قلب سايروس كفه للأعلى ورفعه قليلاً، تشكلت بضع قطع صغيرة من الجليد تشبه حبات البرد التي تساقطت قبل قليل على كفه، ثم تلاشت “إنه سحر بسيط.”
“هذا مثير للاهتمام.”
“نظرتكِ تقول عكس ذلك، لقد أسديتُ لكِ معروفاً آخر للتو.”
“هل طردتَ رايتشل -والدتي- بعيداً؟”
تجاهل سايروس هذا السؤال، محدقاً في وجه أريانا مباشرة، وأضاف “لماذا استفززتِ تلك المرأة؟”
“كنت أسألها فقط عن شيء كنت أتساءل عنه منذ فترة، لم أستفزها عمداً.”
“آه.” لم يبدُ مقتنعاً.
“على أية حال، لم أكن أعلم أنك لا تزال هنا، لو جعلت حضورك معروفاً، فأنا متأكدة من أنهم سيكرمونك كضيف لديهم.”
“لا أحبّ على وجه الخصوص أن أُعامل كضيف.”
“لكن إذا نمتَ فوق شجرة في هذا الطقس البارد وأصبتَ بنزلة برد، فسيحزن معجبوك كثيراً.”
“هل ستكونين من ضمنهم؟”
“سأبكي حتى أنام كل ليلة.”
“لا أعرف شيئًا بشأن هذا، أعتقد أنكِ ستستمتعين بالأمر.”
‘كم أنت فطن.’ ابتسمت أريانا ابتسامة خفيفة، دون أن تدع ملاحظته تظهر. “تبدو مشغولاً، سأتركك لتكمل أياً كان ما كنت تفعله.”
“توقفي هنا أيتها الآنسة بـلا اسم، التي لن أجد مناسبة لأناديها بأي اسم.”
‘عن ماذا يتحدث؟’ توقفت أريانا في مسارها، مشوشة، ثم تذكرت ما قالته له وهي تغادر مخزن المؤن ‘أشك أنك ستجد مناسبة لتنادي عليّ بأي اسم.’ من كان يظن أن سايروس لا يزال يتذكر؟، بإخفاء حيرتها، حدقت فيه بهدوء.
قال سايروس “آنستي بـلا اسم، دعيني أسدي إليكِ نصيحة.”
“لا، شكراً لك.”
“سأقدمها لكِ دون أي التزامات.”
“ما زلت أرفض، يا صاحب السمو.”
“آنسة بـلا اسم—”
“صاحب السمو؟، فقط نادني أريانا، من فضلك،” قالت بتنهيدة.
أومأ سايروس برأسه باقتضاب “أريانا إذن، عليكِ فعل شيء بشأن عينيكِ.”
“عذراً؟”
اقترب سايروس ونظر إليها، متتبعاً بأصابعه برفق محيط عينيها “لن تسرعي بموتكِ إلا بإيواء مثل هذا العداء في عينيكِ بينما تمتلكين جسداً واهناً كهذا.”
“لديك نفس العداء في عينيك.”
“يمكنني تحمل ذلك، لأنني قوي.”
“أحسدك، لو كنتُ قوية مثلك، لاستطعت التعبير عن مشاعري بالكامل.”
“أي مشاعر تلك، بالضبط؟”
انتشرت ابتسامة رقيقة على شفتي أريانا، جميلة كشروق الشمس الذي يطرد الظلام من العالم.
“أنت رجل مشغول يا صاحب السمو، لماذا تضيع وقتك في معرفة مشاعري التافهة؟، آمل أن تتمكن من إنهاء أعمالك هنا قريباً.”
“هل تخبرينني بالتوقف عن التدخل في شؤونك والرحيل؟”
“بالطبع لا.”
انحنت أريانا له قليلاً واستدارت مبتعدة.
وقف سايروس في مكانه مسمراً، يراقبها وهي تبتعد، كانت هناك أناقة في خطوتها البطيئة نادراً ما رآها حتى بين النبيلات، لم يرفرف طرف فستانها بالكاد، وتحركت قدماها دون تردد.
