كم بلغ اليوم من الشهر؟
نهضت تيريز في ذهول تحدّق أمامها.
منذ أن سُجنت، وبعد مضي أسبوع تقريبًا، توقفت عن حساب الأيام.
لم يَعُد لديها أعمال يجب إنجازها كل صباح، ولا أشخاص يجب لقاؤهم.
فقط الحبس.
ذلك كل شيء.
حين يدخل السجان ويقدم لها حساءً رائقًا، تتناوله لتمدّ جسدها بالطاقة.
كان هذا روتين تيريز اليومي.
رفعت تيريز الغطاء الرقيق ونهضت من السرير الصلب.
شعرت كأن جسدها كله يصرخ من الألم.
حاولت تدوير خصرها لإرخاء العضلات المتصلبة، لكنها ظلت متيبسة على حالها.
نمت لحمتان جديدتان فوق الجروح القديمة، لكن الجسد الذي بلغ حده بدأ ينهار رويدًا رويدًا.
أصبحت آلام ظهرها تتزايد، ومفاصلها تتصدع، ولا موضع أو اثنان.
بل إنها بدأت تتمنى لو تُحسم قضيتها سريعًا وتُنقل إلى سجن العاصمة.
سمعت أنه يمكنها هناك العمل والإنجاز وممارسة الرياضة خلال النهار.
بسبب عدم التصريح في تهمتها بعد، ظلت تيريز محتجزة في سجن القصر الملكي السفلي.
إلى متى يجب أن تنتظر؟
كانت قد سمعت أن محاكمتها ستكون قريبًا.
تصرف المتمردون وكأنهم سيرسلونها إلى سجن العاصمة في اليوم التالي، لكنهم اختفوا منذ ذلك الحين دون أثر.
هل طرأ تغيير على الموقف؟
ولما كانت لا تملك وسيلة لمعرفة شيء داخل هذه الجدران، فكل ما بوسع تيريز فعله هو الانتظار.
“سيدتي!”
استيقظت تيريز على صوت يناديها، بعد أن غفوت مستندة إلى الحائط البارد.
صوت مألوف، ووجه مألوف.
نادت تيريز اسم الزائرة التي جاءتها.
“دانيال.”
“نعم، إنها أنا سيدتي.”
كانت ملامح دانيال مشوّهة بالهم.
“هوني على نفسك. ليس الأمر كما لو كنتِ تنظرين إلى شخص يحتضر.”
ألقت تيريز بمزاحها في محاولة لتخفيف الجو المشحون، لكن ذلك زاد من حدة تعبير وجه دانيال فقط.
“لا تقولي ذلك من فضلكِ. ما الذي…”
كانت عينا دانيال تتفحصان وجه تيريز وجسدها باهتمام، ثم قالت بصوت حزين:
“لماذا هزلتِ إلى هذا الحد؟”
“ليس في السجن من يهتم بتقديم وجبات خفيفة لي لكن يبدو أنكِ بخير، هذا مصدر ارتياح.”
ابتسمت تيريز لـ دانيال ابتسامة عريضة.
نظرت إليها دانيال بصمت بعينين حزينتين، ثم قالت:
“جميعنا بخير ولم يصبنا أذى، سيدتي لا تفعلي هذا، ألا ترغبين في الانتقال من هنا؟”
“إلى أين؟”
سألت تيريز بصوت مليء بالتساؤل.
“السجن السفلي ليس بيئة مناسبة لكِ دعيني أنقلكِ إلى القصر المغلق.”
“هل هو من أمركِ بذلك؟”
فهمت دانيال على الفور من تقصد بـ “هو”.
فأومأت برأسها وأضافت:
“نعم. لحسن الحظ، القصر الداخلي سليم، لذا يمكنكِ البقاء هناك حتى المحاكمة…”
“دانيال.”
لكن تيريز قاطعت كلام دانيال ونظرت إليها بنظرة ثابتة.
“أنتِ تعرفين جيدًا أنا لم أعد شخصًا له علاقة بجلالته ولستُ الوحيدة المحتجزة في هذا السجن السفلي، فكيف أتلقى معاملة خاصة وحدي؟”
“……”
“لو فعلنا ذلك، فمن المؤكد ستنتشر الإشاعات لا أريد التسبب في مشاكل حتى النهاية سأنتظر محاكمتي هنا بهدوء وهل ما طلبته قيد التنفيذ؟”
“… نعم. أجل لكن سيدتي، حتى لو كان ذلك يزعجكِ، ألا يمكنكِ التفكير في الأمر مرة أخرى من فضلكِ؟”
بدا وجه دانيال على حافة البكاء.
