بعد رفض دينيس وحدها خرجت تيريز من غرفة العمل وهي لا تدري إلى أين تتجه.
ذعر.
نعم، لقد كانت قريبة من حالة ذعر.
من بين الاحتمالات العديدة التي فكرت فيها، لم يكن رفضه ضمن خياراتها إطلاقًا.
شيء لم تفكر فيه حتى.
لم تكن تَفهَمُ كلامه، فكلاهما بالغان مثقفان، لذا فهي تفهم المعنى، لكن كلماته لم تستطع أن تشق طريقها من عقلها إلى قلبها بسلاسة.
“لحمايتي؟”
ظلت كلمات دينيس تدور في رأسها دون أن تصل إلى قلبها، فتشتت في النهاية.
“لقد ذهبتُ إلى هناك لإنقاذك… لو كان بإمكاني إنقاذك، لما اهتممت حتى بحياتي.”
لم تستطع قول ذلك.
كل ما فعلته هو النظر إلى وجهه ثم الخروج.
سارت تيريز بخطوات عمياء، لا تستطيع التوقف،
ولا تستطيع كذلك أن تتوقف عن التفكير.
لماذا؟
هل كان ضروريًّا أن يرفض بهذه القسوة؟
ربما لأنه…
بسبب تقديرها الذاتي الذي طالما اهتز، لم تعمل دوائر تفكير تيهيز بشكل إيجابي، بل شُغلت كالعادة باتجاه أسوأ الاحتمالات.
أي أنه…
لم يعد ي…
توقفت عند هذا الحد.
توقفت تيريز عن التفكير، وتوقفت عن المشي.
وفي تلك اللحظة…
دينغ- دينغ- دينغ-
دقت الأجراس معلنة منتصف الليل.
كان اليوم الأخير من العام قد مضى، وبدأ عام جديد.
من القصر الرئيسي حيث قاعة الشمس، تدفقت أصوات الموسيقى.
كان صوت الأرغن ينادي القصر النائم في الظلام، هادئًا ومقدسًا.
سيبدأ صلاة العام الجديد قريبًا.
استدرت وبدأت بالمشي مرة أخرى.
رفضت أن تصل إلى استنتاج بنفسها.
نظرت إلى يسارها الفارغ، ولم تستطع أن تحدد إن كانت حزينة أم متألمة.
فيسارها كان دائمًا مكانه.
في هذا اليوم بالتحديد، كان كتفها الأيسر يؤلمها بشدة.
حسنًا، هذه المسألة… سنحلها بعد أن تصبح الأمور آمنة.
أجلت تقديم الإجابة.
دفعت المشكلة جانبًا في رأسها بعناد، واستمرت في السير بسرعة.
فالممر السري الذي استخدمته المرة السابقة كان معرضًا بشدة للكشف.
وصلت تيريز إلى قصر الأميرة الفارغ،
الذي لم تلمسه يد بشر منذ زمن طويل.
ليس القصر الذي كانت تستخدمه، بل القصر الذي كان من المقرر أن تستخدمه زوجة فابريس إذا تزوج.
كان في ذلك القصر أيضًا ممر سري، بفضل الخريطة التي حصلت عليها من ريتشارد، والتي سجلت بدقة جميع الممرات السرية في القصر.
دارت إلى الجانب الخلفي للقصر حيث الباب الخلفي.
صريخ
صدح صوت مزعج من الباب غير المُزيت،
لكن لحسن الحظ، ولمن كان القصر فارغًا، لم يكن هناك من يراقب.
فتحت تيريز الباب بحذر ودخلت.
سارعت عبر الممر السري الذي سبق أن حددته.
كان التفكير ترفًا، قررت التركيز فقط على ما يجب فعله الآن.
بعد ساعة من المشي، وصلت إلى حارة هادئة في وسط المدينة.
عندما فتحت باب الممر، عبست من البرد القارس الذي انقض عليها.
من المفترض أن تكون عربة الخيول في انتظارها عند زاوية الحارة، لكن الشارع كان غارقًا في صمت قارس.
لماذا…؟
أشارت حواسها إلى أن شيئًا ما قد ساء.
في تلك اللحظة، سمعت صوت عدة أحذية قادمة من نهاية الحارة.
أدركت تيريز بحدسها أنهم يطاردونها.
انطلقت مسرعة عبر الحارة.
“هناك! إنها الأميرة!”
صرخ أحدهم عندما رأى مؤخرة رأسها.
كانت أصوات الأحذية تلاحقها عن كثب.
أرجوك. أرجوك. يجب أن أركض أسرع.
يجب أن أخرج من هنا.
مهما ركضت، ظلت الأصوات تلاحقها بعناد.