قفز إيزاك من الشجرة ووقف بجانب سايروس “لم أعتقد إنها يمكن أن تبدو بهذه الأناقة بملابس كهذه!، إنها لا تبدو كطفلة على الإطلاق، خاصة في طريقة حديثها.”
“إنها في السادسة عشرة، وهي بالفعل امرأة في حد ذاتها.”
“هل سبق ورأيت أي فتاة في السادسة عشرة تبدو بنصف رشاقتها؟، الأميرة لا تُحتسب، ولا أنت، تلك الفتاة، من ناحية أخرى، لم تولد في ظروفك، وأشك أن رايتشل برونتي علمتها آداب البلاط الإمبراطوري.”
صمت سايروس للحظة.
“بالمناسبة يا سايروس، لقد ساعدتها مرة أخرى،” أضاف إيزاك.
“كما قلت، أسديتُ لها معروفاً، سيجعل ذلك من السهل استخدامها لاحقاً.”
* * *
ألقت أريانا نظرة على انعكاس صورتها في النافذة بينما كانت تسير في الممر، كان الوجه المنعكس في الزجاج المصقول صغيراً وواهناً وغير مبالٍ، لكن عينيها الزرقاوين كان لهما نظرة ثاقبة، أغمضت عينيها برفق للحظة، ثم فتحتهما مجدداً، تلاشت الكراهية والعداء منهما. ‘إذاً هل كنت أتجول بنظرة كهذه في عيني؟’
لم يهتم أحد في القصر بما يكفي بمشاعر أريانا ليلاحظ الحبّ أو الكراهية في عينيها، ولكن إذا لم تحافظ على سيطرتها على تعابير وجهها، فقد يدرك أحدهم نواياها الحقيقية يوماً ما، كان سايروس محقاً. ‘سأضطر لأن أكون أكثر حذراً من الآن فصاعداً.’
أزعجها أن سايروس لاحظ هذا فيها، كان لديها شعور بأنه قد يكشف بعض نقاط ضعفها قريباً، لكنها طردت الفكرة. ‘إنه يحكم المملكة الشمالية، لماذا يضيع وقته في البحث عن نقطة ضعفي؟’ ومع ذلك، كان الأمر مقلقاً أنه لا يزال يراقب قصر برونتي.
كانت تعلم أن الأمور لن تسير وفقاً للخطة دائماً في حياتها الجديدة، حيث ستؤثر أفعالها على المستقبل، حتى مع معرفتها من حياتها السابقة، كانت تنوي التعامل مع هذه المخاوف لاحقاً، كان من المثير للقلق أنها واجهت شخصاً غير متوقع -حاكم الشمال- بعد وقت قصير من عودتها.
‘لا أعرف متى تسلل إلى الداخل، لكنه كان هنا لبضعة أيام على الأقل، في حياتي السابقة، على الرغم من الشائعات بأنه سيأتي، لم يظهر أبداً، هل أطلق تلك الشائعات عمداً ليكون لديه عذر إذا ضبطه أحد وهو يتسلل؟’ إذا كان هذا هو الحال، فقد يراقب عائلة برونتي قليلاً أكثر ويعود إلى مملكته دون أن يكشف عن نفسه أبداً.
لا يمكن أن يكون يراقبهم من طيبة قلبه، لم تكن متأكدة من أي عداء، إن وجد، بين عائلة سايروس وعائلة برونتي، لكن أريانا لم ترد أن تكون جزءاً من ذلك.
كان سايروس، مع ذلك، يراقبها عن كثب لدرجة أنه لاحظ النظرة في عينيها، وهذا ما جعلها قلقة. ‘ستصبح الأمور صعبة للغاية إذا قرر حاكم الشمال التدخل في خططي الآن…’ كان من السهل التعامل مع عائلة برونتي، لكنها لم تكن تمتلك القوة بعد لمعارضة سايروس، سارت وهي تأمل ألا تقابله مرة أخرى.