“من أجلي على الأقل هذا المكان لايناسبكِ إطلاقًا…”
كانت دانيال تكبح دموعها المتصاعدة.
“سمعتُ أن تأجيل المحاكمة كان بسبب ضغط جلالته ألا يجب أن تخرجي من السجن سريعًا؟ إنني قلقة جدًا على صحتكِ…”
نهضت تيريز من مكانها ومدت يدها.
فمسحت دانيال دمعة في عينها وأمسكت بيد سيدتها.
“يدكِ باردة هكذا، كيف يمكن ذلك؟”
“دانيال. أشكركِ على اهتمامكِ لكني أفضل البقاء على هذه الحال ولا أنوي العودة إلى الماضي.”
“لا تقولي ذلك. إذا غادرتِ، فأين سنذهب نحن؟”
“أجل. هذا أمر مؤلم حقًا لكن…”
ربتت تيريز برفق على يد دانيال التي تمسك بها.
تسلل دفء دانيال إلى تيريز.
وهمست تيريز بصوت رقيق وحنون:
“لقد تعبتُ وطلبتُ من جلالته أن يتوقف أيضًا.”
“ماذا؟ كيف يمكن…”
“أظن أن الوقت قد حان لأرحل… أشعر بالأسف حقًا تجاهكم عندما يُحسم كل شيء، سأحرص على راحتكم حتى لا تشعروا بالوحشة.”
بينما كانت تقول ذلك، ربتت تيريز على يد دانيال كما لو كانت تشجعها.
وكأنها تُسَلي قلب دانيال الحزين.
على الرغم من أن المسجونة هي تيريز نفسها.
أخيرًا، انهمرت دموع دانيال.
“سيدتي…”
ذابت نهاية كلام دانيال في بكائها.
ربتت تيريز على كتف دانيال وحاولت تهدئتها.
“هذه أول مرة أرى فيها دموعكِ.”
“هل هذا ما تقولينه الآن؟”
عندما صرخت دانيال بصوت مرتفع، ابتسمت تيريز وقالت:
“عندما يجهز طلب الطلاق، أعلميني سأنتظر.”
***
[اشتباك محدود بين جيش الحكومة الثورية وحراس النبلاء في ‘ليوبيرن’… يجري تحديد عدد الضحايا]
[هل أصبح إلغاء النظام الملكي وشيكًا؟ الناطق باسم الحكومة الثورية يصدر بيانًا حول تشكيل البرلمان]
[حصري – كشف قائمة ممتلكات المعبد السرية! تضم العديد من أعمال ‘لانجيه’ و ‘بيسارو’ المعروفة بأنها مسروقة]
[مناقشة إلغاء الدين الرسمي للدولة… البابا يعتذر بشكل غير مسبوق ويعد ‘بإعادتها للمجتمع’]
[أين الملك الأخير؟ من هو الرجل الذي شوهد في ‘هيرزان’؟]
[القبض على القاتل المتسلسل الذي أرعب ‘ليوبيرن’ – تبرئة الأمير الثاني من التهمة الظالمة]
شوهت المرأة ذات المظهر الهزيل الجريدة التي كانت تحملها.
لقد مضت عدة أيام عليها بالفعل.
بما أنها لم تملك حتى ثمن جريدة، كان أقصى ما يمكنها فعله هو التقاط الصحف التي تركها الآخرون وقراءتها.
حتى الخادمة التي ساعدتها حتى النهاية هربت في وقت ما.
منذ ذلك الحين، كانت تتسكع في الشوارع، تلتقط فتات الخبز الذي أسقطه الآخرون وتأكله، وتنام في مستودع مهجور.
كانت قد أنفقت كل النقود التي لديها.
واستخدمت المجوهرات التي كانت معها للحصول على غرفة في فندق رخيص للنوم.
شعرها الذي كان وفيرًا كالشلال فقد بريقه منذ زمن، وفستانها البالي والممزق بدا كخرقة.
ومع ذلك، كانت عيناها متوهجتان لدرجة أنه لم يبدُ أنها في كامل عقلها.
صُدِم من رآها مرورًا.
“إلى ماذا تنظرين!”
بصقت جيزيل على المارة وسبتهم وهي تَصْفُر بلسانها.
“أتعرفون من أكون؟ أنا من ستصبح ملكة هذه البلاد!”
ضحك المارون على صراخ جيزيل ومرّوا.
