على وجهه الذي بدا حتى قبل لحظات عاجزًا كإنسان بالكاد يحتمل الحياة، رسمت تعابير يصعب وصفها.
حيرة وأمل، إحباط وارتياح…
كأن أمواجًا عاتية من المشاعر التي لم تُنطَق تتدفق بعنف.
“سموها على ما يرام. في العاصمة.”
عندما جاءه الردّ بوضوح دون أي التواء، نظر إليه بوجه ما زال محتارًا.
بدا غاضبًا أو ربما مندهشًا.
“العاصمة؟ في ليوبرن؟”
ردّ دينيس كطفل تعلّم الكلام للتو.
نظر أوليفييه إلى صديقه الشاحب وأكمل حديثه.
“لكن… لم أعلم المكان الدقيق الذي تقيم فيه سموها لكن من المؤكد أنها في العاصمة فهذا ما أخبرني به الماركيز الشاب.”
“هاه…”
مرّر دينيس يده في شعره.
ثم وضع يده على رأسه وكأن شيئًا يزعجه.
بينما كان يشعر بالارتياح لخبر زوجته، بدا أن شيئًا ما لا يعجبه، فظلّت تعابير وجهه غير مرضية.
“كيف التقيت بالماركيز الشاب؟”
“لأنه موظف في وزارة الداخلية بسبب استعدادات حفل رأس السنة، يمكن لموظفي الداخلية الذهاب إلى أي مكان.”
“… لكنّي قلتُ إنني سأرسلها إلى الإقطاعية.”
“ماذا؟”
عندما استفسر أوليفييه، أجابه دينيس بوجه متجهم.
“قلتُ إنني سأرسل زوجتي إلى إقطاعية ماركيز إنجيلغر بكل تأكيد لكن لماذا في العاصمة إذاً؟”
أضاف أوليفييه وكأنه يعتذر:
“بحسب ما قال الماركيز الشاب، أثناء التوجّه إلى محطة القطار، أمرت سموها بتغيير اتجاه العربة.”
“لماذا؟ وما السبب؟”
“لم أعرف السبب…”
لم يكن أوليفييه يعرف سبب بقائها في العاصمة.
فقط تذكّر أن تعابير الماركيز الشاب ريتشارد الذي نقل الخبر لم تكن جيدة هي الأخرى.
“لوجود عائلتها في العاصمة، بما فيهم الماركيز، أليس هذا هو السبب؟ على الأرجح، ربما استصعبَت الرحيل وحدها…”
تلفّظ أوليفييه بحذرٍ بالسبب الذي حزره.
لكنّ دينيس، وكأن هذا التخمين لم يُرضِه، عبس جبينه.
“عائلة لزوجتي؟ هاه إنهما أكثر ثنائي غير متناغم في العالم.”
“…”
أطبق أوليفييه فمه.
عندما فكّر بهدوء، لم يتذكر أنه رأى السيدة تيريز والماركيز وزير الخارجية واقفين جنبًا إلى جنب كثيرًا.
وقد دارت في وقتٍ ما أقوالٌ حول سلوك الماركيز الغريب بإرسال ابنته إلى الأمير الأول المعارض له سياسيًا.
يبدو أن علاقتهما لم تكن جيدة.
تمتم دينيس كمن يحدث نفسه.
“لماذا تلك المرأة عنيدة إلى هذا الحد؟”
“…”
“إنها لا تسمع حتى ولو بنصف أذنها ما يقلق الناس.”
أدار أوليفييه رأسه متظاهراً بعدم سماع أي شيء.
كانت مشكلة لا يستطيع تأييده ولا معارضته.
لم يرد التطفّل على شؤون الزوجين.
من ناحية أخرى، شعر أوليفييه أنه يبالغ في ردّ فعله.
بدا وكأنه لا يرى أي مشكلة أخرى أمام الأمير الجالس أمامه.
لقد بدا غير راضٍ فقط عن حقيقة أن زوجته لم تنتقل إلى الإقطاعية.
بالطبع، هو يفهم أنه نصحها بذلك لأن الأمر خطير، ولكن إذا كان الخطر بهذا الحد، أليس من المنطقي أن يغادر جميع سكان العاصمة إلى خارجها؟
“نظراتك تقول إنني أبالغ.”
أومأ أوليفييه المأخوذ على حين غرة برأسه في حيرة.
“حسنًا، لقد خطر لي هذا فعلًا.”
“يبدو أنك لم تسمع شيئًا على الإطلاق عما سيفعله المتمردون إذا قبضوا على زوجتي.”
“ماذا؟ هل سيقتلون السيدة تيريز إذا قبضوا عليها؟”
أجاب أوليفييه بنبرة توحي باستحالة ذلك.
لكن دينيس ردّ بتعبير وجهه المعتاد:
“هذا ما يُقال.”
فقد أوليفييه قدرته على الكلام.