ركضت تيريز بلا وعي، لكن أنفاسها أخذت تثقل وساقاها بدأتا ترتعشان.
فجسدها الذي نهض من الفراش منذ وقت ليس بطويل لم يكن قادرًا على الركض.
“هاه.. هاهاه.. هاه…”
انفجرت نفسها، لكن بعد فترة قصيرة من محاولة استعادة أنفاسها،صرخ رجل اكتشفها:
“من ذلك الجانب!”
تجنبت تيريز الصياح ودخلت في حارة ضيقة بجوارها.
يمينًا ويسارًا، يسارًا ويمينًا.
وكان النهاية طريقًا مسدودًا.
بحثت يائسة حولها عن مخرج.
نهاية حارة مسورة.
صرخات خشنة، وأصوات أحذية.
“اقبضوا على المرأة!”
سمعت صوت خطوات قريبة جدًا.
كان الجنود يتقدمون من الأمام، وكانت السور يحجب الخلف.
لم يكن هناك مكان للهروب.
التقطت تيريز قطعة زجاج مكسور ملقاة على الأرض.
ثم وقفت منتصبة ونظرت إلى الجنود بجدية قائلة:
“بصفتي أميرة، آمركم بعدم الاقتراب أكثر.”
فأشار أحد الجنود إلى قطعة الزجاج في يد تيريز ورد:
“هذا الشيء لا يليق بمقام سموكِ لماذا لا تبكين وتتوسلين للرحمة بدلًا من ذلك؟ ربما أفكر في الأمر.”
كان سخرية صريحة.
عند تلك السخرية، قَبضت تيريز على قطعة الزجاج دون وعي، فغرزت قطعة الزجاج في أطراف أصابعها.
“آه…”
قطرة. قطرة.
السائل المتدفق باللون الأحمر كان واضحًا بشكل غريب.
كان دمًا.
رفعت تيريز عينيها ونظرت مباشرة.
الجنود الذين حاصروها بالبنادق والسيوف.
بدت تعابير وجوههم واضحة بشكل غريب في عيني تيريز:
إثارة ونشوة، أو غضب.
“لا تتحركي! إذا تحركتِ خطوة واحدة، سنطلق النار!”
***
ضمّت تيريز يديها معًا.
كانت يدها اليسرى ملفوفة بضماد خشن.
قبل دخول السجن، أثناء مواجهتها للجنود، اخترقت قطعة الزجاج كفها.
عندما نزعت القطعة، ظهر جرح كبير في راحة يدها.
ما عدا ذلك، لم تكن هناك إصابات أخرى، ولو كان ذلك شيئًا يُحمد.
لكن حالة جسدها تدهورت مع كل لحظة وهي حبيسة دون راحة كافية.
فقد كانت قد أغمي عليها في جنازة منذ وقت ليس ببعيد، ولم تكن لياقتها بعد تصل لمتوى الشخص العادي.
أمسكت بروحها التي تتبدد، ثم غلبها النعاس فنامت.
عندما سمعت صوت أناس يتحركون في الغرفة المعزولة، استيقظت من نومها الخفيف.
في زنزانة تحت الأرض لا يصلها ضوء تقريبًا، كان الصوت هو كل ما يملأ المكان.
أحيانًا يسمع صراخ، وأحيانًا أخرى صياح.
في كل مرة كانت ترتجف، لكنها مع ذلك شعرت بارتياح.
لأنها لم تكن وحدها في هذا السجن.
بشكل متناقض، كانت تستمد العزاء من حقيقة أنها ليست وحيدة في هذا السجن.
حتى في هذه اللحظة، اعتبرت أنه من الجيد ألا تترك وحدها.
وهو…
أمسكت تيريز بروحها التي تزداد تخفّتًا وذكرت زوجها.
وجهه البارد وهو يرفضها.
اندفعت الأمور التي حاولت كبتها مثل موجة.
وجهه في ليلة الزفاف الأولى عندما أعلن أنه لن يحبها، ووجهه في اليوم الماضي وهو يرفضها ويطلب منها المغادرة وحدها.
تشابه الوجهان كأنهما صورة مرسومة فوق الأخرى.
لمست قلادتها بعادة.
طالما كانت القلادة حول عنقها، اعتقدت أن الشقاء لن يقترب.
كان ذلك تفكيرًا ساذجًا.
فالقلادة ليست تعويذة ولا دليلًا.
لم تكن طفلة ساذجة لتؤمن بأن قلادة واحدة ستحمي العلاقة.
كانت مجرد قلادة.
كان ذلك تفكيرًا أحمق.
واجبي، مسؤوليتي، أنت.
