طوَى إليوت الرسالة التي في يده.
“أيها الحشرات الحقيرة…”.
كانت رسالة قادمة من المعبد.
ملأتها كلمات الاعتناء بالصحة والدعوات الطويلة، لكن جوهرها كان واحدًا:
مطلب إلغاء تعيين ولي العهد.
حتى تمزيقها إربًا لم يكن ليُشعره بالارتياح.
كما كان النبلاء يقدِّمون يوميًّا التماسات يطلبون فيها إعادة النظر في تعيين فابريس وليًّا للعهد.
كان يرفض تمامًا أن يُساق حتى في مسألة تنصيب ولي العهد، وهي صلاحية مطلقة للملك، خلفًا لإرادة المعبد أو النبلاء.
ألم يكن قد قدَّم مؤخرًا أمواله الخاصة للمعبد ليغطي به قضية المهرطقين؟
كان شعورًا يقشعر له بدنه كلما تذكَّر ذلك.
ثروة جمَّعها بجهد طوال كل ذلك الوقت!
كم عانى طوال تلك السنوات ليجمَع تلك الثروة.
مع ذلك، كانت في النهاية ثروة كونها من الرشاوى التي قدَّمها النبلاء والأموال التي اختلسها من الميزانية.
عبرت عقودٌ من السنوات في ذهن إليوت في لحظة.
ألقى بالرسالة التي في يده على الأرض.
حتى مع تقلُّب الورقة الفاخرة المنقوش عليها ختم المعبد وهي مُجعَّدة على الأرض، لم يتحسَّن مزاجه ولو قليلًا.
عندما طرد الدوق برييم بتهمة الهرطقة، كان عليه أن يضع في اعتباره احتمال تفكك تحالف النبلاء القدامى.
لقد كانت تلك هزيمته.
يبدو أن عدد النبلاء الذين انضموا لدينيس بعد أن عُلِّق رأس الدوق برييم في الساحة لا بأس به.
“ما هذا كلّه…”.
أحس إليوت بألم نابض في رأسه.
لقد اختار الشر الأقل بدلًا من الشر الأعظم، لكنه الآن يشك حتى في ما إذا كان ما اختاره هو بالفعل الشر الأقل.
حتى في نظره هو، كان الأمر مُخزيًا.
“هل اخترت الصحيح حقًّا… أم أن هذا يعني أن حكمي كان خاطئًا؟”.
انتشرت كلماته الضعيفة التي قالها لنفسه في الغرفة الهادئة.
على غير العادة، كان إليوت الآن في كامل وعيه.
في معظم الأوقات، كان مخمورًا.
إما مخمورًا بالخمر أو بالنساء.
لكنه لم يتعاطَ المخدرات.
فهو يعرف جيدًا، أكثر من أي شخص، مدى خطورتها.
فقد أرسل إخوته إلى الموت بها.
كل من شاركوه دمه عادوا إلى حيث أتوا.
أرسل إخوته الذكور إلى الجنة الأبدية، وأرسل أخواته إلى بلاد أجنبية لن يعودوا منها أبدًا.
مرت عقود على ذلك، وتوالت أخبار وفيات أخواته واحدة تلو الأخرى حتى توقفت.
مما يعني أنهم جميعًا ماتوا.
لم يتبقَّ من إخوته وأخواته سوى إليوت وحده.
وحده فقط.
ما جعل الأمير الخامس، الذي لم تكن لديه قوة تُذكر، يصير ملكًا، كان شغفه اللامتناهي بالعرش.
من كان ليتخيَّل أن الأبعد عن العرش سينتهي به المطاف بالاستيلاء عليه؟
ابتسم إليوت مبتسمًا ساخرًا.
في هذه الأيام، حيث كثر شَعره الأبيض ولم يعد يرى الحروف القريبة جيدًا.
استحضر ماضيه المتعب.
لأن فابريس كان يذكِّره باستمرار بشبابه.
أدرك فجأة كم أصبح بليد المشاعر.
لو كان هناك جزء واحد فقط من وجه فابريس أو عينيه أو شعبه مختلف عنه.
لربما كان اختيار إليوت مختلفًا بعض الشيء.
لربما كان سيعطي العرش لدينيس.
شارل.
تلك المرأة كانت الانحراف الوحيد الذي سمح به لنفسه، وهو الذي حاول ألا يحيد عن مساره.
عندما ينظر إلى وجه تلك المرأة، كان يخيل إليه أنه لم يُصب بالخلل.
امرأة كالشمس.
بل هي الشمس نفسها.
من يغوص في الظلام يتوق إلى الشمس.
ولعل هذا هو سبب رغبته الجامحة في امتلاكها.
“أحبكِ، شارل.”
“حقًّا، أحبني جلالتك؟”
“حقًّا. سأحبكِ دائمًا، إلى الأبد.”
عند اعتراف إليوت، ضحكت المرأة ضحكة كادت تُحطِّمها.