حتى أنه أصيب بالذهول من جديد.
مع أن حياتها على المحكّ، لماذا لم تهرب السيدة تيريز…
“… تمتلك سموها… شجاعةً عظيمةً حقًا.”
نهض دينيس الذي كان جالسًا طوال الوقت عاجزًا، وتوجّه من الكرسي إلى النافذة.
من وراء الستائر التي سحبها أوليفييه، رأى الحديقة.
حديقة القصر التي فقدت حيويتها مع حلول الشتاء بدت مقفرة للغاية.
وسط ذلك المشهد، حدّق دينيس بذهول في مكان بعيد.
حوّل أوليفييه وجهه إلى الجهة التي كان ينظر إليها.
لم ترَ هناك سوى أغصان الأشجار الذابلة بفعل الشتاء.
“لا يمكن رؤيتها من هنا.”
رفع أوليفييه حاجبيه متسائلاً عن المعنى.
“حديقة زوجتي تُرى جيدًا من غرفة العمل لكن لا يمكن رؤيتها من هنا…”
بدا أنه غير راضٍ عن هذه الحقيقة.
بنظرة مليئة بالإحباط، كان ينظر إلى الحديقة التي بالكاد تُرى.
رغم علمه بغياب صاحبة الحديقة.
وكأنه لو وقف هناك فسيظهر له شيء ما، بقي واقفًا في مكانه كالمسمور لفترة طويلة.
“لو كان بالإمكان رؤيتها لكان أفضل…”
عندما همس تلك الكلمات كأنها تنهيدة، صمت أوليفييه فحسب.
لكنه نظر إلى ظهره المولى وانتظر بصبر.
لسبب ما، بدا الحزن يتسرّب من ظلّه.
أو الشوق.
عندما استدار بهدوء نحو أوليفييه، لم يكن على وجهه أي شيء.
بدا كمن أعاد دفع المشاعر العاتية إلى داخله.
قال لأوليفييه بنبرة هادئة:
“حسنًا. طالما أنها على قيد الحياة، فهذا يكفي سنلتقي مرة أخرى لاحقًا أوليفييه، هل يمكنك أن تبلّغ زوجتي من قبلي أن نلتقي مرة أخرى… دون أن يصيبها أذى؟”
كانت بالطبع أمنية قد لا تتحقق أبدًا.
رغم علمه بذلك، نظر دينيس إلى أوليفييه وهو يتحدث.
عندما رأى أوليفييه تعابير وجهه اليائسة، لم يكن أمامه سوى أن يومئ برأسه.
***
بعد أن سمعت جيزيل من أنجيل نبأ وفاة مجهول الهوية، كانت ترتعد من القلق.
لأن حاجزها الوحيد قد يكون قد اختفى.
في الوقت نفسه، كانت ترتجف من الغضب المتصاعد وهي تستذكر وقاحة أنجيل.
لاحظ الخدم في القصر أن نزيلتهم ليست في حالة جيدة، فكانوا يتلفتون حولها بعيون قلقة.
ألقت جيزيل نظرة على الشيء الموضوع على المكتب.
كانت تلك الصورة التي أعطاها إياها أنجيل.
صورة شخص قد فارق الحياة بالفعل.
في أول ليلة لها في ريول.
أعطاها أنجيل تلك المجموعة من الصور.
لم تستطع جيزيل نسيان تلك اللحظة.
ما زال رعشًا يصيبها حتى الآن.
دون أدب أو تحية، اقتحم وقت تناولها للعشاء، وأخرج مظروفًا من جيب معطفه وسلمه لها.
كان المظروف الذي يحتوي على شيء ما سميكًا جدًا.
وضعت أدوات المائدة وأخذت المظروف لاستخراج محتوياته.
كانت صورًا.
لم تستطع إخفاء دهشتها عند رؤية الصورة الأولى.
رغم أنها كانت صورة بالأبيض والأسود فقط، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لإخفاء الفظائع المصوّرة.
كان المصوّر رجلًا ما.
ويبدو من حالته أنه كان متوفى.
لأن وجهه كان مشوّهًا لدرجة عدم إمكانية التعرف عليه.
حتى إنها خمّنت أنه رجل فقط لأنه كان يرتدي قميصًا وسراويل في الصورة.
كان الرجل يقبض كفّيه بشدة.
كأنه اتخذ قرارًا حازمًا؟
لكن ذلك كان غريبًا.
شيء ما، شيء ما…
لم تستطع أن ترفع عينيها وحدّقت في الصورة بتركيز.
كأن عينيها علقتا بالصورة، وحدّقت فيها ثم صحّحت حكمها الأول.
لم يكن الرجل يقبض كفّيه.
كانت أصابعه فقط مفقودة تمامًا.
ابتلعت جيزيل صرختها في صمت.
