“كان السيد إيزاك يقول إنك قد تتزوج قريباً— آخ! لماذا فعلتِ ذلك يا لوي؟” صرخ نواه بغضب بعد أن تلقى ضربة بالمرفق في جانبه من لوي، ثم لاحظ نظرة سايروس وسكت.
ابتلع نواه ريقه وجثا على ركبة واحدة، وشعر بقشعريرة تسري حتى أصابع قدميه “كان ذلك وقاحة مني، أرجوك اقتلني يا سيدي.”
قال سايروس وهو يسحب سيفه دون تردد “أعتقد أنني سأفعل.” أغمض نواه عينيه بإحكام، لكن لوي تحدثت فجأة.
“لا داعي لتلطيخ نصلك بدماء شخص مثله.”
“أنتِ تحمينه لأنه نائبكِ، أليس كذلك؟”
ركلت لوي نواه بصمت عدة مرات، وتحمل نواه ذلك بصمت دون أن يصدر أنيناً واحداً، توقفت لوي عن الركل ووقفت مستقيمة.
“إنه غبي، لكنه ماهر، سيتطلب الأمر جهداً كبيراً لتدريب شخص آخر مثله، لذا أرجوك كن رحيماً، سأعلمه جيداً.”
حدق سايروس بصمت في نواه، ثم غمد سيفه، سألت لوي “هل لديك أي خطط أخرى؟”
التفت سايروس لينظر إلى قصر برونتي “لقد قطعنا طريقاً طويلاً، ولا يمكننا العودة خالي الوفاض، سننتظر أسبوعاً آخر، وسنرحل إذا لم نجد شيئاً مفيداً بحلول ذلك الوقت.”
* * *
كان إيزاك، الذي كان يشرب في قصر صغير مستأجر باسم نقابة تجارية وهمية، يحدق بدهشة عندما عاد نواه ووجهه ملطخ بالدماء.
“ماذا حدث لك؟، هل واجهت قطاع طرق؟”
“هل تظن أن قطاع طرق يمكنهم إيذائي؟، كانت لوي.”
التفت إيزاك إلى لوي التي كانت تقف بلا مبالاة بجانب نواه “لماذا ضربتِه؟، هل عاد لثرثرته مجدداً؟”
“نعم.”
“انتظر… لا تقل لي إنه قال شيئاً عن زواج صاحب السمو؟”
“هذا بالضبط ما قاله.”
“هاه!” هز إيزاك رأسه بعدم تصديق “أنت حقاً شيء لا يُصدق يا نواه، ليست هذه المرة الأولى التي يكاد لسانك يودي بك إلى الموت على يد صاحب السمو، لماذا لا تتعلم؟”
“لكنني كنت فضولياً، ألم تكن كذلك؟، بشأن المرأة التي أسرت قلبه.”
“إنها امرأة قوية وذكية، لا تخشى العار إذا كان ذلك يعني تحقيق أهدافها، لا أعتقد أنها تهتم بسمعتها على الإطلاق.”
“الآن أصبحت فضولياً حقاً، هل تعتقد أنها ستأتي معنا إلى المملكة الشمالية لتكون زوجته؟”
“لا أعلم، لكنني أعتقد أن هذا مرجح، من الطريقة التي يتصرف بها.”
فكر إيزاك في الطريقة التي يتصرف بها سايروس حول أريانا، ادعى سايروس أنه يعاملها بلطف لأنها قد تكون مفيدة، لكنه ليس من ذلك النوع من الرجال، حتى إنه استخدم تعويذة جليد -بشكل غير معهود- لإنقاذ أريانا من رايتشل، وعندما سألته أريانا كيف فعل ذلك، استعرض مهارته أمامها وادعى أنها تعويذة بسيطة، ومهما كانت نواياه، فقد بدا سايروس للعالم بأسره كفتى يستعرض أمام فتاة معجب بها.
“المشكلة هي كيف تشعر الآنسة تجاهه، لا أعتقد أنها تحبّه كثيراً.”
“هذا مستحيل، إنه الرجل الأكثر جاذبية في العالم، حتى النساء اللواتي يدعين أن المظهر ليس كل شيء يبدأن في الانهيار من الإعجاب عندما يكون حولهن، أليس هذا صحيحاً يا لوي؟”
تنهدت لوي بهدوء “سيد إيزاك، أرجوك انتبه لكلماتك حول نواه، إنه مثل الطفل، ومن المؤكد أنه سيثرثر مجدداً.”
* * *
كانت قاعة الاستقبال كبيرة وفخمة، وتدفق ضوء الشمس الدافئ عبر النافذة الكبيرة، كانت هيلينا تعزف البيانو في جانب من الغرفة، وكانت فيكتوريا تجلس على الأريكة، تطرز شيئاً ما.
