منذ الفجر، بدأت الثلوج تتساقط خفيفة، ومع شروق النهار تحولت إلى رقاقات كبيرة مُتكتِّلة.
كانت هذه أولى ثلجات ليبرن.
عَلَّقَت القصرُ الأعلامَ مُنكَّسةً حدادًا على وفاة الأمير الثالث.
بعد إعلان البلاط الرسمي لنبأ وفاة (جوليان)، توافد الناس إلى القصر في طوابير طويلة ليُقدِّموا الزهور تعزية.
لم يبدُ أن الطقس القارص والثلوج المتساقطة تمثلان أي عائق أمام أولئك الذين احمرت مآقيهم من البكاء.
ونشرت جميع الصحف نعي جوليان حتى أن الصحفي (لوران) من جريدة (لو موند) كتب مقالًا نعويًّا بعنوان: “برعم زهرة لم يتفتح بعد، يذوي”.
حتى الصحف ذات الميول الراديكالية، والتي اعتادت نشر مقالات ناقدة للبلاط، لم تتوانَ عن النعي على وفاة جوليان.
غصَّتْ ليبرن بأكملها في صدمة وحزن عميقين.
أُقيمت جنازة جوليان بمراسم رسمية كاملة، وتمت جميع الإجراءات الجنائزية داخل قصره الخاص.
الثلوج التي بدأت بالتساقط مع بداية الجنازة هدأت قليلاً، لكنها عادت للهطول مرة أخرى حين حُمِل النعش إلى المعبد.
كان ثلجاً كثيفاً.
جنود من قوات دفاع العاصمة، حُشِدوا لموكب الجنازة، قاموا بتطهير الطريق من القصر إلى المعبد المركزي، لكن الثلج كان يتراكم من جديد فور تنظيفه.
بل إن الرياح أيضًا هبت بعنف.
كان من المقرر أن يسير الجميع على الأقدام من القصر إلى المعبد، باستثناء عربة الجنازة التي تحمل جثمان الفقيد.
لكن الثلج الكثيف والرياح العاتية جعلا السير على الأقدام مستحيلًا.
فقرر أفراد العائلة المالكة الانتقال بالعربات إلى المعبد.
ونظرًا للتغيير السريع، لم تُجهَّز العربات بمواقد، فكان الجو بداخلها قارس البرودة.
بدا أن المواطنين خرجوا ليشاهدوا موكب الجنازة، حيث تدفقت أصوات البكاء وصلوات التأبين إلى داخل العربة.
كان دينيس يحدق خارج النافذة وهو مكتوم الأنفاس، بينما كانت تيريز تلقف بيديها بالقفازتين وتُحدِّق فيهما بشدة.
بدا كلاهما غارقًا في أفكار عميقة.
وبالانتقال بالعربات، وصلوا سريعًا من القصر إلى المعبد.
عندما نزلت تيريز من العربة، مرت رياح باردة من بين خصلات شعرها.
وراءهم، رأت فابريس و جيزيل ينزلان من عربة أخرى.
بعد نزول جميع أفراد العائلة المالكة، حُمِلَ النعش من عربة الجنازة.
أطلق فرسان البلاط، المُصطفُّون على الجانبين، طلقات تحية عندما نُقِلَ النعش إلى داخل المعبد.
بعد وقفة صلاة قصيرة على منتصف درجات المعبد، تابعوا نقل النعش.
كان النعش صغيرًا جدًّا.
وكأنه يُظهر بوضوح أنه نعش طفل.
سُمعت أنفاسٌ مكتومةٌ وصوتُ ناسٍ يبكون.
عندما فتح الفرسان الباب الكبير للمعبد من الجانبين، تدفقت نغمة باكية جليلة من آلة الأرغن.
وعندما وصل النعش إلى المذبح المركزي، تباطأت الموسيقى الجنائزية تدريجيًّا حتى توقفت.
رفع الفرسان النعش على المذعب وغطّوه بستارة من المخمل الأسود المطرَّز بخيوط ذهبية.
تقدم رئيس أساقفة المعبد المركزي وأقام قداس الجنازة.
حضر القداس أفراد العائلة المالكة فقط، في جو مهيب.
عندما قرأ رئيس الأساقفة من الكتاب المقدس ودعا قائلاً: “ليعتَنِ الإله بروح هذا الطفل الصغير”، ذرفت عينا الملك بضع دموع.
ثم أفرغ الملك في النهاية دموعًا بللت منديله تمامًا.
ومن رأى الملك على هذه الحال، مسحوا دموعهم هم أيضًا بمناديلهم.
بعد انتهاء القداس.
فُتِحَت أبواب المعبد المركزي، ليُقدِّم الناس تعازيهم على التوالي.