“ملكة بينما هرب الملك نفسه؟ إنها مجنونة.”
“سيأتون للبحث عني من القصر الملكي!”
على عكس صراخها الواثق، لم يأتِ أحد للبحث عنها.
على الرغم من أنها كانت تتسكع في شوارع “ليول” منذ شهور.
لم يبحث عنها والداها، ولا خادمتها.
حتى أنخيل الذي كان يعتني بها.
لم تعرف حتى متى غادر.
حين فكرت في الأمر، تذكرت أن أنخيل لم يعد إلى القصر في يوم ما.
دون حتى كلمة وداع.
شعرت جيزيل بالخيانة.
مع أنني أنقذته.
شبكت جيزيل يديها المتشنجتين تمامًا.
سأقتل كل من عاملني بهذه الطريقة.
كانت جيزيل تتجول في الطرقات وقد نسيت ما كانت تبحث عنه أصلاً.
ماذا كنت أبحث عنه…
آه. الأمير كنت أبحث عن أميري.
محَت من ذاكرتها الصورة البشعة التي رأتها ذات مرة.
صورة الرجل الذي فقد أسنانه والتي قدمها لها أنخيل…
لكنها فكرت.
حاولت البحث عن الأمير لشهور، لكنها لم تعثر على أي أثر له.
إذاً لم يتبقَ لها سوى شيء واحد.
ربتت جيزيل على بطنها كعادة.
في بطني كان هناك طفلي الحبيب.
نظرت جيزيل إلى بطنها.
بدا وكأنه ينتفخ أكثر. سيولد الطفل قريبًا.
قالت بصوت حنون:
“أجل. يا صغيري هيا بنا إلى القصر مع أمك.”
كان بقاؤها في ليول قد انتهى.
سرقت جيزيل بعض النقود وركبت القطار.
لم يقترب الركاب من مظهرها المتسخ ورائحتها الكريهة.
ولكن سواء حدث ذلك أم لا، كانت جيزيل في حالة معنوية جيدة.
حتى لو لم أجد الأمير، أليس لدي طفلي في بطني؟ نسل الأمير! دم العائلة المالكة!
ربتت جيزيل على بطنها بوجه حنون وقالت:
“اصبر قليلاً. سنصل إلى ‘ليوبرن’ قريبًا، يا صغيري.”
لم تكن رحلة القطار الطويلة التي استمرت أيامًا صعبة عليها.
كانت قلقة فقط من أن تكون مرهقة لطفلها في بطنها.
وصلت جيزيل إلى العاصمة وربتت على بطنها المتعب وتوجهت مباشرة إلى القصر الملكي.
لكن حراس القصر أوقفوها عند المدخل.
“هل لديكِ تصريح دخول؟”
“تصريح دخول؟ أنا زوجة الأمير الثاني ابنة كونت ‘لوماكسين’، لماذا أحتاج إلى ذلك؟”
نظر الحارس إلى وجه جيزيل للحظة.
“أجل. أنا. يجب أن تنظر جيدًا.”
قدّمت جيزيل وجهها.
أي شخص يعرف هذا الوجه سيدخلها إلى القصر بالتأكيد. ثم سأقابل الملك…
“بدون تصريح دخول، لا يمكنكِ الدخول. اعتذاري.”
دفعها الحارس بيده.
شعرت جيزيل بالذهول.
“إنها أنا زوجة الأمير الثاني! ألا تعرف وجهي؟”
عندما قدمت وجهها مرة أخرى، خرج من الحجرة شخص يبدو أنه قائد الحرس.
“ما الأمر؟”
قال الحارس وهو يغطي أنفه:
“هذه المتسولة تحاول الدخول دون إذن.”
تفحص قائد الحرس هيئة جيزيل من أعلى إلى أسفل. كانت نظراته مزعجة، لكن جيزيل رفعت رأسها.
“هذا ليس مكانًا للمتسولين، اذهبي عن هنا.”
“ماذا؟ ألا تعرف وجهي؟ أنا ابنة ‘لوماكسين’…”
قال قائد الحرس بصوت لاذع:
“ما زلتِ تلعبين دور النبيلة؟ إنكِ مجنونة. أخرجوها!”
“آه! لا! لا تلمسني! لدي طفل في بطني! نسل الأمير الثاني!”
أثارت جيزيل فوضى عند المدخل.
عندما رفع قائد الحرس عصاه ليضربها، صرخت جيزيل بأعلى صوتها:
“لدي طفل الأمير ‘فابريس’ في بطني! لدي طفل!”
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 94"