في صباح اليوم التالي.
نُشر في الجريدة خبرٌ مفاده أن حفل رأس السنة – الذي افترض الجميع إلغاءه – سيقام كما في كل عام في قاعة الشمس.
مصدر الخبر كان القصر الرئيسي.
رسمت تيريز تعبيرًا مندهشًا في داخلها، ثم جمعت ملامحها.
وفي تلك اللحظة، خطرت على بالها طريقة جيدة لإنقاذه.
نظرت دلفين إلى الخبر وقالت بوجه خالٍ من التأثر:
“يبدو أن المتمردين ينوون إيصال رسالتهم عبر فم جلالة الملك في حفل رأس السنة.”
“أعتقد ذلك أيضًا، آنسة دلفين ألا تذهبي إلى المعبد؟”
“مهلًا؟ وما شأن المعبد… والأهم، أتقصدين الخروج الآن؟”
كانت ملامح دلفين مليئة بالدهشة والاستفهام.
تجاهلت تيريز ارتفاع نبرة صوت دلفين وأجابت:
“لقد خطرت لي طريقة جيدة لإنقاذ الأمير وهي تتطلب بالضرورة المرور عبر المعبد.”
غلبت الحيرة على وجه دلفين لحظة، ثم نظرت إليها:
“أتعتزمين التسلل إلى صلاة رأس السنة التي تُقام بعد انتهاء الحفل؟”
“أرأيتِ؟ دائمًا ما تكونين سريعة البديهة.”
“سيدتي…”
تقطَّب وجه دلفين.
أمسكت بيدي تيريز وقالت لها بقلقٍ واضح:
“أرجوكِ. تذكَّري عائلتكِ في القصر الذين يقلقون عليكِ… أتعنين العودة إلى القصر الذي فررنا منه لتوِّنا؟”
انتزعت تيريز يديها من بين يدي دلفين ووقفت.
نظرت دلفين إليها وهي في حيرةٍ من أمرها.
“أنا أيضًا أعلم جيدًا أنها مخاطرة.”
“وما دمتِ تعلمين ذلك جيدًا…”
علت رطوبة صوت دلفين.
“وأعلم أنه تهور لكن…”
لمست تيريز رقبتها بعادةٍ قديمة.
شعرت تحت ثيابها بقِبْطة القلادة التي أعطاها إياها دينيس.
“لكن بهذه الطريقة يمكن تقليل الخطر إلى الحد الأدنى أليس الأمر سيتطلب تحرُّكي وحدي فحسب؟”
“……”
“لا أريد أن أرى الآخرين يتأذون أو يتعرضون للخطر بسببِي.”
كان ذلك قرارًا حازمًا من تيريز.
عانت تيريز خلال الأيام القليلة الماضية من شعورٍ بالذنب، لأنها شعرت بأنها خذلت الذين آمنوا بها وتبعوها إلى هنا.
أهذه كل قيمة أميرةٍ كهذه؟ كيف لي أن أحمي الشعب وأنا عاجزة عن حماية حَفنةٍ من مرافقيني؟
لاحقها ذلك الحلم بالتقصير دون توقُّف.
لقد هربت من القصر سرًا مع دانيال دون إخبار باقي الوصيفات، وحاولت المغادرة إلى الإقطاعية خفيةً لإنقاذ نفسها فحسب.
لقد كانت صورةً مليئة بالنقص.
كانوا جميعًا بخير والحمد لله، ولكن لو أصيب أحدهم…
تشنجت قبضة تيريز.
لو حدث ذلك، لما استطاعت مسامحة نفسها.
لذا، كان عليها أن تتحرك بنفسها.
أخفَت تيريز ذلك الشعور بقوة وقالت لدلفين مرة أخرى:
“إن كانت لديكِ طريقة أفضل، فأخبريني بها.”
“…ولكن! أتظنين أن وصيفاتكِ سيوافقن على تعريضكِ للخطر؟”
وضعت دلفين يديها على خصرها ونظرت إليها بتعبيرٍ زاجرٍ متعمَّد.
وكأن ذكر وصيفاتها سيجعلها تتراجع عن خُطَّتها المُجْحِفة.
لكن تيريز نظرت إليها صامتةً قبل أن تفتح فمها.
بصوتها السطحي المعتاد:
“ولمَ يجب أن أستأذن منهن؟ سأخذ آراءهن بعين الاعتبار، لكن الأمر لا يتطلب استئذانًا.”
“……”
تقلَّص وجه دلفين تمامًا.
كانت تيريز جادةً إلى أقصى حد.
في مثل هذه اللحظات تدرك دلفين أن تيريز نبيلةٌ كبيرة لم تستأذن أحدًا قط.
وفي الوقت نفسه، شعرت دلفين بأنها بعيدة للغاية.