قدَّم الناس الزهور، إلى جانب أشياء مثل الحلوى والسكاكر التي كان يحبها الطفل، على المذبح.
وضع طفلٌ في عمر جوليان تقريبًا، ووجهه كئيب، دمية صغيرة على المذبح مع الزهور.
بعد انتهاء جميع المراسم، سيُدفن جثمان جوليان.
بعد استقبال تعازي العامة لبعض الوقت، سيُنقل الجثمان إلى المقبرة المخصصة للعائلة المالكة.
كان هناك بضع ساعات فراغ فيما بينهما.
اصطحب رئيس الأساقفة الملك الحزين إلى غرفته لمواساته.
كان الملك لا يزال غير قادر على تجاوز حزنه.
انتظرت تيريز بهدوء في إحدى قاعات الصلاة الأخرى المُجهَّزة داخل المعبد حتى تمضي الساعات.
أما دينيس فقد غادر موقعه مؤقتًا ليقابل شخصًا ما لفترة قصيرة.
كان الشاي والحلوى التي جهزها المعبد مُرَتَّبة على الطاولة.
يبدو أن القصد كان أن يتناولوا شيئًا خفيفًا، حيث كان عليهم الانتظار لساعات.
لكن تيريز لم تكن لديها رغبة في وضع أي شيء في فمها.
كان الجميع حولها قد غادروا، فجلست وحدها.
كانت تريد فقط الجلوس بلا حراك لترتب أفكارها.
كان من الصعب عليها استيعاب حقيقة وفاة جوليان.
قبل أسابيع قليلة فقط، واعدت جوليان على ركوب الخيل معًا في الربيع القادم.
مدَّ الطفل يده النحيلة وقال لها إن هذا وعد حقيقي.
أصبح الآن وعدًا لن يُنفَّذ.
تألمت من هذه الحقيقة.
لن تتمكن من الإمساك بيد الطفل الهزيلة مرة أخرى،
ولن تستطيع شم رائحة الحليب الطفولية التي كانت تفوح منه عندما تحتضنه.
لن ترى ذلك الطفل يذهب إلى الأكاديمية، ولا يحتفل ببلوغه.
سيبقى جوليان بداخلها للأبد أميرًا صغيرًا لم يتجاوز العاشرة، راقدًا على فراش المرض.
مرت بالفعل خمس سنوات منذ أن بدأت تقضي الوقت مع جوليان.
كانت بداية اهتمامها به عندما تزوجت دينيس.
تذكرت تيريز فقط الأوقات التي قصرت فيها تجاه جوليان.
حين كانت مشغولة فلم تستطع رؤيته،
وحين نسيت طلباته الصغيرة.
يبدو أنها، دون أن تدري، تعلقت بالأمير الأصغر المريض.
كانت تعتقد أنها تكره الطفل.
كانت تعتقد أنه مجرد قطعة في رقعة الشطرنج لبلوغ العرش…
لم تستطع تيريز تصديق حقيقة أنها لن ترى جوليان مرة أخرى.
كان ماء الشاي الذي كان يتصاعد منه البخار يبرد.
بينما كانت تيريز تحدق بذهول في فنجان الشاي، فُتِحَ الباب فجأة دون استئذان أو طرق.
كانت جيزيل.
“سمو الأميرة. كنتِ هنا.”
ارتجت تيريز من ظهور هذه الشخصية غير المتوقعة.
أغلقت جيزيل الباب وجلست في المقعد المقابل لـتيريز. بتلقائية مطلقة، كما لو كان هذا مقعدها.
ثم وضعت جيزيل إحدى الكعكات التي جهزها المعبد في فمها، وقضمتها بصرّة حتى انقسمت إلى نصفين.
ثم سكبت الشاي من الإبريق إلى الفنجان ورشفته مُصدرةً صوتًا.
كانت أفعالًا وقحة للغاية.
أينما ذهبت، كان لـتيريز حق التقدير كأميرة.
حتى في هذه الظروف الخاصة، خلال مراسم الجنازة.
حتى في غرفة الانتظار المُعدّة داخل المعبد، وليس في قصرها.
إذا أراد أحد التعدي على المكان الذي تتواجد فيه تيريز، كان من الأدب استئذانها.
وإذا وضعت شيئًا في فمك، فمن الأساسي عدم إصدار صوت.
لكن جيزيل تجاهلتها، وكأن هدفها استفزاز تيريز.
قالت تيري) بصوت منخفض:
“آنسة جيزيل ما هذه الوقاحة؟ هذا مُزعج للغاية.”
ولكن رغم اللهجة الحازمة لـتيريز، أجابت جيزيل وهي تمضغ الكعكة دون اكتراث:
“أعتذر، سمو الأميرة لم أتناول طعامي اليوم.”
