كانت هناك فترة في الماضي البعيد حين استخدم الناس أطباق الفناجين لتبريد الشاي فعلياً، لكن تلك الممارسات أصبحت موضة قديمة منذ زمن بعيد، القيام بذلك الآن لن يجعل أريانا سوى أضحوكة.
مع انعدام الفرص لتعلم الإتيكيت، صدقت أريانا ادعاء فيكتوريا في حياتها السابقة، وبسبب توترها من أول حفل حديقة لها، سكبت الشاي في صحنها وارتشفته بصوت عالٍ، مما أحرج نفسها أمام جميع النبلاء الحاضرين.
انتقدت النبيلات وبناتهن أريانا بشدة لافتقارها إلى الأخلاق، وتظاهرت رايتشل بالارتباك وهي تقول “إنها تفعل ما يحلو لها أحياناً، وتدعي أن دماء حاكم الشرق التي تجري في عروقها تجعلها متفوقة، لقد تجاهلت كل المعلمين الخصوصيين الذين خصصتهم لها، اغفروا لي؛ فالخطأ خطئي.”
أما فيكتوريا، التي كانت تقف بجانبها، فقد توسلت لأريانا والدموع في عينيها “أريانا، ألم يكن بإمكانك التصرف بلباقة ولو لمرة واحدة؟، أنا لا أمانع أن تتصرفي بهذه الطريقة حولي، لكن كان يجب ألا تفعلي هذا في حفل!”
صُنفت أريانا على الفور كفتاة متمردة تستخدم نسبها كعذر لسوء سلوكها وتسيء معاملة أختها، لكنها لم تستطع حتى تقديم عذر، ولأنها وجدت صعوبة في تحمل النظرات الجليدية الموجهة إليها، احمرّ وجهها قبل أن تنفجر باكية.
“إنها في السادسة عشرة بالفعل، لكنها لا تزال تبكي كالطفلة حين لا تحصل على ما تريد، لا أعرف ما الذي سأفعله بها…”
“إنه ليس خطأكِ يا أمي، أريانا ترفض الاستماع، وتصر على أنها أميرة من المملكة الشرقية، ماذا كان يُنتظر منكِ أن تفعلي حيال ذلك؟”
قالت هيلينا ذلك، ولم تفتها الفرصة للمشاركة، سرعان ما جعلتها أمها وأخواتها تبدو كالمشاكسة في عائلة برونتي، ولعدم وجود من يقف إلى جانبها، لم تستطع فعل شيء سوى البكاء.
‘كنت غبية، كان بإمكاني فعل الكثير، حتى مع عدم وجود أي شخص في صفي.’
تلاشت كل العواطف عن وجه أريانا وهي تغادر غرفة فيكتوريا بعد ذلك الدرس السخيف، سارت في الممر، محدقة في الصوبة الزجاجية الضخمة بالخارج، كان الخدم يهرعون لتزيين هذا المكان لحفل الغد.
بلا شك، كانت هيلينا وفيكتوريا متحمستين للأمر.
ابتسمت أريانا ابتسامة خفيفة.
‘وأنا أيضاً أتطلع لذلك الحفل.’
* * *
كان بعد ظهر يوم بارد بشكل خاص في شهر فبراير، من عام 210 تقويم روطان، كانت عربات النبلاء تتدفق إلى قصر برونتي، الذي يقع في ويستون، وهي مدينة في المملكة الغربية، برزت بعض هذه العربات بزخارفها الفاخرة، وجميعها تخص نبلاء من عاصمة إمبراطورية كاميريا.
لاحظ إيزاك، الذي كان يراقب العربات القادمة من فوق شجرة بالقرب من البوابة الرئيسية للقصر “رايتشل مصممة على تقديم بعض العائلات القوية لبناتها، لا بد أن هذا كلفها الكثير من المال.”
كان سايروس يتفحص الأشخاص الذين يترجلون من العربات، بلا شك، كان لدى بعضهم علاقات وثيقة بحاكم الغرب، ربما حتى أنهم ساعدوه في حادثة معينة في الماضي.
التفت إيزاك إلى سايروس بتعبير مرح “أتعلم، أود حقاً رؤية ملامح وجوههم عندما تظهر في ذلك الحفل، ما رأيك في زيارتهم؟”
“تريد مني أن أتكبد كل هذا العناء لمجرد تسليتك؟”
“ألا تجد الفكرة جذابة؟، ستكون قد أسديت معروفاً لصديقك، ستُفتن الآنسات عندما يرينك، في الواقع، قد تُصاب الابنة الكبرى لبرونتي بنوبة صرع من فرط الحماس.” كان إيزاك يعرف هوس هيلينا بسايروس، الذي وصل لدرجة أنها علقت صورته في غرفتها.
