أخذ دينيس شهيقًا عميقًا ثم زفيرًا، كمن كان حابسًا أنفاسه طويلاً.
أراد أن يطرد الهواءَ الفاسدَ المتراكم في صدره.
فلم يكن يرغب حتى في مشاركة الهواء مع هنري وأتباعه.
مشى بخطوات واسعة متجهًا إلى قصره.
وكان الجنود منتشرين على طول الطريق المؤدي للقصر.
كانت المراقبة مشدَّدة.
عندما جلس دينيس -لأول مرة منذ زمن- على مكتبه في حجرة العمل وليس في غرفة نومه، صفَّرَ منزعجًا.
“علام تنظر هكذا؟”
قال سيلبانغ وهو ينظر إلى دينيس.
“كانت هناك وجوه مألوفة بين من يرتدون الزي العسكري يبدو أنهم من فرسان الحرس الملكي لو سُئلوا: الموت أم الانضمام إلى المتمردين؟ لاختار معظمهم الخيار الثاني أليس كذلك؟”
لم يجب سيلبانغ ولا أوليفييه.
ودينيس كان مثلهما.
ألم يكن محبوسًا في غرفة نومه كالميت حتى لا يموت؟ عاش كالميت ليبقى حيًا.
فتح صندوق السيجار الذي تراكم عليه الغبار برقة في غياب اللمسات، وضحك ضحكةً عاجزة.
“…يبدو أنني انغمست في المثالية وقمت بعمل مُخْزٍ. يبدو أنني تَلَقَّفْتُ العدوى من روبرت.”
كم هي ضعيفة النوايا الحسنة.
وكم هي سهلة الانحراف.
أطبق سيلبانغ وأوليفييه أفواههما أمام كلمات دينيس المليئة باللوم الذاتي.
لأنهما يعرفان أن الأمير الجالس أمامهما بذل جهدًا صادقًا لأجل شعب فالوا.
ولذا كانا يدركان بوضوح مدى حزنه الآن.
شعورُ اللَّومِ لكونه نجا بالتوسل من أجل حياته، وشعورُ الندمِ لاستبداله وطنه بحياته، وشعورُ العجزِ عن فعل أي شيء بنفسه…
كان من الواضح الجلي أن كل هذه المشاعر كانت تدور في دوامة داخل نفسه.
لأن اتجاه الريح المتغير لا يمكن إعادته بإرادة شخص واحد.
لأنه يعرف جيدًا جدًا كم من القوة الهائلة يحتاج لتغيير مجرى الماء المنحرف.
ولإدراكه ذلك، أشعل دينيس سيجارَه في صمت.
كم من الوقت مضى هكذا؟
عندما امتلأت حجرة العمل برائحة السيجار الذي كان يدخنه وهو غارق في أفكاره، نهض سيلبانغ وفتح النافذة.
تسلل هواءٌ باردٌ إلى الداخل.
وقال سيلبانغ بصوت خافت:
“لا تغرق طويلاً في الحزن.”
“……”
“فأنت، يا سيدي، الدم الملكي الوحيد الباقي.”
رد دينيس على الفور:
“أليس من المبكر استنتاج ذلك؟ فـ فابريس لا يزال…”
قرع سيلبانغ المكتب بقوة ثم نظر إلى دينيس بوجهٍ عابسٍ وقال:
“أنت لا تقصد ذلك حقًا، أليس كذلك؟ أنت تعلم أن الأمير الثاني لا يملك القوة ولا القدرة على إصلاح هذا الوضع؟ إن الدم الملكي الوحيد الفعلي هو أنت فقط، يا سيدي.”
وأيّده أوليفييه في قوله:
“لا تَستَخفّ بنفسك.”
“…هذا التوقع مبالغٌ فيه.”
كان صوته غارقًا في الكآبة. لم يستطع أن يثق بنفسه.
حتى الآن.
لأن ثقته لم تُكافَأ قط.
لم يكن يتوقع مكافأةً مقابل إيمانه، لكنه بعد أن رأى إيمانه المتكرر يتحطم كل مرة، عقد العزم على عدم الوثوق بأي شيء.