كانت فيكتوريا تمشي نحوها من الطرف الآخر للممر، كانت فيكتوريا فتاة جميلة ذات شعر أشقر فاتح وعينين خضراوين صافيتين، مثل الغربيين، كانت بشرتها ضاربة إلى النحاسي قليلاً، وكانت تشبه رايتشل كثيراً، لقد وثقت أريانا بفيكتوريا، التي تصغرها بعام واحد، واهتمت بها، دون أن تدرك أنها كانت أخطر حتى من هيلينا، لقد دفعتها فيكتوريا، التي تظاهرت بالاهتمام الشديد بأريانا، إلى مستنقع أعمق، أدركت أريانا متأخرة أن فيكتوريا هي العقل المدبر الذي كان يتحكم بهيلينا محدودة الذكاء، ويقود أريانا إلى حتفها.
“أريانا،” قالت فيكتوريا، مقتربة بابتسامة، تساءلت أريانا عما تخفيه فيكتوريا خلف تلك الابتسامة اللطيفة والمرحة، قطبت فيكتوريا حاجبيها، ناظرة إلى أريانا بقلق “كانت الأم توبخكِ قبل قليل، أليس كذلك؟، هل أنتِ بخير؟”
“نعم، أنا بخير.”
“حقاً؟”
“نعم،” قالت أريانا بابتسامة هادئة، فوجئت فيكتوريا قليلاً، ففي العادة كانت أريانا ستنفجر باكية وتبدأ في الثرثرة بقهر، أضافت أريانا “أتساءل هل ستحبّني الأم أكثر لو تصرفت كبالغة، مثلكِ تماماً؟” السؤال الأحمق أراح بال فيكتوريا، رغم أنه أثار حيرتها قليلاً.
الآن وقد أصبحت أريانا تتصرف بهدوء تام، بدت كشخص مختلف تماماً، الملامح الجميلة التي كانت تخفيها ملابسها الرثة وشعرها غير المصفف وتعبيرها الكئيب، أصبحت الآن تشرق كالشمس وهي تطلع من خلف قمة جبل.
كانت تمتلك البشرة الشاحبة لأهل المملكة الشرقية، التي تحسدها عليها نساء المملكة الغربية، وكان شعرها الأزرق السماوي الفاتح الذي ورثته من حاكم الشرق يبدو أكثر إبهاراً من المعتاد، كانت أريانا تمتلك ملامح متوازنة تماماً وعينين زرقاوين جذابتين تشبهان عيني القطط. ‘لم أكن أعلم أنها بهذه الجمال.’
كانت فيكتوريا تعلم أن أريانا جميلة، لكن الطريقة التي كانت تسير بها بكتفين منحنيين ونظرة حزينة على وجهها كانت تحجب جمالها دائماً، في مرحلة ما، كانت فيكتوريا تغار من جمال الفتاة أيضاً، لكنها تعلم الآن أن المظهر ليس كل ما يهم في المرأة، لم تعد تغار من أريانا، لن تظهر أريانا أبداً في المجتمع الراقي على أية حال، وسيكون من الحماقة أن تعتبرها منافسة لها من حيث السحر.
بالنسبة لفيكتوريا، كانت أريانا مجرد أداة تستخدم للسيطرة على هيلينا، حتى الآن، على الأقل. ‘لا يمكنني السماح لها بتقليدي.’ رسمت فيكتوريا ابتسامة سريعة على وجهها وشبكت ذراعها بذراع أختها.
“أريانا، ما الذي تقولينه؟، الجميع يحبّونكِ.”
“لكن الأم دائماً توبخني، ولا أحد آخر…”
“أريانا، ألا تعلمين أن ذلك لأنها تحبّكِ أكثر منا بكثير؟، إنها تتوقع منكِ الكثير، هذا كل ما في الأمر.”
“هل تعتقدين ذلك حقاً؟”
“بالطبع، الآن، كفى من هذه الأفكار السخيفة، لنذهب إلى غرفتي، اشترى لي والدي بعض البسكويت اللذيذ بالأمس، احتفظت ببعضه لكي آكله معكِ.”