ربما أنت أيضًا لم تعاملني إلا كموضوع للواجب، أليس كذلك؟
كعبء أجبرت على حمله.
وربما اعتدت على حمله فظننت خطأ أنك تحبها.
لذا، لم يكن بإمكانك أن تقول أبدًا أنك تحبني.
لأنك لم تحبني حقًا.
لماذا ظننتُ أنك تحبني؟
تذكرت تيريز اعترافه حين قال: “أفكر فيكِ”.
تذكرت بوضوح نظرات عينيه المتقدة ووجهه المحمّر في تلك اللحظة،درجة الحرارة والهواء، كل شيء كان واضحًا كأنه في متناول اليد.
لكن ذلك لم يكن قول “أحبكِ”.
كان مجرد قول “أفكر”.
هناك كلمات لا تتحقق إلا إذا نطقها المرء.
اعتقدت تيريز أن تلك الكلمة هي “أحبكِ”.
لقد كنت صريحًا جدًا.
حتى في تلك اللحظة، لم يكن هناك ذرة من كذب.
ابتسمت تيريز ابتسامة مريرة.
لقد كنت تخجل فقط من قول أنك تحبني.
لم يكن هناك وهم أكبر من هذا.
عندما أفكر في المشاعر التي كانت لديك تجاهي خلال السنوات الخمس الماضية، شفقة أو رحمة.
تلك الحرارة والمشاعر المفعمة كانت مجرد قصة ماضية بالية.
السؤال الذي فكرت فيه طويلاً وجد إجابته أخيرًا.
أريد أن أنهي قصتنا.
لقد أردت حقًا نهاية معك، لكنني تعبت ومرهقة من قراءة هذه القصة، ولا أستطيع التخلص من فكرة أن الزر قد أُغلق بشكل خاطئ إلى الأبد.
ربما لو…
لم تكن أميرًا، ولو لم أكن من سلالة إنجيلغر،
لكنا أصبحنا علاقة جيدة جدًا…
أو لو لم تجبر على الزواج مني، لكنت سعيدًا بطريقتك، وربما وجدت رضاي بطريقتي.
أترك أميرًا أحببته لموسم واحد كذكرى، مجرد ذكرى جميلة.
لذا، كان لقاؤنا نحن الاثنين نحسًا على بعضنا البعض.
في المستقبل، ستكون لك قصتك، وستكون لي قصتي.
وحتى لو لم تكن القصتان نفسها، فسيكون الأمر على ما يرام.
فهذه قصة سيدة صغيرة ساذجة وقعت في حب الأمير من النظرة الأولى،وهي كافية لتنتهي هنا.
***
قطرة. قطرة.
صدح صوت قطرات ماء تسقط من السقط قطرة تلو الأخرى.
“…يز.”
“…”
“تيريز.”
استيقظت من نومها الخفيف.
كانت تيريز جالسة متكورة، ثم صححت جلستها.
لكن في أي وضع جلست، تسرب البرد من شقوق الجدار الحجري.
البطانية القطنية على السرير الصلب كانت عاجزة عن منع البرد.
مدت جسدها المتكور، ورفعت رأسها وحركت نظرها.
وراء الباب، وقفت صورة مألوفة.
حتى في الزنزانة تحت الأرض التي بالكاد يصلها ضوء الشمس،تعرفت تيريز مباشرة على من ناداها باسمها.
حتى بين روحها غير الواضحة كالضباب.
لكن الشخص الذي ناداها باسمها ظل صامتًا لفترة طويلة.
إما لأنه ليس لديه ما يقوله، أو لأنه لم يستطع اختيار الكلمات.
“…لماذا… جئت؟”
نظفت حلقها المغلق من طول السكوت وأصدرت صوتًا.
عند صوتها المغلق، عبس الطرف الآخر وجهه بشدة وتقدم خطوة أقرب.
رغم أن القضبان الحديدية السميكة كانت تفصل بينهما.
“…آسف. تيريز هذا خطأي ظننت أن بهذه الطريقة يمكنني حمايتك.”
انهمرت منه الاعتذارات والتبريرات.
بدا وكأن الدموع ستسقط من عينيه وهو يتكلم.
صرفت نظرها عن وجهه الذي يثير الشفقة.
“لا بأس، الآن.”
أجابت بأكثر وجه بارد ممكن.
“كل شيء على ما يرام حقًا.”
“…”
عاد فلم يرد.
