1
الانستا: aahkk_7
***
●●
تقريرٌ تأمليّ عن حياتي في المرحلة الثانوية
بقلم: هيكيغايا هاتشيمان – الصف 2-F
إنّ الشباب كذبة، بل هو شرٌّ محض.
الذين يُغدقون بالمديحِ على سنوات المراهقة بلا انقطاع، إنّما يكذبون على أنفسهم قبل أن يكذبوا على الآخرين. هؤلاء يفسّرون كل ما يحيط بهم بوصفه دليلًا يؤكّد قناعاتهم الواهية. وحين يرتكبون أخطاءً فادحة، تراهم يعدّون تلك السَّقطات ذاتها دليلًا على “جمال التجربة”، وينظرون إليها لاحقًا كذكرى برّاقة من ذكرياتِ العمر.
فعلى سبيل المثال، حين يلوّث أمثالهم أيديهم بأفعال مشينة—كالسرقة أو العنف أو غيرها من الانحرافات—يُسمّون ذلك “طيش الشباب”.
وحين يرسبون في الامتحانات، يختبئون خلف شعار: “المدرسة ليست للدراسة فقط”. إنهم قادرون على لَيّ كلّ معنًى، وتشويه كلّ قاعدة، وكلِّ تفسير سويّ، في سبيل تقديس كلمة واحدة: الشّباب.
في نظرهم، الأسرار والأكاذيب، بل حتى الأخطاء والجرائم، ليست إلا بهارات التّجربة. ومن خلال زلّاتهم وانحرافاتهم، يتوهّمون أنهم بَلغوا فَرادَتهم الخاصّة، ثم يلخّصون إلى أنّ فشلهم كان—بطريقة ما—جزءًا أصيلًا من التجربة المثالية للمراهقة… لكن فشل الآخرين؟ ذاك في نظرهم مجرد سقوطٍ تافهٍ لا قيمة له.
وإن كان الفشل هو دليل “التجربة الشّبابية”، أليس الانعزال، والوحدة، والعجز عن تكوين صداقات… هو أسمى درجات تلك التّجربِة؟
لكنّهم —بطبيعة الحال— لن يعترفوا بذلك أبدًا.
ذلك لأن مبادئهم ليست سوى أعذار، وقناعاتهم مبنية على الهوى والمصلحة. وبذلك فإن أساسها كلّه زيف، والكذب والخداع والتستر والتزييف… جميعها أمور مدانة. وهؤلاء الذين يتغنون بالشباب هم، في جَوهرهم، أهل ضلال.
وبالمقابل، يصبح الذين لا يمجّدون تلك المرحلة هم وحدهم السائرون على جادة الحق.
وفي الختام:
يا أهل الهبة والقطيع… فلتَخِرّوا في النّار.
●●
وبرَدَتْ عُروقُ جبينها غضبًا حتى كادت تُعلِنُ استقلالها. بينما كانت معلّمتي للّغة اليابانيّة، شيزوكا هيراتسوكا، تتلو مقالتي بصوتٍ يُذكِّرُ بهدير الرعد حين يَغضَبُ على الجبال، في حين إجبارِ المرء على الإصغاء إلى خيبته الأدبيّة بهذه الطريقة؛ والتي كانت كفيلةً بأن تجعله مدركًا للحقيقة المُرّة: لا زلتُ، للأسف، تلميذًا يكتبُ كأن الكلماتِ عبءٌ ثقيلٌ على الورق.
كنتُ قد حبكتُ مقالًا كلّ ما يحتويه مجرّد إسرافٍ هادرٍ في المفردات الطويلة،
كانت محاولةً يائسة منّي لأبدو ذكيًا—محاولةٌ لا يقوم بها إلا روائيٌّ كُدّست كُتبه، وكَسرت أرفف المكتبات ظهره.
هل هذا، يا تُرى، سببُ استدعائها لي؟
لا، بالطبع لا، كنت أعلم أن حظّي العاثر أكثر تنوّعًا من ذلك.
