كان الوقت قد أصبح بالفعل هو وقت استيقاظها المعتاد.
كانت غرفة النوم دافئة بسبب إشعال الموقد مسبقًا.
ترنَّحت تيريز وجلست على حافة السرير.
سمعت صوت حديث من خارج الغرفة.
وكأنهم لاحظوا أن الأجواء في القصر ليست طبيعية، فكانوا يتحدثون بصوت خافت.
ولكن حتى ضحكاتهم الخفيفة اخترقت جدران غرفتها.
شعرت وكأن العالم هناك في الخارج، وهذا العالم الذي تقبع فيه داخل الغرفة، عالمان منفصلان.
كان هناك، خلف الباب، حياةٌ عادية لأناس عاديين تمرُّ أحداثٌ مصيرية من حولهم دون أن يفقدوا حياتهم أو يموت أحباؤهم.
سواء مات الملك أو تغيَّر الحاكم، لن تتغير أيامهم.
سيأكلون، وسيقومون بنفس الأعمال اليومية، وسينتظرون الأيام وهم يحصُّون موعد العودة إلى المنزل.
لكن تيريز لم تكن كذلك.
كانت في وسط دوامة حدث سينقلب معه عالمها رأسًا على عقب.
هي بالكاد نجَت بحياتها، وزوجها في حالة إن مات غدًا فلن يكون الأمر مستغربًا.
في هذه اللحظة، شعرت بحسدٍ شديدٍ لأولئك الأشخاص الموجودين خلف الباب.
دخلت تيريز تحت اللحاف ولفَّت جسدها على هيئة كرة.
كان الهواء في الغرفة دافئًا، وقد غمر الخجل وجهها بعد الاستحمام بالماء الساخن، لكنها مع ذلك شعرت ببرودة غريبة.
وكأن رياحًا تهبُّ عليها من مكانٍ ما باستمرار.
الباب كان مغلقًا بإحكام.
كانت الرياح تهبُّ بين ضلوع صدرها.
فتحت تيريز قلادة القلادة التي ترتديها منذ أن حصلت عليها منه ولم تخلعها أبدًا.
رأت الوجه يبتسم ببهجة.
“عندما نلتقي مجددًا…”
ارتجفت نهاية كلمات تيريز بخفّة.
أريد أن أقول الكثير، أيها الأمير.
أيها الأمير، ربما لا تعرف، لكني كنت معجبة بك سرًا منذ طفولتي وقعت في حبك من النظرة الأولى عندما رأيتك قادمًا من الجانب المقابل من بين كل أولئك الناس، أنت فقط كنت متألقًا.
كنت سعيدة عندما طلب مني والدي الزواج منك، لكني لم أستطع إظهار ذلك لأنه كان أمام والدي، ولأنني كنت أعرف أنك تكره عائلتي بشدة لذا، كانت ليلة زفافنا الأولى التي قضيناها معًا حزينة ووحيدة. لأن معرفة الأمر شيء ورؤيته عيانًا شيء آخر كان واضحًا حتى في عينَيَّ أنك تكنُّ لي اشمئزازًا.
ولكن ليست كل الذكريات مؤلمة حنان يدك عندما كنت تمرضني عند ارتفاع حرارتي، ودفئك عندما أنقذتني من الغرق، اعترافك بأنك تفكِّر بي بعد سماعي تلك الكلمات، رأيتك محبوبًا بشكل لا يُحتمل. لأن تلك الكلمات بدت لي كاعتراف بأنك ‘تحبني’.
شعرت أن الوقت الذي قضيناه معًا لم يكن بلا معنى.
كنت سعيدة، وسعيدة جدًا. لذا، ظننت أن الوقت المتبقي لنا سيكون وقتًا يمكننا فيه التفكير والنظر إلى بعضنا البسطة فقط لكن أنت وأنا…
تركت كل تلك الكلمات جانبًا، ولم تنطق تهيز سوى جملة واحدة:
“…أشتاق إليك كثيرًا.”
***
قبل يومٍ من ذلك.
اشتبك المتمردون الذين اقتحموا القصر الرئيسي مع فرسان العائلة المالكة.
وفي قصر الأمير، كان دينيس واقفًا في مواجهة رجلٍ ما.
أمام الرجل الذي كان يوجه فوهة مسدسه مباشرة نحوه، سأل دينيس:
“أين روبرت؟”
كانت نبرة صوته هادئة وكأن المسدس غير مرئي.
أجاب الرجل وهو يستمر في توجيه المسدس نحوه بمرونة:
“كل أولئك المعتدلين الأوغاد ماتوا لن تستطيع رؤيته مجددًا.”
“ها!”
“لهذا السبب تغيَّرت شروط العقد قليلًا يجب أن تشغل منصبًا في الحكومة الثورية.”
كانت أسنان الرجل الأمامية -التي ظهرت عندما ابتسم- مفقودة، وفي مكانها مادة صفراء عالقة.
كان منظرًا بشعًا لا مثيل له.