“أحسدكِ، هل أحضر لكِ والدي البسكويت؟”
لم تلاحظ فيكتوريا، التي كانت تمشي بجانب أريانا متشابكة الأذرع، النظرة على وجه أختها، وعلى الرغم من كلماتها، لم يظهر وجه أريانا أدنى تلميح للحسد. ‘ما زلتِ خرقاء حتى الآن يا فيكتوريا.’
لقد تلاعبت بها فيكتوريا حتى لحظة موتها، وكانت أريانا تشعر بالرهبة من احتمال مواجهتها مرة أخرى.
تساءلت متى بدأت فيكتوريا في التحكم بالناس من خلف الكواليس بهذه الطريقة.
الحادثة التي ستحدث في حفل الحديقة غداً سيتم تدبيرها من قبل فيكتوريا، هذا مؤكد، لكن الفتاة لم تتقن أسلوبها بعد، موقف فيكتوريا تجاه أريانا كان أيضاً غير كفء في أحسن الأحوال — فقد أبدت ارتباكاً عندما لاحظت أن أريانا قد تغيرت قليلاً، هذا سمح لأريانا بالاسترخاء قليلاً.
كانت غرفة فيكتوريا ضخمة وفاخرة، بعيدة كل البعد عن غرفة أريانا، كانت تحتوي على غرفة استقبال، وحمام، وحتى غرفة ملابس، في حياتها السابقة، كانت أريانا تشعر بالحسد كلما دخلت هذه الغرفة، جلست فيكتوريا على كرسي أبيض بالقرب من طاولة الشاي وأشارت إلى الكرسي المقابل.
“يمكنكِ الجلوس هناك.”
فعلت أريانا ذلك، ونادت فيكتوريا خادمة وأخبرتها بإحضار الشاي والبسكويت، عادت الخادمة بصينية فضية محملة بأكواب شاي باهظة الثمن وإبريق شاي لم ترَه أريانا من قبل.
وضعت الخادمة الصينية، وأمرتها فيكتوريا بالانصراف، ثم سكبت بعض الشاي لأريانا بنفسها، كان الشاي الأسود الذي ملأ الكوب الأبيض الصيني يتصاعد منه البخار الساخن.
قالت فيكتوريا بنبرة آمرة “الآن اشربي.”
أطاعت أريانا، نافخة على الشاي لتبريده قليلاً، قطبت فيكتوريا حاجبيها قليلاً “لا يا أريانا، ليست هذه الطريقة التي يُشرب بها الشاي، ألم يعلمكِ أحد آداب طاولة الشاي المناسبة؟”
قالت فيكتوريا بنبرة مليئة بالشفقة، تماماً كما فعلت في الحياة السابقة، كانت أريانا حينها مرتبكة، ووجهها محمر وغير قادرة على الرد.
راقبتها فيكتوريا بابتهاج.
فعلت أريانا الشيء نفسه هذه المرة، واضعة الشاي جانباً متظاهرة بالحيرة “لكنه ساخن جداً لدرجة لا يمكن شربه على الفور.”
“أريانا، ماذا كنتِ تظنين أن هذا مخصص له؟”
قالت فيكتوريا، مشيرة إلى الصحن.
حدقت أريانا فيها بذهول، وتنهدت فيكتوريا بهدوء وهي ترفع كوب الشاي الخاص بها، سكبت بعض الشاي في صحنها ورفعته، ثم ارتشفته بصوت عالٍ “عليكِ سكب القليل في الصحن، وتركه يبرد قليلاً، وارتشافه بأعلى صوت ممكن، كلما ارتفع صوتكِ، زاد المديح لمن قدم الشاي.”
راقبتها أريانا كما لو كانت تشاهد مسرحية مثيرة للاهتمام. ‘إنكِ تحاولين جاهدة إهانتي في العلن يا فيكتوريا.’
التعليقات لهذا الفصل " 10"