لا بنفسه، ولا بزوجته، ولا بما يواجهه في حياته.
واصل سيلبانغ النظر إلى دينيس وهو يقول بحزم:
“ألا تستثقل، أيها السيد الذي حظي باهتمام الجميع منذ ولادته، حملَ مسؤولية شخصين إضافيين؟ افعل كما تفعل عادةً كما لم تهرب قط من المسؤوليات الموكلة إليك إذا لم تستطع الوثوق بنفسك، فثق بنا ونحن نثق بك إنني أؤمن… أنك ستصل إلى الطريق الصحيح.”
كانت هذه أصدق كلمات الثناء التي يمكن أن يوجهها إليه شخصٌ رآه عن قَبِد طوال السنوات الماضية.
“ثق بنا كما نثق نحن بك.”
لحظةً شعر بارتعاش يجري في جسده كله.
لأن إدراكًا بأن هناك من يثق به بهذا القدر نزل عليه كالصاعقة.
عندما نظر دينيس إلى سيلبانغ وأوليفييه، وجدهما ينظران إليه بعينين حازمتين.
قبض دينيس يديه بقوة.
ارتعشت قبضتاه وتوترتا.
لديَّ ما يجب فعله. لهذا بقيتُ على قيد الحياة.
“لذا…”
لم تكتمل كلمات دينيس وارتعشت بلا رحمة.
كان اضطرابه واضحًا للعيان.
أخذ نفسًا عميقًا ثم فتح فاه وقال:
“حسنًا. دعنا نتحدث عما سيأتي.”
أومأ أوليفييه و سيلبانغ برأسيهما.
وهكذا جلسوا في حجرة العمل لبعض الوقت وتبادلوا حديثًا في مواضيع مختلفة.
كان أولاً فهم الوضع في القصر الملكي، الذي لم تتح له الفرصة لمعرفته أثناء احتجازه.
قال سيلبانغ إنه أثناء حبس دينيس في غرفة النوم، لم يغادر حجرة العمل طواعيةً.
كان ذلك للتعامل فورًا مع أي طارئ قد يحدث لدينيس.
لم يقل دينيس شيئًا واكتفى بتربيتة على كتف سيلبانغ.
فأومأ سيلبانغ برأسه موحيًا بأنه فهم.
بل بدا على وجهه أن هذا أمر طبيعي بين صديقين قديمين.
عندما اقترب الوقت من منتصف الليل، ازداد الضجيج في الخارج.
بدا أنه يجب العودة إلى قاعة الاحتفالات.
عندها فُتح باب حجرة عمله بهدوء ودخل كاهن.
بدا أنه دخل عن طريق الخطأ.
نهض سيلبانغ من مكانه لطرد الكاهن قائلاً:
“من أنت؟”
“أنا.”
خلع الكاهن الغطاء الأبيض عن رأسه.
تدفقت خصلات الشعر كخيوط الذهب المخبأة تحت القماش.
ازداد شوق دينيس لرؤيتها لدرجة جعلته يتساءل إن كان يرى هلوسة.
إنه الشعر المألوف الذي ظهر حتى في حلمه القصير الليلة الماضية.
نهض من مكانه كما لو كان يجذبه شيء ما.
عندما نفض الكاهن شعره، ظهر الوجه الذي اشتاق إليه، واقفًا أمامه.
اقترب منها ومسح خدها.
لم تمانع هي.
دفءٌ خفيفٌ أصبح باردًا قليلاً.
ليست حلماً.
نظر إلى وجهها بابتسامة لا تصدق، ثم نطق اسمها.
الاسم الذي كان يردده في داخله خوفًا من فقدانه للأبد.
“تيريز.”
كان الاسم حلواً للغاية.
“نعم. أيها الأمير. إنها أنا.”
كانت تيريز تبتسم بوجهٍ مُشرق.
“كيف دخلتِ إلى هنا، هاه؟”
قال دينيس وهو يمسك وجهها:
“تيريز، كيف دخلتِ حقًا؟”
عيناه تلتقطان وجهها، بينما كانت يداه تتحسسان جسدها بسرعة.