لم يظهر على وجه جيزيل أي تعبير عن الندم إطلاقًا.
لو شعرت حقًّا بالأسف تجاهها، لما أجابت وهي تمضغ شيئًا.
ومع ذلك، أعادت جيزيل النصف الثاني من الكعكة إلى فمها وتحدثت وهي تتحرك به في فمها:
“هل تعلمين سمو الأميرة سبب وفاة الأمير الثالث المفاجئة؟”
“الوفاة؟”
قطبت تيريز حاجبيها من كلام وتصرفات جيزيل الطائشة التي لا تظهر أي حزن على جوليان.
“سمعت شيئًا.”
همست جيزيل قرب أذن تيريز، كما لو كانت تبوح بسرّ، بصوت منخفض:
“بسبب إعدام دوق وزوجة دوق بريم.”
“……”
“لقد كانا ذرية أمه الوحيدين الباقين، أليس كذلك؟ كان من المؤلم جدًّا له أن يُعدم دوق مثل هذا وليس موتًا بسبب المرض، بل إعدام علني بتهمة عبادة الهرطقة هل هناك موت أكثر إهانة من هذا؟”
نظرت جيزيل إلى تيريز وهي ترشف شايها مُصدرةً صوتًا.
وكأنها تنتظر ردها.
لكن تيريز لم تُجب بأي شيء وتجاهلت نظرة جيزيل.
نظرت جيزيل إلى تيريز للحظة، ثم تابعَتْ بنبرة تبدو وكأنها تتعاطف معها:
“أليس هذا قاسيًا جدًّا على طفل لم يتجاوز العاشرة؟ والأمير كان ضعيفًا أصلًا لذلك، يقال إن جلالة الملك أمر بعدم إخبار الأمير الثالث أبدًا عن أخبار دوق برييم لكن أليس من المعتاد أنك كلما طُلِبَ منك عدم قول شيء، كلما زادت رغبتك في قوله؟ لا يوجد شيء اسمه سر أبديّ. خاصة في القصر.”
بدا صوت جيزيل وهي تهمس عن “السر الأبدي” وكأنه صوت ساحرة.
“لكن المشكلة أن دوق برييم كان، كما يُقال، يزور الأمير الثالث بين الحين والآخر مرة أو مرتين في الشهر؟ ومع مرور أشهر دون أي اتصال مع جده لأمه، بدأ الأمير الصغير يشك بطبيعة الحال كان يسأل الخدم: أين ذهب جدي؟ متى سيأتي؟ وعندما كانوا يتجنبون الإجابة أو يتململون، اشتبه الأمير.”
“في ماذا؟”
فتحت تيريز فمها بصعوبة.
فابتسمت جيزيل بارتياح وأجابت:
“اشتبه في أن جده لم يذهب إلى أي مكان! ثم سمع حديث الخدم أثناء مرورهم. يقال إن الأمير الصغير، الذي عرف الحقيقة القاسية، أصيب بصدمة كبيرة، ثم اشتد مرضه وتدهورت حالته حتى… وصل إلى هذه النهاية حقيقة مؤلمة جدًّا، أليس كذلك؟”
تظاهرت جيزيل بوجه حزين.
أُسكِتَت تيريز من كلام جيزيل.
ثم سألتها جيزيل وكأنها تطرق وتدًا:
“من المؤكد أن سمو الأميرة لم تكن تعلم أي شيء عن هذا، أليس كذلك؟”
“……”
كما هو الحال دائمًا، لم تستطع تيريز تقديم إجابة منمقة.
كان جسدها يرتجف باستمرار.
كانت تيريز، هي نفسها، من تسببت في موت جوليان.
هي من حولت دوق برييم إلى زنديق، وهي من وشَتْ به للمعبد.
وكأنها لم تلاحظ التعبير المعقد على وجه تيريز، واصلت جيزيل حديثها:
“لقد تعبت من الوقوف طويلاً.”
رغم عدم إجابة تيريز، أضافت جيزيل بتكلف وهي تدلك ساقيها:
“اعلمي ذلك وحدكِ إنه سر، لكنني سأحصل على قصر كهدية بعد حفل رأس السنة.”
كانت نبرتها تبدو سعيدة.
أجبرت تيريز نفسها على فتح شفتيها وردت:
“أها، كذلك.”
“نعم. في العام القادم، ستولد دماء ملكية جديدة، لذا يجب الاستعداد للولادة لا يمكنني البقاء في منزل العائلة إلى الأبد.”
وضعت جيزيل يدها على بطنها وربتت عليه، كما لو كان هناك شيء ثمين بداخله.
التعليقات لهذا الفصل " 67"