أنهت هيراتسوكا القراءة، وضغطت براحَتها على جبينها كمن ينتظر إشعارًا بالسعادة في بريدٍ إلكتروني مليء بالإعلانات، ثم أطلقت تنهيدةً طويلة.
“اسمع يا هيكيغايا… ما الواجب الذي طلبتُه منكم؟”
“أمم… كان علينا، كتابة مقال عن التأمّل في حياتنا الدراسيّة.”
“صحيح؛ فكيف تحوّل مقالك إلى مقدّمة لمجزرةٍ مدرسيّة؟ هل تنوي تفجير الصف؟ أم أنك… فقط… أحمق؟”
وعادت تُبعثر شعرها بقَلَق امرأةٍ تشكّ في أن البشرية قرارٌ سيّئ.
حقيقةً… كلمة معلّمة تبدو رسمية أكثر من اللازم بالنسبة لما أراه، فمسؤولة الانضباط فتمتلك تلك الجاذبية الخطرة. وما إن مرّ هذا الخاطر بذهني حتى هوت فوق رأسي رزمة أوراقٍ كأنها حكمٌ سماوي.
“انتبه.”
“حاضر يا… حضرة الانضباط.”
حدّقت فيّ وقالت: “هذا البريق في عينيك… يشبه عيني سمكةٍ فاسدة.”
“فاسدة؟ ألا تقصدين… غنيّة بالأوميغا 3؟ يعني أن شكلي صحّي… وذكي!”
ارتفعت زاوية شفتيها إلى نصف ضحكةٍ تهدّد بالتحوّل إلى صفعة.
“هيكيغايا… ما جدوى هذه الثرثرة المتذاكية التي كتبتها؟ إن كان لديك عذر؛ فأدلي به الآن.”
كانت نظرتها حادّة لدرجة أني ظننتُ أن البصر قد اكتسب صوتًا، ومع أنها غير قبيحة إطلاقًا؛ فقد كانت نظرتها تملكُ قدرةً خاصّة على تذكيرك بقدر صِغَر حجمك في هذا الكون.
لقد أرعبتني… بجمالٍ عدائيّ.
“أ أه… لقد تأمّلت في حياتي المدرسية، فعلًا! أعني… هكذا يعيشُ طلاب الثانويّة اليوم، أليس كذلك؟! كلّه… تقريبًا… صحيح!” تلعثمت.
يكفيني وجودُ إنسانٍ آخر في الغرفة كي تتعقّد لغتي؛ فكيف إن كانت امرأةً أكبر منّي؟ هذا مستوًى أصعب من الامتحان.
“أعادةً يا هيكيغايا، تتأمّل في حياتك أنت.”
“ولو قلتِ ذلك بوضوحٍ منذ البداية لكتبتُ شيئًا آخر! المشكلة مشكلة توجيه.”
“لا تُجادلني يا ولد.”
“ولد؟ حسنًا… بالنسبة لِمَن في عُمرك، قد أبدو كذلك.”
هبّت نسمة خفيفة.
وفي لحظةٍ كانت أشبه بدورةٍ غير متوقّعة من حجر-ورقة-مقص، هوت حجَرتها بلا إنذار بجانب رأسي،
كادت قبضتها المتينة أن تعيد ترتيب وجهي.
“في المرّة القادمة سأتأكد من أن الضربة ستصيب.” قالتها بجدّيةٍ لا تعرف المزاح.
“آسف… سأعيد كتابة المقال.” الجملة الفضلى للنجاة من الموت الأكاديمي.
لكن ملامحها لم تُبدِ أيّ رضًا. يا ساتر… ألم يبقَ لي إلا خيار السقوط أرضًا والتوسّل؟
ربّتُّ على سروالي لأزيل التجعّدات، وثنيتُ ركبتي، وشرعتُ أقترب من الأرض بوَقارٍ غريب.
“لستُ غاضبة منك.”