استمر دينيس في التشبث بنهاية كلمات تيريز ويسأل مرة أخرى.
أمسكت تيريز بجيبه وقالت:
“نعم. جئتُ لإنقاذك.”
ظهر على أوليفييه و سيلبانغ مظهرٌ مصدوم.
وبكلماتها، انتشل دينيس من الهلوسة القريبة من الحلم إلى الواقع.
“لإنقاذي؟”
“نعم. يجب أن نذهب الآن ليس لدينا الكثير من الوقت.”
أمسك دينيس بكلا كتفي تيريز وواجه عينيها قائلاً:
“تيريز. قد لا تفهمين، لكن اسمعيني جيدًا. يجب أن أبقى هنا.”
اتسعت عينا تيريز عند سماع كلمات دينيس.
“ماذا تقصد؟”
“رعاية حياتك، أرجوك يا تيريز هذا هو رجائي الوحيد.”
“ار، اشرح لي لماذا…”
كانت تيريز بوجهٍ حائرٍ عند سماع كلمات دينيس.
“ماذا ستفعل إذا حاول المتمردون إيذاءك؟”
قال دينيس بوجهٍ يائس:
“لا أستطيع شرح كل شيء، لكن نعم لقد هرب الملك، وأنا العضو الوحيد المتبقي من العائلة المالكة في هذه البلاد وإذا اختفيت، فسيحاول المتمردون القبض عليكِ وقتلك أولاً فأنا، رهينة… فعالة جدًا.”
كانت تيريز تنظر إلى دينيس صامتة.
“تيريز أرجوكِ اهربي الآن.”
كما حَمَيْتِني طوال هذا الوقت.
سأحميك الآن…
سلامتك وعدم تعرضك للأذى، هذا فقط هو رجائي الوحيد…
ابتلع دينيس ما لم يستطع قوله ونظر إلى تيريز.
كانت عينا تيريز ترتعشان بشدة.
“لا أستطيع الهروب وحدي لم أذهب إلى الإقطاعية لأنني…”
تلعثمت تيريز الحائرة في كلامها.
عندها، سألها مجددًا بسبب تذكر حقيقة أثارتها كلماتها منذ قليل.
“نعم، لماذا؟ لماذا لم تذهبي؟ كم مرة طلبتُ منكِ أن تذهبي لأن العاصمة خطرة؟ كم مرة طلبتُ منكِ أن تحمِيَ نفسك؟”
عندما نظر دينيس إلى تيريز غاضبًا، شحب لون وجهها.
بدا أنها لم تتوقع أبدًا أن يرد بهذا الشكل.
“أنا، كنت أريد، حمايتك.”
كانت أطراف أصابع تيريز ترتعش.
أمسك دينيس بيدها المرتعشة.
كانت يداها باردة كالجليد.
“اذهبي تيريز يجب أن تنجي ليكون في استطاعتي النجاة.”
“وهذا ينطبق عليَّ أيضًا لا أستطيع تركك هنا والمغادرة ألا ترى أنني، وصلت إلى هنا؟”
كانت تيريز بوجهٍ حازم.
لكن دينيس واجهها بحزم أيضًا.
ستبدأ صلاة رأس السنة قريبًا.
عندها سيكون من الصعب على تيريز الهروب.
ألحَّ دينيس على تيريز بصوتٍ حريص:
“ارجعي من فضلك! لن أعود.”
“…إذاً هكذا.”
أجابت بصوت متوتر بالكاد استطاعت إخراجه.
في تلك اللحظة، تداعى تعبير وجهها. وجهٌ تحطم كل شيء فيه إلى أشلاء.
لكن دينيس لم يلاحظ.
كان يفكر فقط في إخراج تيريز بسرعة.
سألها وهو ينظر إليها:
“لديكِ وسيلة للعودة، أليس كذلك؟”
“يوجد ممر سري.”
“جيد. إذاً، ستعودين وحدك من هناك وستبقين على قيد الحياة بغض النظر عما يحدث لي. فهمتِ؟”
التعليقات لهذا الفصل " 91"