بينما كانت دلفين واقفةً صامتة، أكملت تيريز حديثها كمن يطرق وتدًا:
“إن لم تكوني مشغولة الآن، يا آنسة دلفين، فاصطحبيني إلى المعبد أحتاج لوجودكِ.”
“…حسنًا لنفعل ذلك.”
أجابت دلفين رافعةً يديها مستسلمة.
فدلفين، التي غُرِس في عظامها روح التاجر، لا تفكر في المثاليَّات أو الطبقات.
يمكن حل معظم الأمور بالمال، وما لا تستطيع حله ضمن نطاقها لا تهتم به كونه الأكثر كفاءة.
والآن، بما أن هذه قضية لا يمكن حلها بالمال، فمن الأكثر كفاءة التخلي عن محاولة الإقناع.
اتجهت دلفين و تيريز مباشرةً إلى المعبد المركزي وتمكَّنا من لقاء الأسقف دون عناء.
في غرفة الأسقف، كان يمكن رؤية المعبد الجديد قيد الإنشاء.
مبنًا جميلٌ وقدسيٌّ بُنيَ بمال دلفين دون توفير.
عندما وقعت نظرة تيريز على المعبد قيد البناء، ارتسمت على وجه الأسقف تعابير الرضا.
“يسعدني جدًا رؤيتكِ مرة أخرى، أيَّتها المؤمنة.”
قال الأسقف ممسكًا بيد تيريز بوجهٍ بدا صادقًا.
أومأت تيريز برأسها موافقةً بتعابير منسجمة معه.
وبالطبع، كان فرح الأسقف بلقاء تيريز صادقًا.
فالقرابين التي قدَّمتها للمعبد ليست بالقليلة.
حتى قرابينها الأخيرة وحدها تبلغ بضعة آلاف من الـ”لويه”.
ولو اختفت حقًا كما تقول الشائعات المنتشرة في العاصمة، لاختفت معها القرابين التي ستقدِّمها مستقبلًا، وهذا ما سيكون مؤسفًا للمعبد بلا شك.
نظرت تيريز إلى المعبد الذي يدور حول المال بصرامة فشعرت بالاطمئنان.
فالمعبد لن يخونها.
لكنها احتاجت أيضًا لاسترضاء المعبد باعتدال لتجنُّب ارتكاب خطأٍ كحادثة زندقة الملك الماضية.
فقد يكون من المصيبة أن يظهر أحدٌ يعرض تقديم قرابين أكثر فينحاز المعبد إليه.
أدارت تيريز كأس الشاي الساخن وبدأت حديثها:
“أعتقد أن المعبد على علمٍ بذلك أيضًا.”
نظر إليها الأسقف عند كلامها المفاجئ:
“عن ماذا تتحدثين؟”
“أليس من الشائع أن هنالك إشاعة تنتشر علنًا عن وجود مدخرات شخصية لجلالة الملك في هيرزان؟”
رسم الأسقف – الذي بدا عليه الارتباك – ابتسامةً رحيمة وكأنه شمَّ رائحة المال من كلامها، وأجاب:
“أها. علاقة المعبد بالعالم الخارجي بعيدة، لذا هذه أول مرة أسمع بها، ولكن بما أنكِ من تقولينها، أظن أنني سمعت عنها عرضًا.”
“لا أحد يعلم المبلغ الدقيق لتلك المدخرات، سيادة الأسقف.”
تباهت تيريز أمام الأسقف رغم أنها هي نفسها لا تعرف حجم المدخرات بدقة لأن جاك لم يعد بعد.
لكن ذلك كان كافيًا.
فالأَسقف ليس أحمق.
لو كانت مدخرات الملك هناك حقًا.
ولو تنازل الملك عن العرش بسبب المتمردين.
فلمَن ستؤول تلك المدخرات؟
ابتسم الأسقف ابتسامةً عريضة، وكأنه أدرك مغزى كلامها الذي ذكرت فيه مبلغ المدخرات عمدًا.
يبدو أن فكر الأسقف وصل إلى نفس النقطة.
كل أو جزء من مدخرات الملك.
“أهكذا؟ أنا لا أفهم كثيرًا في هذه الأمور الدنيوية.”
رغم إجابته تلك، إلا أن نظرة الأسقف – التي ازدادت بريقًا – توجهت إلى الجدار الفاخر المقابل.
رفعت تيريز نظرها نحو الجدار الذي كان الأسقف ينظر إليه.
علقت عليه لوحة صغيرة.
لوحة بحجم كفَّي اليد تبدو بسيطة لكنها ثمينة.
إحدى أعمال بالوا التي بيعت في المزاد بثمنٍ باهظ قبل سنوات قليلة، وتصوِّر نايت – حاكم مملكة فالوا الأول – مع حرسه.
يبدو أن الأسقف كان يشعر بالأسف لتعليق لوحة صغيرة على جدارٍ واسع.