رد سايروس ببرود “هذا آخر شيء أريد رؤيته.”
“على أية حال، لاحظت بعض الخادمات يتوجهن إلى غرفة الابنة الثانية، بعد تلقي تعليمات من الأولى، ألن تذهب لتعرف ما الذي يدور حوله الأمر؟”
عقد سايروس حاجبيه “لماذا أفعل ذلك؟”
“أنت تريد مساعدة تلك الفتاة، أليس كذلك؟”
“أنا؟” تحولت عينا سايروس إلى الجليد.
“نعم، أنت.”
“ربما يكون لي حاجة لها يوماً ما، لكنني أرفض تدليلها وكأنني أمها.”
“آه.”
لم يبدُ إيزاك مقتنعاً، لكن سايروس تجاهله، وبينما كان الرجلان يراقبان النبلاء من الأشجار، كانت أريانا تُجهز للحفل من قبل بعض الخادمات.
“قدمت لكِ الآنسة هيلينا هذه كهدية… يا آنستي.”
أضافت الخادمات لقب التشريف الأخير بتردد واضح، وألقين أكواماً من الملابس وصناديق الحلي على أرضية الغرفة الصغيرة، ثم بدأن في تجهيزها دون طلب إذن، بتمشيط شعرها بقسوة، غيرن ملابسها ووضعن المساحيق على وجهها.
وقفت أريانا ثابتة أمام المرآة وتركتهن يفعلن ما يحلوا لهن، مراقبةً بتسلية هادئة كيف يتحول وجهها ببطء، جُدل شعرها الأزرق السماوي في ضفائر كأنها طفلة، ووُضع مسحوق لتغميق بشرتها البيضاء، رُسمت حاجباها بشكل سميك للغاية، ورُسمت عيناها باللون الأحمر، وطُلي خداها بظل وردي داكن.
بعد أن انتهت الخادمات، بدت أريانا في حالة مروعة، بمكياج أقوى بكثير مما يتطلبه عمرها، كان الفستان الذي اخترنه لها بلون أصفر فاقع وغير لائق، كان يغطي ذراعيها ورقبتها بالكامل، وكانت التنورة التحتية واسعة جداً لدرجة أنها توحي بصورة طفلة تلعب بالملابس التنكرية.
‘إنهن خادمات هيلينا، لكن بلا شك فيكتوريا هي من أعطتهن التعليمات.’
هكذا كانت تتصرف فيكتوريا دائماً، كانت تختبئ في الظلال، مستعدة لتجنب اللوم في حال حدوث أي خطأ، ورغم صغر سنها، كانت تعرف كيف تتلاعب بالناس وتستخدمهم، إذا كانت هناك مشكلة بشأن ملابس أريانا، فستدعي مجدداً أن خادمات هيلينا هن المسؤولات، ليس أن مثل هذا السلوك كان يُعاقب عليه يوماً في هذا القصر.
التقطت الخادمات الحلي بعد أن انتهين من مكياج أريانا.
“سأفعل ذلك بنفسي.”
فزعت الخادمات عندما تحدثت أريانا فجأة لأول مرة منذ وصولهن، وبنظرة باردة، كررت “سأقوم بالبقية بنفسي، اخرجن.”
ذهلت الخادمات، فرغم أن أريانا ابنة لهذه العائلة أيضاً، إلا أنها لم تخاطبهن أبداً بهذه النبرة الآمرة من قبل، كانت تتصرف بخجل وخوف حتى أمام الخدم، وشعرت الخادمات بالاستياء من هذا التحول المفاجئ في موقفها.
“لكن الآنسة فيكتوريا أوكلت إلينا المهمة.”
“أنتن خادمات هيلينا، أليس كذلك؟”
أشارت أريانا، تبادلت الخادمات نظرات حذرة.
“أعطتنا كل من الآنسة هيلينا والآنسة فيكتوريا التعليمات، لا يوجد وقت، من فضلكِ ارتدي هذا العقد—”
“أليس لديكن أخلاق؟، أخبرتكن مرتين بالفعل أنني سأفعل ذلك بنفسي، إلى متى ستتجاهلن أمر ابنة العائلة؟”
بدت نبرة أريانا الهادئة وكأنها تجمد الهواء من حولهن، حينها فقط تذكرت الخادمات أن أريانا هي أيضاً من عائلة برونتي، مع تقبل أريانا لإساءة عائلتها دون شكوى، بدأ الخدم بشكل طبيعي يرون أنها لا شيء، ولم تكن هناك عواقب لمعاملتها كذلك، لكن أريانا التي تتحدث إليهن الآن بدت كشخص مختلف تماماً، ورغم تسريحة شعرها السخيفة وفستانها الطفولي، كان هناك شيء مخيف وغامض فيها.