دَعك شعره المصفف بعناية بعشوائية وتكلم بصوت مكبوت:
“ستُعقد محاكمة… بخصوص الجرائم المزعومة التي ارتكبتها عائلتكِ وأنتِ أولئك الثوار يريدون ذبح النبلاء ونبلاء كبار مثل إنجيلغر أصبحوا هدفًا لذا يلصقون جرائم لم ترتكبوها حتى… ولذلك قبلت اقتراحهم… حتى أستطيع إنقاذكِ…”
“لا تنقذني لا عائلتي، ولا أنا.”
قبل أن يستفسر بوجه متسائل، أضافت تيريز بسرعة:
“لنتطلق، نحن الاثنان.”
تشوه وجه الرجل المنحوت بدقة.
سأل كمن سمع ما لا يجب أن يسمع:
“ماذا تقصدين يا زوجتي؟”
“أنا لا أحبك هذا ليس كذبًا…”
“…”
“بصدق.”
“…”
“طلبت من ساشا أن يعد وثيقة الطلاق قيل لي أنه يمكن الطلاق حتى بدون إذن المعبد.”
“تيريز.”
نادى اسمها بوجه ملح.
لكنها تحدثت بهدوء كمن تخرج كلمات أعدت مسبقًا:
“إذا تم إثبات مسؤولية العقم طبيب القصر الذي كان مسؤولاً عني خلال السنوات الخمس الماضية، يضمن عقمي-“
“تيريز! لماذا فجأة تذكرين الطلاق؟”
“لأنني لم أعد أحبك.”
نظرت تيريز إليه مباشرة وكررت الكلمات مثل ببغاء.
كان وجهه لا يظهر الفهم.
سأل كمن لم يقتنع بردها:
“لماذا، ما السبب؟”
“لم أعد…”
عندما حاولت تيريز قول نفس الشيء مرة أخرى، قطعها دينيس:
“توقفي عن ذلك، كنا نعيش بشكل جيد خلال السنوات الخمس الماضية بدون ذلك ألم نكن بخير مؤخرًا؟ أم أنني وحدي من ظن ذلك؟”
“…أحقًا تسأل وأنت لا تعرف شيئًا؟”
نظرت تيريز إليه بهدوء.
“ذات مرة سألتني: هل أحبك؟
إذاً سأسألك أنت أيضًا: هل تحبني أيها الأمير؟
أو هل شعرت بمثل هذا الشعور حتى ولو قليلاً؟”
كان ينظر إليها بتعبير كمن طعن بشوكة.
بدا في غاية الألم، لكنه لم ينطق حتى بأصغر كذبة.
“هذا الكلام… أنت تعرفين مشاعري قلت أني أفكر فيكِ.”
“أعرف جيدًا.”
“وأنت تعرفين لماذا لا أتفوه بتلك الكلمة بسهولة…”
“أعرف وأيضًا لا أعرف.”
“إذا كنت تعرفين، فلماذا…”
تجنبت تيريز نظره حتى لا يكتشف مشاعر اللوم.
مشاعر الحب تجاهه، كانت قد رعتها منذ اللحظة الأولى التي قابلته فيها.
كانت أيامًا حافظت عليها معتمدة على خيط أمل رفيع بأنه سينظر إليها يومًا ما.
لكنك جعلتني أتخلى عن كل ذلك الوقت…
“بما أنني لم أعد أحبك، فمن الصحيح أن أنهي الأمر هنا.”
ابتلعت ما كان يفور داخلها.
“لأكون بجانبك أيها الأمير، لا تعرف كم الجهد الكبير الذي كان عليَّ بذله.”
“…”
“أتمنى ألا تعرف أبدًا ذلك الجهد عديم الفائدة يا سموك.”
“تيريز أرجوك.”
كان يناديها بنبرة قريبة من التوسل.
لكنها كانت قد أدارت رأسها بالفعل.
كمن نسي وجود القضبان الحديدية، مد يده نحوها ونادى اسمها:
“آسف، تيريز كنت غير مبالٍ إهمالي لكِ، وعدم معرفتي بمشاعركِ الصادقة… كل ذلك خطأي لكن أرجوكِ تراجعي عن قول الطلاق أريد أن أعيش معكِ في مكان هادئ غابة سكوني، كنت تحبينها كثيرًا…
أردت أن أعيش في قرية بعيدة عن العاصمة، نحن الاثنان فقط بهدوء كنت سأقول ذلك أردت أن أتحدث بجدية…كنت أحاول توفير وقت لأراكِ، لكن الأمور استمرت في التراكم، واستمرت في التعارض…”
كان يحاول يائسًا مواصلة الحديث كمن لا يدري ما يقول، ليتمسك بها.
لكنها ردت بوجه بارد:
“إذا كنت تشعر بالأسف حقًا، فاستدعِ خادمتي
سأرسل لك وثيقة الطلاق.”
(يُتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 92"