قال دينيس بحزم:
“لقد أوضحت لروبرت رفضي بوضوح سأقدم الدعم لتأسيس الحكومة ثم أتخلى عن الأمر.”
كان شرط دينيس لروبرت هو تقديم الدعم المالي واللوجستي اللازم مقابل عدم تولي منصب رئيس الوزراء.
طلب روبرت منه إعادة النظر عدة مرات، لكنه كان حازمًا.
كان السبب زوجته.
إذا سقطت السلالة الحاكمة، وجاء عالم جديد يريده الشعب…
فقد فكَّر دينيس في الذهاب مع تيريز إلى مكان هادئ والعيش هناك.
سواء كان الجنوب أو الشرق، أي مكان كان جيدًا.
لكنه فكَّر ربما يذهب إلى الشرق إذا قررا الرحيل.
لأن هناك مكانًا تحبه تلك المرأة.
لم تكن تيريز الوحيدة التي تفتقد الوقت الذي قضوه في غابة سكوني.
أعجب دينيس أيضًا بأجواء غابة سكوني.
عندما تنتهي كل الأمور، لنذهب إلى هناك ونعيش معًا.
كان يختار الوقت المناسب لقول هذا الكلام لـ تيريز.
ولكن مع انقطاع أخبار روبرت الذي كان على اتصال مستمر به فجأة، واندلاع الأحداث المتتالية، لم يتح له أي وقت للحديث بهدوء معها.
علاوة على ذلك، لحقت بها إشاعات خبيثة تستهدف تيريز.
وعندما رأى دينيس سلسلة الأحداث، عزم أكثر على عدم الظهور أمام العامة والعيش بهدوء.
كان ذلك لحماية تلك المرأة من الأذى.
لكن فجأة، تغيَّرت أجواء العاصمة بشكل حاد.
بدأت الشرارة مع اشتداد قمع الملك للمتظاهرين.
انقسم المتظاهرون أنفسهم إلى فصيل معتدل وآخر متطرِّف.
حتى الآن، كان المعتدلون في طليعة المتظاهرين، ولكن مع اختفاء أو فقدان رفاقهم واحدًا تلو الآخر بسبب قمع الملك، استغل المتطرفون هذه الفجوة لنشر نفوذهم.
في غضون ذلك، اقترح المعتدلون طلب تأسيس مجلس وطني عبر التفاوض، بينما انقسمت الآراء حول اقتحام القصر الرئيسي أولاً.
ثم مع انضمام رجل من هيرزان إلى صفوف المتظاهرين، تعاظمت أصوات المتطرفين بشكل كبير.
لأن ذلك الرجل كان يطالب بقتل الملك.
لم يعد المتظاهرون الذين زحفوا نحو القصر الرئيسي بالبنادق والسيوف التي وفرها دينيس هم الشعب المسالم الذي كان يعرفه.
قال الرجل الواقف أمام دينيس، هنري، بوجهٍ دنيء:
“هناك أمور في العالم لا تسير كما تشاء. من الأفضل أن تتعاون برضا. وإلا فلن تكون حياة زوجتك الحبيبة آمنة.”
“……”
كان السبب في أن المتطرفين، رغم حديثهم عن تأسيس حكومة ثورية، يريدون تقديم دينيس هو شعبيته بين العامة.
أمير ذو دماء شعبية وله المعبد كخلفية.
وفكَّر الرجل أنه بما أن أولئك المعتدلين الأوغاد قد أعدوا الأمير جيدًا بالفعل، فإنه مناسب ليكون وجه الحكومة الثورية مع وراثة شرعية العائلة المالكة.
لكن زوجته لم تكن كذلك.
أليست من سلالة عائلة أصبحت من النبلاء الكبار بمص دماء العامة؟ كان ينبغي قتل تلك المرأة كرمز للنظام القديم.
فمن غير الصحيح أن تكون زوجة من سيصبح قائد الحكومة الثورية شخصية من العصر القديم.
عندما تقتل تلك المرأة ويصبح الأمير وجهًا للنظام، يمكن إقناع حتى أولئك الذين لا يفهمون شرعية وعدالة الحكومة الثورية.
من ناحية أخرى، قال المتمردون الذين احتجزوا إليوت كرهينة إنهم سينقذون حياته إذا تحققت مطالبهم فقط.
إليوت الذي عاش طوال حياته يدوس على حياة الآخرين بخفة، رفع يديه عندما وُجِّه المسدس إلى رأسه.
كانت هناك مقاومة قصيرة، لكنها لم تدم طويلاً.
كان إليوت إنسانًا يهمه حياته أكثر من أي شيء آخر في العالم.
في قاعة الاجتماعات حيث وقف المتطرفون بالبنادق، جلس الملك والوزراء في صف.
وجلس على الجانب المقابل زعيم المتمردين.
وضع المتمردون ورقة مكتوبًا عليها مطالبهم.
“هذه مطالبنا.”
أخذ إليوت الورقة التي قدموها له.
تغيَّرت تعابير وجه الملك الذي كان يقرأ الكلمات لحظة بلحظة.
التعليقات لهذا الفصل " 80"