ابتسمت أريانا ببرود وهي تغادر غرفة الاستقبال وتعود إلى غرفة نومها، كانت الفساتين التي اختارتها رايتشل لأريانا ستُصنع من أقمشة باهظة الثمن، لكن التصاميم كانت مقصودة بوضوح للنساء الأكبر سناً لدرجة أنها ستكون محرجة عند ارتدائها، لا شك أنها ستتعرض للسخرية إذا ظهرت في حفل إمبراطوري بملابس مناسبة لامرأة عجوز خرفاء، ستتحدث النساء طويلاً عن الفستان الذي ارتدته أريانا في ظهورها الأول.
‘سأبدو أسوأ عندما أقف بجانب هيلينا، لكن هذا لا يهم، لست بحاجة لمباركة الإمبراطورة.’ لم تكن السمعة هي ما تسعى أريانا لبنائه خلال موسم الحفلات القادم، ‘سنغادر إلى العاصمة في غضون أسبوعين فقط، أحتاج للحصول عليه قبل ذلك.’ كانت بحاجة للسلاح الذي ستستخدمه لعقد صفقة مع حاكم الشرق، ستعرف سر رايتشل وحاكم الغرب.
* * *
تمكنت أريانا من تناول ثلاث وجبات يومياً بعد خروجها من زنزانتها، كانت روزالين تحضر طعاماً عالي الجودة إلى غرفة أريانا في كل وجبة، بما في ذلك إفطارها في يوم حفل الشاي الخاص برايتشل، نادت أريانا الخادمة بمجرد أن وضعت الصينية وكانت على وشك المغادرة.
“روزالين.”
“نعم يا آنستي.”
“ما هي المهام التي أُسندت إليكِ؟”
“أنا عادة أغسل الأطباق وأقوم بالغسيل، كما أساعد في التنظيف عند الضرورة.”
“حسناً.”
حدقت أريانا في الطعام على الصينية؛ كان هناك خبز طازج، وحساء سميك، وسلطة طازجة، ولحم مسلوق، وسمك مقلي، وحتى بودينج، كانت رايتشل لطيفة جداً مع أريانا، ولم يبدُ أن نيتها هي جعل أريانا بصحة جيدة لموسم الحفلات.
إذا اكتسبت وزناً الآن، فإن الفساتين التي أُخذت قياساتها بالأمس ستصبح ضيقة جداً، لو أرادت رايتشل أن تكتسب أريانا وزناً، لطلبت صنع الفساتين بمقاس أكبر. ‘إما أنها تشعر بالذنب بشأن ما تنوي القيام به، أو أنني لن أرتدي تلك الفساتين على الإطلاق.’ كان من غير المرجح أن تشعر رايتشل بأي شيء يشبه الذنب تجاه أريانا، مما يشير إلى الاحتمال الأخير، أو من يدري؟، ربما كان كلاهما صحيحاً، كان لدى أريانا شعور سيء في اللحظة التي ذكرت فيها رايتشل حفل الشاي بالأمس.
“لدي طلب لكِ يا روزالين.”
“نعم يا آنستي.”
أخرجت أريانا إحدى الحلي التي لم تبعها وسلمتها لـ روزالين “بغض النظر عما يحدث اليوم، وبغض النظر عما يطلبه أي شخص منكِ، هل يمكنكِ الزعم بأنكِ كنتِ معي طوال اليوم؟”
“بغض النظر عما يحدث؟، ما الذي تتوقعينه يا آنستي؟”
“حسناً، لست متأكدة بنفسي، سأكافئكِ حتى لو لم يحدث شيء، في تلك الحالة، انسَيْ أننا أجرينا هذه المحادثة.”
“نعم يا آنستي، سأفعل ما تطلبينه.”
حدقت أريانا في الأرض تفكر للحظة “إذا طلبت الدوقة رؤيتي، يرجى مراقبة ما أفعله، وشيء آخر…” وتوقفت أريانا عن الكلام.
انتظرت روزالين ويداها متشابكتان، وبعد مرور بعض الوقت، سارت أريانا نحو روزالين وهمست شيئاً في أذنها، كانت التعليمات غريبة، لكن روزالين أجابت ببساطة “نعم، سأفعل ذلك تماماً.”
التعليقات لهذا الفصل " 19"