عندما أدرك أنجيل أين تنظر، ابتسم ابتسامة خبيثة.
وكأنه أحضر الصور عمدًا ليرى ذعرها.
بيد مرتعشة من الخوف، قلّبت جيزيل الصور واحدة تلو الأخرى.
لم يكن خيار عدم النظر إلى الصور متاحًا.
لأن نبوبة قوية ما كانت تصرخ بداخلها بأن عليها رؤية الصور حتمًا.
أرضية ممزقة، متعلقات الرجل، وحصى صغيرة.
حجارة أكبر بقليل من الأظافر متناثرة هنا وهناك.
سألت جيزيل أنجيل عن علاقة هذه القطع بصاحب الصورة.
فأشار لها أنجيل أن تقلب الصورة.
كأنها مسحورة بإشارته، قلّبت جيزيل صورة واحدة لتظهر صورة للرجل وفمه مفتوح على مصراعيه ومثبّت بأداة.
كان فم الرجل غريبًا وفارغًا.
على لثته المكشوفة بوضوح، كانت الأشياء التي يجب أن تكون هناك مفقودة.
أخيرًا، صرخت وألقت بالصور.
نعم.
ما ظنّته حصى صغيرة لم يكن حجارة، بل كانت أسنانًا سقطت من لثة الرجل.
نظر أنجيل إلى جيزيل وهو يقهقه.
كبتت جيزيل غضبها المتصاعد وأمرت أنجيل بالركوع.
لكن أنجيل قال فقط “آسف” دون أن يركع أبدًا.
كانت سيطرتها عليه غير مجدية.
كان ذلك مهينًا.
ارتعشت وأمرت أنجيل بإحضار أدوات التأديب.
لكنه بدوره ردّ عليها أنجيل مبتسمًا: “لقد تركتها لأنني جئت إلى ريول، سيدتي.”
اضطرت إلى إصدار الأوامر لأنجيل دون أن تحقق هدفها المرجو.
“اخرج سريعًا وابحث عن الأمير لن أصدق صورًا مبتذلة مثل هذه.”
رغم أن جيزيل رأت في صور متعلقات الرجل ربطة عنق كان فابريس يرتديها غالبًا، إلا أنها تظاهرت بعدم معرفتها.
رغم علمها أنه كان يرتدي فقط ربطة عنق مصنوعة من أقمشة باهظة الثمن، ورغم علمها أن ذلك النمط من الربطات ليس شائعًا، إلا أنها بذلت جهدًا لتتظاهر بعدم رؤيته.
في النهاية، تركت جيزيل شريحة اللحم التي قدّمت في عشاء ذلك المساء كاملة.
لأن شهيتها انخفضت فجأة بعد رؤية الصور.
بدا الدم الذي ينضح من شريحة اللحم مطابقًا للدم الذي رأته في الصور.
أعادت النظر إلى الصور المبعثرة على المكتب.
وجه الرجل المشوّه لدرجة صعوبة التعرف على ملامحه، لو قيل إنه ليس الأمير بل مجرد متشرد عابر لصدّقته.
القميص الذي بدا جيدًا كان ممزقًا مظهرًا الجلد، ومن الجلد المكشوف كان الدم ينضح دائمًا.
القميص الذي كان في الأصل فاتح اللون بدا داكنًا بسبب الدم الذي سال من الرجل.
ما زالت جيزيل تتذكر كل ذلك بوضوح شديد.
غطّت جيزيل رأسها.
شعرت كأن الموت يلاحقها.
ارتعشت يد جيزيل من الألم والخوف.
إذا مات فابريس بهذا الشكل البائس…
هزّت رأسها.
من المستحيل أن يموت أمير البلاد بهذا الشكل البائس.
إنه الابن المدلّل للملك.
لا يمكن أن يكون الأمر كذلك.
حاولت جيزيل جاهدة التخلص من الشعور السيء الذي يتسلل إليها باستمرار.
في قلقها، ربّتت على بطنها كعادة.
لقد غادرت تاركة وراءها والدها المحتجز في دائرة الشرطة.
كان عليها تحقيق نتيجة حتمًا.
وإلا فقد يقضي والدها بقية حياته في السجن.
إذا حدث ذلك لوالدها، فهل ستبقى هي بسلام؟ حتى مقعد الأميرة المعدّ لها سيطير إلى الأبد.
المشكلة ليست في مقعد الأميرة فحسب، بل قد تكون حياتها نفسها في خطر.
أغمضت جيزيل عينيها على الأفكار السلبية التي تغمرها.
لا يجب أن أفكر بسلبية أليس كذلك؟
ربّتت جيزيل على بطنها وتحدّثت وكأنها تخاطب شخصًا.
لم يكن هناك مستمع.
بينما كانت تربت وكأن هناك طفلًا في الداخل، بدا وكأن شخصًا ما يجيبها.
التعليقات لهذا الفصل " 88"