لإخراجها، قدَّم الكثير للمعبد.
لكن في النهاية، تحطَّمت المرأة التي أمسكها في قبضته.
الشرخ بدأ من نقطة صغيرة.
أي، من أن الطفل الذي ولدته لم يشبهه ولو في شيء؟
“لماذا لا يشبهني هذا الطفل على الإطلاق؟”
“انظر إلى أرنبة أنفه إنها تشبه جلالتك تمامًا!”
حاولت المرأة أن تصنع أوجه شبه بينهما، ودفعت الطفل نحوه.
“……”.
عندما رأى الطفل يبتسم براءة، شعر إليوت بالغثيان.
“شارل أجيبي بصدق هل هناك رجل آخر غيري؟”
“ما هذا الكلام!”
أجابت المرأة ووجهها شاحب.
“إنه لا يشبهني ولو قليلاً!”
بدأ الوهم الذي انطلق يتضخم، وسرعان ما تظاهر بأنه حقيقة.
بدأ يعتقد أن شارل كان لها عشيق.
ومنذ ذلك الحين، بدأت تفاصيلها الصغيرة تزعجه.
طريقتها الساذجة في الكلام، وضحكتها الغبيّة.
النقرة التي تظهر على خدها عندما تضحك.
مساوئ شارل الصغيرة التي بدت تكبر مع مرور الوقت.
والنبلاء الأذكياء هم من تسلَّلوا إلى ذلك الصدع الدقيق.
“جلالتك الزوجة الملكية من عامة الشعب لا تضر إلا بمكانتك السامية. اتخذ زوجة جديدة.”
لم يستغرق الأمر سوى لحظة حتى ينهار إليوت، الذي رفع شارل إلى منصب الزوجة الملكية رغم معارضة النبلاء الشديدة، مثل قلعة من الرمال.
“نعم، يجب ذلك.”
أجاب إليوت كما لو كان يوافق على مضض على التماس النبلاء.
لكنه كان في الحقيقة يوافق على أنه يحتاج أيضًا إلى زوجة ملكية مناسبة.
في ذلك الوقت، كانت قد مرت فترة طويلة منذ أن زار إليوت شارل آخر مرة.
كان يحتاج إلى زوجة ملكية تستطيع أن ترد الكلام برشاقة عندما يخاطبها أحدهم بكلام خفيٍّ مليء بالشوك، وتستطيع أن تبتسم أناقة وهي تغطي فمها.
شارل، تلك المرأة غبية جدًا، لا تليق بي.
كان هذا استنتاجه.
لم يعترض عندما حبسها النبلاء المتفوّقون قوتهم.
ولا حتى عندما أتته شارل وهي غارقة في الدموع حاملة طفلها.
ولا عندما قيل له أن شارل قد جنّت وتقضي كل ليلة ساهرة على الخمر.
كل ما فعله إليوت هو المشاهدة بعيون لا تعرف الشفقة.
مرّت عينا شارل الدامعتان في ذهن إليوت.
احتسى إليوت ما تبقى من الخمر في الكأس ومحى حتى تلك العينان.
لقد فعل ما كان ينبغي عليه كملك أن يفعله فقط.
فالتضحية بهذا القدر كانت أمرًا طبيعيًا لحماية السلطة الملكية.
لم يندم على ما فعله.
كل ما في الأمر أنه الآن عليه التفكير فيما سيفعله بعد ذلك.
المشكلة، إن كانت هناك مشكلة، أنه رغم محاولته التفكير بموضوعية، كان يستمر في التعاطف مع فابريس، الذي هو صورة طبق الأصل عن شبابه.
تمنَّى أن لا يعرف فابريس كل المشقات التي تحمّلها ليحصل على العرش في شبابه.
تمنَّى أن يسير ذلك الصبي في طريق مُعَبَّد فحسب.
ولكي يحدث هذا، يجب أن يكون هذا المقعد أبديًا.
لم يكن المؤيدون لحل الملكية نادرين تمامًا في تاريخ فالوا.
في الجيل السابق، وفي الذي سبقه.
لم تُسجَّل كل الأحداث في التاريخ، لكنها لم تكن معدومة.
ومع ذلك، ظلّ هذا المقعد صامدًا.
قبض إليوت على ذراعي العرش الذي يجلس عليه بشدة.
هذا المقعد المصنوع من الذهب وأثمن الجواهر، هو للملك إلى الأبد.
لا يمكن التخلي عنه لأحد.
حقيقة أنه هو الجالس عليه الآن تعني أن أولئك الرجعيين في التاريخ قد فشلوا، أليس كذلك؟
لذا، كان إليوت واثقًا من نفسه.
كل التهم الباطلة التي لُفِّقت لفابريس ستزول مع الوقت.
وعندما يصير ملكًا، لن تشكل مثل هذه الأمور الصغيرة حتى عيبًا.