وقفت رايتشل عند الباب للحظة، تراقب ابنتيها الحبيبتين، لم يخطر ببالها شيء عن أريانا، التي كانت محبوسة في زنزانة قبو صغيرة وباردة دون أدنى بصيص من ضوء الشمس أو أصغر رشفة ماء طوال الأيام الأربعة الماضية، كانت هيلينا وفيكتوريا قد تشاجرتا حول ما حدث في الحفل، ورغم وجودهما في نفس المكان، رفضتا النظر إلى بعضهما البعض.
سارت هيلينا نحو الأريكة وجلست بعيداً عن فيكتوريا، ابتسمت فيكتوريا لها، لكن هيلينا التفتت بعيداً قائلة “همف!”، ابتسمت فيكتوريا ابتسامة ساخرة؛ كانتا تتصرفان وكأن فيكتوريا أكبر من هيلينا بسنوات عديدة.
كانت رايتشل تدرك أيضاً أن فيكتوريا سابقة لأوانها وأذكى بكثير من هيلينا، كانت تدلل هيلينا لأنها كانت تشعر بالأسف لأن الفتاة كان عليها أن تعيش كابنة لعائلة بارون، لكن من الناحية الموضوعية، كانت فيكتوريا هي التي ستفيد العائلة أكثر، ليس أنها تنوي استغلال هاتين الفتاتين من أجل مكاسب المنزل؛ لكنها كانت تعتقد أن فيكتوريا ستجد لنفسها زوجاً من عائلة جيدة دون أن تُملى عليها الأوامر.
“لقد حان الوقت لنبدأ الاستعداد لموسم الحفلات لهذا العام، ستكون الأمور محمومة، خاصة بالنسبة لكِ يا هيلينا، سيتعين عليكِ الظهور لأول مرة هذا العام.”
“كيف يمكنني الظهور لأول مرة في هذه الحالة؟، سيتحدث الجميع عني بسبب أريانا… سأبدو حمقاء!، سيشفق الجميع عليها ويتجاهلونني تماماً.”
“لن يحدث ذلك يا هيلينا، سأحرص على ذلك.”
سألت فيكتوريا بحذر “أمي، هل لديكِ خطة؟”
“ما الذي لن أفعله من أجلكما يا أطفالي؟، فقط افعلا كما أقول، ولن تكون هناك مشاكل في موسم الحفلات لهذا العام، لا تقلقا بشأن ذلك، حسناً؟”
لم تستطع إخبارهما بما تخطط له، كانت تريد لابنتيها أن تكونا جاهلتين بالجانب المظلم من العالم، كان عليهما أن تكونا نقيتين وبريئتين مثل سماء صيفية صافية أو بحيرة جميلة.
“لا داعي للقلق بشأن أريانا على الإطلاق، هيلينا، هل خيبتُ آملكِ يوماً؟”
تذمرت هيلينا “حتى إنكِ لم تدعي حاكم الشمال.”
كبتت رايتشل تنهيدة “هيلينا، الشائعات حوله ليست جيدة، إذا تزوجتِ رجلاً كهذا، فسيكون نصيبك الوحدة والمشقة، تحتاجين إلى العثور على رجل محب لا يرى أحداً سواكِ.”
“إذاً يمكن لحاكم الشمال أن يكون ذلك الرجل لي، عليّ فقط أن أجعله يحبّني.”
“هذا صحيح بالطبع، لكنه رجل متعطش للدماء، ولست متأكدة من قدرته على أن يكون لطيفاً مع أي امرأة، سأكون مرتاحة لو لم يستخدمكِ لتحقيق غاياته الخاصة.”
“أمي، أنا واثقة من أنني أستطيع جعله يقع في حبّي، أنا بارعة في الكثير من الأشياء، بالتأكيد سيجدني جذابة.”
“هيلينا، لا ينبغي أن يكون حاكم الشمال محور اهتمامكِ الآن، ما يهم هو الحصول على مباركة الإمبراطورة عندما تظهرين لأول مرة هذا العام.”
عند إقامة حفل إمبراطوري، كانت الفتيات اللواتي يظهرن لأول مرة يتقدمن أولاً لتحية الإمبراطورة.
كانت تدرسهن وتهدي من تعجبها أكثر دبوساً على شكل زنبقة محفوراً بتوقيعها، مثل هذه الآنسة، التي تباركها الإمبراطورة، كانت تحظى بالكثير من الاهتمام، ويصطف الخاطبون لطلب يدها للزواج.
حتى إن الإمبراطورة كانت ستساعد في حفل الزفاف.
لكن كان من الصعب كسب ود الإمبراطورة، ولم يكن من المرجح اختيار أكثر من واحدة من بين دزينة من الآنسات، إن وُجدت.
“إذا منحتني الإمبراطورة مباركتها، فسيلاحظني حاكم الشمال، أليس كذلك؟”
“بالطبع يا هيلينا، بالطبع سيلاحظكِ.” شكّت رايتشل في أن عائلة برونتي سيكون لها أي علاقة بذلك الرجل، لكنها ابتسمت لابنتها غير الناضجة.