“ومع ذلك، فإن المعبد مليء دائمًا بالجياع… سيكون جميلًا لو امتلك المعبد بعض اليسر.”
“كلامكِ صحيح بالطبع.”
من ذا الذي يجوع إلى هذا الحد؟
تجاهلت تيريز نظرة الأسقف وأدارت رأسها.
رفع الأسقف كأس الشاي وقلَّبه.
من الواضح أنه كان يحاول إخفاء وجهه الراضي بعد أن انتهى من حساباته.
“هل ترغبين في المزيد من الشاي؟ المعبد مفتوح دائمًا لأمثالكم، أيَّتها المؤمنة إن كان لديكِ أمرٌ في نفسكِ، فتعالي إلينا متى شئتِ.”
“بالتأكيد.”
ابتسمت تيريز وهي تنظر إلى وجه الأسقف.
لقد نجحت المفاوضات.
عندما عادت وأخبرت دانيال وإيلي بالخطة، قابلتها معارضة شديدة كما توقعت دلفين.
خاصة إيلي، التي بدأت تتلمَّظ كأنها سمعت نبأ موتها في الغد.
“سيدتي، أرجوكِ كيف تعودين إلى القصر الذي هربتِ منه؟ دعينا نفعل ذلك بدلًا منكِ أليس كذلك؟”
“لا أعلم.”
هزَّت تيريز رأسها متشككة.
كان عليها التعامل مع الأمور الهامة بنفسها.
ليس فقط لأنها لا تطيق تعرُّض الآخرين للخطر مكانها، ولكن أيضًا لأن الموقف الحالي قد يكون فيه متسلل ينقل المعلومات.
كانت حقيقة وجود جاسوسٍ يتسرَّب منه الخبر في مكانٍ ما هي الأهم.
من أجل الحفاظ على السرية، وتقليل المخاطر.
كان تحرُّك تيريز وحدها هو الحل الأكثر منطقية.
لكنها لم تستطع البوح بكل تلك الهموم والمخاوف.
فقلقها الصغير قد ينتقل بسهولة إلى وصيفاتها.
لخَّصت تيريز الأمر بعبارة واحدة:
“من يعترض على خطتي، فما زال الوقت ليس متأخرًا سأعطيه مكافأة ترك الخدمة بسخاء.”
“……”
“يبدو أنه لا يوجد معترضون إذاً سنمضي في الخطة ولا تخبروا أحدًا آخر بهذا فهو سري للغاية حتى الآن.”
“حسنًا.”
كانت دلفين تنظر بتعاطفٍ مع اعتراضهم.
وعندما غادرت الوصيفات، أخرجت نفسًا عميقًا وتبعتهن.
يبدو أنها كانت تنوي تهدئتهن.
بقيت تيريز وحدها في الغرفة ولمست قلادتها بعادتها.
شعرت وكأن قلبها الذي كان ينبض بغير انتظام يهدأ تدريجيًا عندما داعبَت القلادة.
لم تكن هي بمنأى عن الخوف.
لقد كانت خائفة.
تلك كانت مشاعرها الصادقة.
ولهذا هربت من القصر بمفردها حفاظًا على حياتها، رغم علمها بأن ذلك جبن.
ولكنها في الوقت نفسه لم تستطع تركه لأنها تحبه.
“الحب.”
سمعت تيريز همستها التي أطلقَتها فأحست بالسخرية.
لقد غيَّرها هذا الشعور الذي لا وجود ملموس له ولا يمكن إثباته، هي التي لم تعرف غاية أخرى طوال حياتها.
لقد جننت به حقًا.
كما قال أخوها ماكس، لقد كان الأمر كذلك حقًا.
لو رأى أخوها ماكس حالها لَقَفَز من مكانه.
لقد يكون قد شرح لأخيها ريتشارد سبب عدم ذهابها إلى الإقطاعية بحلول الآن.
فهو شخصٌ قاسي الكلام لكنه دافئ المشاعر.
كأن صوت ماكس يصل إلى أذني تيريز وهو يصرخ ويغضب.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي تيريز.
تصرَّف ماكس وكأنه يرى جانبًا حازمًا من تيريز للمرة الأولى في العربة.
وذلك متوقع.
فمن الظاهر، كانت تبدو له الأخت الصغيرة التعيسة التي اضطرت للزواج من الأمير تحت ضغط والدها.
أن تقول له مثل هذه التيريز إنها لا تستطيع ترك زوجها وحده وتطلب منه تغيير وجهة العربة.
حتى دانيال، التي كانت دائمًا إلى جانبها، لم تكن تعلم بحبها الطويل لدينيس منذ الصغر.
بالطبع، اكتشف الجميع الأمر الآن.
تاقت تيريز لرؤية وجهه سريعًا.
(يُتبَع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 86"