آه، ها قد جاءت؛ الجملة التي تعني عكسها تمامًا. تلك الجملة التي لم ينطق بها بشرٌ قطّ إلا وكان في بركان غضبه.
لكن، ويا للعجب، بدا أنّ هيراتسوكا صادقة هذه المرة—باستثناء الجزء المتعلّق بعمرها الذي أغضبها، طبعًا؛ فأعدتُ ركبتي إلى مكانها، وأنا أحاول استعادة ما تبقّى من كرامتي.
كانت تضرب بسبابتها على فلتر السيجارة مرّتين فوق المكتب، كأنها موظّفٌ في منتصف العمر ضاق ذرعًا بالروتين—لا كمعلمةٍ في مؤسسة تربوية، وما إن انتهت من حشو التبغ حتى أشعلت ولاعتها الرخيصة؛ لتنفث دخانًا كثيفًا بينما تحدّق فيّ من جديد بنظرةٍ جادّة كأنها ستصدر حكمًا قضائيًا لا مراجعة فيه.
“أنت لم تحاول الانضمام لأي نادٍ، صحيح؟”
“لا… يا معلمة.”
“وهل لديك أصدقاء؟” سألت بصوتٍ يعلم مسبقًا أن الإجابة مكتوبة على وجهي منذ ولادتي.
“شـ شعاري في الحياة هو معاملة الجميع على قدم المساواة؛ و ولهذا فإن سياستي… ألّا أقترب من أحد أكثر من الآخر!”
“أي بكلماتٍ أقل تزيينًا: لا أصدقاء لك.”
“إذ… إذا أردتِ قولها بهذه الصراحة…”
ثمّ،
أشرق وجهها بالحماس فجأة: “حسنًا! إذن لا يوجد! كما توقعت تمامًا! لقد عرفت ذلك مذ أن رأيت تلك العينين الفاسدتين البائستين لديك.”
حقًّا؟ رأيتها في عيني؟ إذن لما تسألين؟!
هزّت رأسها باقتناع، ثم نظرت إليّ بخجلٍ غريب: “هل لديك… صديقة؟ أو… شيئًا كهذا؟”
أو شيئًا كهذا؟
ما الذي قد يندرج تحت ” شيءٍ كهذا” بالضبط؟ وكيف ستتصرّف لو قلتُ لها إن لديّ… صديقةً مثلًا؟
“ليس حاليًّا.” حرصتُ على وضع نبرةٍ فيها بصيص أمل للمستقبل؛ لعل الكون يلتقط الإشارة.
“فهمت…”
هذه المرة امتلأت عيناها بشيءٍ رطبٍ مريب. أرجو—أتمنى—أن يكون ذلك مجرد تهيّج من دخان السجائر، بالله عليكِ… لا تنظري إليّ بتلك النظرة المُتعاطفة الفاترة، إنها أشبه بمن يمسح على رأس كلبٍ ضائع.
لكن… ما الذي تسعى إليه بكل هذه الأسئلة؟ هل تظن نفسها بطلةَ فيلمٍ تحفيزي حيث المعلم يلهم الطالب الضائع ليغيّر حياته؟ هل سأسمع قريبًا جملةً مستلهمةً من دراما رديئة؟ وإذا كانت بطلة الفيلم عائدةً لمدرستها القديمة، فاللهم عجّل بخروجها منها.
أطلقت هيراتسوكا زفرةً ممتلئة بالدخان بعد لحظة تأمّلٍ قصيرة.
“حسنًا… لنقل هذا: أعد كتابة التقرير.”
“أمركِ.”
حسنًا، سأكتب هذه المرة تقريرًا عاديًّا جدًّا… تقريرًا يصلح كمدوّنةَ آيدول: “اليوم أكلت… الكاري!”
مهلًا، ما الهدف من نقاط الحذف؟ لا شيء على الإطلاق؛ فما بعدها غير مبهر أصلا.