“سأفوز بتلك المباركة مهما كلف الأمر، أمي، أحتاجكِ أن تحضري لي أجمل فستان في العالم.”
“سأفعل ذلك بالضبط، فيكتوريا، لن تتمكني من الذهاب إلى حفل الإمبراطورة، لكنكِ ستنضمين إلينا في أحداث أصغر، عليكِ أن تتركي انطباعاً جيداً لدى الآنسات حينها، ولو من أجل ظهوركِ لاحقاً، حسناً؟”
“نعم يا أمي.”
“بالحديث عن ذلك…” انتقلت رايتشل إلى نقطتها الرئيسية “سأخرج أريانا غداً.”
“لماذا؟، دعيها تجوع حتى الموت هناك!” صرخت هيلينا، مما جعل رايتشل تقطب حاجبيها.
“هيلينا!، لا تتحدث أي آنسة بهذه الطريقة.”
“لكن يا أمي، هل نسيتِ ما فعلته؟، لقد أحرجتنا جميعاً، حتى الدوقة لوفينتا انحازت إليها.”
“أعلم، لكن هذا ضروري، كوني لطيفة معها بمجرد خروجها من البرج الشرقي، سأحضر لها فستاناً أيضاً، لا تضايقيها، دعي صانعات الفساتين يظنن أنكِ دائماً لطيفة معها، حسناً؟”
تدخلت فيكتوريا قبل أن تتمكن هيلينا من الشكوى “هل هذه واحدة من خططكِ يا أمي؟”
“نعم، أفعل هذا حتى تتمكن هيلينا من الظهور لأول مرة دون حوادث، لذا أرجوكما افعلا كما أقول، لا تضايقا أريانا، لأن ذلك قد يفسد كل شيء.”
* * *
عندما أُطلق سراح أريانا من البرج الشرقي، كانت فيكتوريا تنتظر عند المدخل.
قالت وهي تقترب بابتسامة لطيفة “أريانا، أعلم أن الأمر لم يكن سهلاً.”
ابتسمت أريانا رداً عليها “لا، لقد سببتُ المشاكل لكِ ولهيلينا وأمي.”
“أوه، لا تقولي ذلك!، كنا بخير تماماً!، لكنني لم أكن أعلم أن الأمور كانت صعبة عليكِ جداً، لقد انكسر قلبي من أجلكِ، كما تعلمين.”
حدقت أريانا في يد فيكتوريا، التي كانت موضوعة بعاطفة على ذراعها، كانت تعلم أنها سيُطلق سراحها قريباً بما يكفي، لكنها لم تكن تتوقع هذا من فيكتوريا؛ فقد ظنت أنها ستتجنبها تماماً. ‘ما الذي يمكن أن تفكر فيه هذه الفتاة؟’
‘سيتعين عليّ توخي الحذر، من المحتمل أن المستقبل قد تغير بسبب ما فعلته في حفل الحديقة، لم أعد أستطيع توقع ما قد تفعله رايتشل وفيكتوريا وهيلينا بعد ذلك.’
“ستأتي صانعة فساتين غداً، وبما أنكِ متجهة إلى العاصمة أيضاً هذه المرة، ستحتاجين إلى فستان جميل، أليس هذا مثيراً؟”
“نعم، إنه كذلك.”
“سنخرج لتسوق المجوهرات بعد غد، ليس لديكِ الكثير منها، لذا يجب أن تغتنيمي الفرصة لشراء الكثير.”
“حسناً، سأفعل ذلك.”
ألقت فيكتوريا نظرة على أريانا، وعيناها الخضراوان تدرسان وجه أريانا بهدوء، شعرت أريانا وكأن ثعباناً يخرج لسانه باتجاهها كلما فعلت فيكتوريا ذلك “أريانا، لا تبدين سعيدة جداً بهذا.”
“أنا سعيدة، لكنني عطشى وجائعة جداً الآن…”
“يا إلهي!، كيف يمكنني أن أنسى؟، لم تأكلي منذ فترة، أليس كذلك؟، يجب أن تذهبي إلى غرفتكِ وترتاحي، سأجعل الخادمات يحضرن لكِ الطعام والماء.”
“شكراً لكِ، أنا ممتنة حقاً لذلك.”
بالعودة إلى داخل القصر، فوجئت أريانا برؤية أن غرفتها لم تكن الغرفة الصغيرة القديمة، بل الغرفة الجديدة التي شغلتها بعد أن مرضت، كانت تتوقع الفساتين والإكسسوارات بما أن موسم الحفلات كان قادماً، لكنها كانت تتوقع النوم في غرفتها الفارغة مجدداً حتى يحين وقت المغادرة إلى العاصمة، قطبت حاجبيها وهي تدخل الغرفة الكبيرة. ‘هناك شيء مريب يحدث، في نهاية المطاف.’
التعليقات لهذا الفصل " 17"