من الذي استجوبه يومًا عن جريمة قتل إخوته؟
من الذي تفوّه حتى بكلمة تشكيك فيه؟
لم يحدث قط.
كان إليوت واثقًا من نفسه.
لذلك.
“استخدموا حامية العاصمة لوقف المتظاهرين اِعتقلوا كل أفراد حثالة المتظاهرين أبعدوهم عن ناظري.”
“نعم. حسنًا، جلالتك.”
كانت فترة تردده قصيرة.
غادر فيليب، صديقه القديم وقائد حامية العاصمة، بعد أن انحنى لإليوت.
استمر تساقط الثلج يوميًا في عاصمة فالوا، لوبيرن.
في طقس لوبيرن الشتوي الطويل، لا يوجد سوى خيارين: إما أن تثلج أو لا.
فخيارات كالشمس أو المطر غير موجودة في شتاء لوبيرن.
تساقط الثلج مرة أخرى فوق أماكن ذاب فيها الثلج من قبل.
الثلج يتساقط بالتساوي.
على أسقف القصر الملكي المطلية بالذهب، وعلى أسقف الأكواخ البالية في الأحياء الفقيرة.
تحولت الطرق بأكملها إلى جليد بسبب الثلج الذي تساقط فوق الثلج الذائب الموحل.
كانت مشهدًا مألوفًا يتكرر كل شتاء، لذلك كان دينيس ينظر من النافذة بلا تعبير.
بسبب بطء العربة، ألقى سيلبانغ نظرة خاطفة على تعبير وجه دينيس.
رأى وجهه الذي لا يُقرأ، فصمت سيلبانغ، الذي كان ليتحدث في العادة بثرثرة.
كان ذلك بفضل حكمته السريعة المكتسبة من خدمة دينيس لسنوات عديدة.
بعد فترة طويلة من الصمت، سُمع صوت السائق المُرحَّب به.
“لقد وصلنا.”
عند كلام السائق، نزل دينيس من العربة.
طَشْ.
تطاير الثلج الذائب الموحل على ساقه.
في وسط العاصمة، كان هناك الكثير من المارة، لذلك كان من المعتاد إزالة كل الثلج.
لكن في أطراف العاصمة، حيث كان المارة قليلين، لم تُنظف الثلوج بشكل صحيح، فكانت الطرق مليئة بمياه الصرف الصحي السوداء.
“هل أنت بخير؟”
جاء سيلبانغ مذعورًا حاملًا منديلًا.
“لا داعي.”
نفض دينيس طرف بنطاله بشكل مناسب ثم استمر في السير.
لم تكن البداية مُبهجة جدًا.
تقدَّم سيلبانغ كدليل أمام حانة آيلة .
عند فتح الباب الخشبي القديم المهترئ والدخول، لم يكن هناك أي زبائن، ربما لأنه كان النهار.
كان المالك أيضًا ينظف الكؤوس بوجه مُتعب.
صعد سيلبانغ ودينيس كما لو كان المكان مألوفًا لديهما إلى الطابق الثاني وفتحا بابًا خشبيًا.
وفي الداخل، كان ينتظرهما باب حديدي سميك جدًا.
عند الطرق على الباب، خرج شخص من الداخل، وبعد أن تحقق من وجوه الرجلين، فتح الباب.
سار دينيس و سيلبانغ كما لو كان المكان مألوفًا لهما عبر ممر ضعيف الإضاءة.
كان هذا لقاءهما الثالث حتى الآن.
أثناء سيره، نظَّم دينيس أفكاره.
كان ذلك لأنه لم يُقرر بعد ما في نيته.
عند فتح باب الغرفة التي وصل إليها بعد السير في الممر، رأى وجوهًا مألوفة.
كان الجالسون مزيجًا من أولئك الذين اسودت وجوههم من السواد وأولئك الذين لم تكن كذلك.
“مرحبًا بك، سمو الأمير.”
حياه أوليفييه، الذي وصل أولاً.
ثم قدَّم الرجال ذوو الوجوه القاسية تحياتهم لدينيس.
عندما جلس دينيس في مكانه، قال أوليفييه مبتسمًا:
“ألم تواجهوا صعوبة في القدوم مع تساقط الثلج؟”
“وأي يوم في لوبيرن لا يثلج؟”
أجاب الرجل ذو الوجه الأسود كما لو كان يحدث نفسه قبل أن يتمكن دينيس من الرد.
تجاهل أوليفييه المحرج الإجابة ورفع كوب الشاي، فقال دينيس:
“سيقوم جلالة الملك قريبًا بنشر الجيش هل لديكم خطة؟”
نظر الرجل الذي كان يحدث نفسه إلى دينيس مباشرة وقال:
“قبل الإجابة على هذا، يجب أن تحدد أنت أيضًا أي جانب تنتمي إليه يا سمو الأمير هل أنت مع المتظاهرين أم مع الملك؟”
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 72"