إلى هنا، كان كل شيء مفهومًا ومنسجمًا مع قوانين الطبيعة، لكن ما قالته بعد ذلك… تجاوز حدود الخيال.
“مع ذلك، كنتَ بليدًا بما فيه الكفاية لتتعامل معي بقسوة، وجرّأت على التلميح لعُمري! ألا تعلم أن عمر المرأة هو سر محرّم عليك ألا تذكره ؟ إذًا… سأحكم عليك بعقوبة خفيفة… خدمة مجتمعية! نعم، لا بد أن يكون هناك عقاب يتناسب مع جريمة كهذه!”
قالت هذا بمرحٍ طفوليّ، بطريقةٍ جعلتني أشك أنها تغضب أصلًا، أو لعلها… صارت أكثر مرحًا من المعتاد؟!
وكأن كلمة “مرِحة” رُبطت في ذهني تلقائيًا بكلمةٍ أخرى: صدر.
انزاحت عيناي، مثل كلبٍ ضال، إلى تضاريس سترتها التي قاومت الجاذبية بجهدٍ واضح – يا للانحطاط – لكن بحق خالق السماء، أيّ مخلوقٍ طبيعي قد يفرح بالعقاب بهذه الطريقة؟
“خدمة مجتمعية؟ ماذا تريدينني أن أفعل؟”
سألت بخوف، متوقعًا أن تطلب مني تنظيف المجاري… أو خطف أحدهم… لا أعلم.
“اتبعني.”
أطفأت سيجارتها في منفضةٍ امتلأت من شدّة استخدامها، ثم نهضت دون شرحٍ أو تمهيد.
توقفت عند الباب، ولاحظت أني ما زلتُ متجمّدًا في مكاني. فالتفتت:
“هيّا، أسرع.”
مذعورًا من نظرتها متكتّفةِ الحاجبين، لحقت بها.
مبنى ثانوية سوبو البلدية في مدينة تشيبا هو لغز معماريّ؛ لو رأيته من الأعلى، لظننت أنه النسخة المشوّهة للحرف الياباني الذي يعني فم، أو كحرف رو المربّع، وإذا أضفت مبنى AV الذي يبرز من الأسفل، تكتمل لوحة العبث المدرسي.
مبنى الصفوف هنا… المبنى المتخصص هناك… وكل شيءٍ مربوطٌ بممرّ علوي يلفّ على شكل مربع.
والمساحة المحصورة داخل هذا الشكل؟
هي أرض القديسين الاجتماعيين: ساحة جماعة الهبة والدّارج.
هناك يتجمع الأولاد والبنات؛ ليتناولوا غداءهم، ثم يلعبون الريشة الطائرة لهضم الطعام.
وبعد الدوام… ومع انحدار الضوء… يتحدثون عن الحب، ويتأملون نجوم البحر، بينما تداعبهم نسائم المحيط.
تفاهة مطلقة.
من بعيد، يبدون كممثلين في مسلسل مراهقين سيئ الإخراج.
وفي هذا المسلسل… دوري سيكون الشجرة الخلفية، تلك التي تستند عليها الكاميرا أحيانًا بلا قصد.
كانت هيراتسوكا تخطو بخفّة فوق أرضية اللينوليوم، متجهة بوضوح نحو المبنى المتخصص.
سيئ… لدي إحساس سيئ حيال هذا.
ثم إن الخدمة المجتمعية كلمة مظلومة في الأصل، كلمة “خدمة” لا يجب أن تقفز إلى حديث يومي، بل يجب أن تحفظ لمواقف محددة—مثلًا: خادمةٌ تخدم سيّدها.
هذا النوع من الخدمة… مرحّبٌ به جدًا، بل قد أستقبله قائلًا: “هيا نحتفل!”
لكن هذا لا يحدث في الواقع. أو… لا يحدث إلا مقابل المال.
وإن دفعتَ المال… وحظيت بما يدور في بالك…
****
الانستا: aahkk_7
التعليقات لهذا الفصل " 1"