لقد انحرفَ فهمُ فابريسَ لمعنى ‘تأديب النفس’ تمامًا.
“وأيضًا… بسببِ تهمةِ القتلِ المنسوبةِ إلى سموِّكَ.”
“آه، مجرَّدُ تذكُّرِ ذلك يُثيرُ اشمئزازي من جديد! لماذا كلُّ هذا الضجيجِ حولَ شيءٍ لم أفعله!”
أطلقَ فابريسُ سيلًا من الشتائمِ دونَ توقُّف.
احتجَّ بأنَّه لا يفهمُ كيفَ اتُّهمَ هو بالجريمةِ، وأنَّ الأمرَ جائرٌ.
“أنا مشغولٌ باللهوِ، بل لم أتمكَّنْ حتى من اللهوِ مؤخرًا! أينَ أجِدُ الوقتَ لأقتلَ الناسَ وأتجولَ؟ إذا فعلتُ ذلك، فقد أتعرَّضُ للضربِ بالسوطِ على يدِ تلكَ المرأةِ المجنونة!”
“نعم، نعم، بالطبعِ لم تفعلْ ذلك.”
**
بينما كانَ الخادمُ يدلِّلُهُ كما يُدلِّلُ طفلًا، وصلوا إلى الفيلا الصغيرة.
“اختبئْ في الفيلا الصغيرةِ لبعضِ الوقت سأعودُ إليكَ عندما تستقرُّ الأمورُ قليلًا.”
“إلى أينَ تذهبُ؟”
“هناكَ بعضُ الأمورِ التي لم أنهِها بعد، لذا يجبُ أن أذهبَ إلى محطةِ ليولِ لفترةٍ قصيرة فهناك أشياءٌ كنتَ تستخدمُها قادمةٌ إليك سموُّكَ، يجبُ ألّا تغادرَ الفيلا الصغيرةَ أبدًا ابقَ داخلَها حتى أعود!”
بسببِ فراره على عجلٍ بأمرٍ من الملك، لم يتمكَّنْ من إحضارِ سوى حقيبةٍ واحدة.
لم يكنْ في الحقيبةِ سوى كيسٍ من النقودِ يحتوي على قطعٍ ذهبيةٍ من فئةِ لوي، وقطعةٌ من ملابسِ فابريس.
ثلاثُ جرائمِ قتلٍ لمواطنين أبرياءَ في العاصمة، وتهمةُ الاعتداءِ على المركيز إنيجلغر، والفضائحُ التي كانَ إليوت يغطِّيها طوالَ الوقت…
كانتْ قائمةُ الجرائمِ المُنسوبةِ إلى فابريس طويلةً جدًّا.
أمَّا لعبُ القمارِ في الكازينوهات، أو قضاءُ الليالي مع راقصاتِ القصرِ أو الشابَّات، فلم تكنْ تستحقُّ حتى العدَّ، فهي أمورٌ تافهة.
وحيثُ كانَ واضحًا أنَّ هروبَهُ سيطول، كانَ لا بدَّ من إحضارِ جميعِ متعلقاتِهِ من القصر.
لأنَّ الأميرَ الثاني سيءَ الطبعِ قد يثورُ في أيِّ وقتٍ ويأمرُ بإحضارِ أغراضه بينما يركلُها بقدميه.
ولم تكنِ الفيلا الصغيرةُ في ليول مخصَّصةً للعائلةِ المالكة، بل هي فيلا بنَاها إليوتُ من أموالِهِ الخاصَّةِ في شبابِه.
لذا، فحتى مطاردو الأميرِ الثاني سيجدونَ صعوبةً في تعقُّبِ أثره.
لهذا السببِ أخرَجَ إليوتُ فابريسَ إلى ليول.
أوصَى الخادمُ فابريسَ مرارًا وتكرارًا.
كانَ القلقُ بادِيًا على وجهه وهو يغادر، بنظرةٍ كَنَظرةِ مَنْ يتركُ طفلًا على شاطئِ النهر.
ولكنْ، لو كانَ فابريسُ يطيعُ كلامَ خادمِهِ، فهل كانَ سينالُ ألقابًا مثلَ “سفَّاحِ العائلةِ المالكة” أو “كلبِ العائلةِ المالكة”؟
“حسنًا، هلَّا نستكشفُ الفيلا؟ أينَ الخمرُ؟”
“من هنا، يا سيدي.”
عندما انحنتِ الخادمةُ التي خرجَتْ لاستقبالِهِ في الفيلا، ظهرَتْ رقبتُها.
بدَا عليها أنَّها صغيرةُ السنِّ، فكانَ زغَبُها ناعمًا.
أشرقَتْ عينا فابريسِ وسأل:
“كم عمركِ؟”
“بلغتُ سنَّ الرُّشدِ العامَ الماضي.”
“همم.”
وكأنَّهُ راضٍ عن إجابةِ الفتاةِ، أطلقَ فابريسُ صوتَ زفير.
***
كما هي عادتُها، كانتْ تيريز جالسةً في مكتبِها تُنْهِي بعضَ الأعمال.
لم يتغيرْ سوى أنَّ النارَ في الموقدِ أصبحَتْ أكبرَ مع زيادةِ برودةِ الجوِّ يومًا بعدَ يوم، وأنَّ الستائرَ أصبحَتْ أكثرَ سمكًا.
ومع ذلك، كانتِ الريحُ الباردةُ تهبُّ من خلالِ شقوقِ النوافذ.
كانَ هناك تغييرٌ آخرُ يختلفُ عن السابق، وهو أنَّ طعامًا كثيرًا انتشرَ على مكتبِ تيريز.
منذ أنْ سقطَتْ مغشيًا عليها أثناءَ جنازةِ جوليان، حاولَتْ تيريز قدرَ الإمكانِ ألَّا تفوتَ أيَّ وجبة.
وأيضًا كانتْ تتناولُ وجباتٍ خفيفةً بينَ الوجباتِ الرئيسية دونَ فِلتان.
وكانَ هناك تغييرٌ أخيرٌ إضافيّ، وهو أنَّ دينيس كانَ يرسلُ هدايا تقريبًا مرةً أو مرتين في الأسبوع، ربَّما لأنه تأسَّفَ لمرورِ عيدِ ميلادِها دونَ احتفال.
“نعم، هذا صحيح طريقةُ العنايةِ به هي سقْيُهُ مرَّةً واحدةً في الأسبوع، وتعريضُهُ لأشعةِ الشمسِ لساعةٍ واحدةٍ على الأقلِّ يوميًّا إذا وضعتِيهِ في الخارج، فقد يتجمدُ ويموت، لذا يمكنُكِ زراعتَهُ في الداخل.”
التعليقات لهذا الفصل " 74"