لا هيلينا، ولا فيكتوريا، ولا حتى الدوقة رايتشل، ابنة حاكم الغرب، كن يمتلكن هذا الحضور، كان هذا هو الوقار الذي أجبرت أريانا نفسها على تعلمه في محاولتها اليائسة لتصبح مفيدة.
وجدت الخادمات أنفسهن خاضعات، وانحنت رؤوسهن قبل أن يدركن ذلك، وبمراقبتهن ببرود، قالت أريانا “هل عليّ أن أجعلكن تُضربن؟، هل هذا حين ستفهمن؟”
“لـ-لا يا آنستي، لكن الآنسة فيكتوريا قالت أن نحضركِ إليها فوراً—”
لم يبدُ أن احترام الخادمات الجديد قد خفف من غضب أريانا.
“هل تظن أنني لا أستطيع إيجاد طريقي إلى الحديقة؟”
“لا، الأمر ليس هكذا—”
“سأذهب بنفسي، أريدكن جميعاً أن تخرجن.”
تبادلت الخادمات النظرات، ثم غادرن الغرفة.
كانت أريانا تعلم أنهن سينتظرن في الممر بالخارج، لكنها لم تستعجل.
فحصت مظهرها في المرآة، ابتسمت وخلعت الفستان، كان القماش عالي الجودة، رغم التصميم القديم، استخدمته لمسح مكياجها، وبارتدائها فستان الخادمة الرث الذي كانت ترتديه من قبل، تحققت من الصندوق المليء بالمجوهرات.
ورغم أن معظمها أصبح خارج الموضة، إلا أن الإكسسوارات بالداخل كانت باهظة الثمن، ربما هيلينا وفيكتوريا لا تتذكران حتى ما وضعتاه داخل الصندوق، أخذت أريانا بضع قطع بدت أغلى من غيرها ودفعتها عميقاً في درج مكتبها، ثم ألقت نظرة على نفسها في المرآة قبل مغادرة الغرفة.
‘اللحظات القادمة ستكون حاسمة، أحتاج إلى حفر وضعي الحالي في ذهنها بوضوح، هذا آخر شيء سأتمكن من فعله في هذا المنزل.’
أرادت أريانا إبلاغ إحدى ضيوف الحفل -الدوقة جوليانا لوفينتا- عن محنتها الحالية.
كانت عائلة لوفينتا على علاقة وثيقة بحاكم الشرق وكان لها نفوذ في الإمبراطورية، حتى رايتشل لم تكن تستطيع معاملة الدوقة لوفينتا باستهانة.
بالطبع، لم يكن هناك ضمان بأن المرأة ستخبر حاكم الشرق بما رأته حتى لو علمت كيف تُعامل أريانا، كما لم يكن واضحاً ما إذا كان حاكم الشرق سيهتم لإنقاذ ابنته.
لكن مع ذلك، يمكن للدوقة أن تكون بمثابة جسر صغير بين المملكة الشرقية وأريانا، على الأقل، عندما تقف أمام حاكم الشرق يوماً ما، لن يشك في أنها تعمل لصالح المملكة الغربية.
ومع ذلك، لم يكن هذا هو هدف أريانا الرئيسي.
‘سأمهد الطريق لهروبي من هذا المكان.’
ستجعل رايتشل تؤمن بأنه من غير المستحسن إبقاء أريانا مخفية في القصر بعد الآن.
‘لا يمكنني البقاء محبوسة هنا وينتهي بي الأمر بالزواج من ذلك الرجل الرهيب، كما في المرة السابقة.’
كانت هذه لحظة حاسمة، أفعالها اليوم ستقرر مستقبلها، وكانت هناك فرصة لأن تكون هذه آخر فرصة لها لاتخاذ قرار مستنير بشأنه، كانت بحاجة إلى الاستفادة القصوى منه، وكما كان متوقعاً، كانت الخادمات ينتظرنها في الممر، اتسعت أعينهما عندما خرجت أريانا وهي تبدو على طبيعتها، وذهبت ساعة عملهن هباءً.
التعليقات لهذا الفصل " 11"