“أجل تيريز كم طال الزمن هلمي نرتشف بعض الشاي معًا.”
قال ريتشارد بلطف ظاهر.
ثم أضاف:
“يبدو أن ماكس أيضًا سُرَّ برؤيتك.”
“ماذا؟ من قال ذلك؟”
انتفض ماكس منفعلاً.
دوى صوته في أرجاء الغرفة.
أمال ريتشارد رأسه متسائلًا وردَّ على ماكس:
“حسنًا! أظنني أعرفك جيدًا.”
بدت العلاقة بين ريتشارد وماكس أفضل من ذي قبل، لسبب ما.
ولأن كلام ريتشارد صحيح وأنها لم تره منذ مدة، قررت تيريز تخصيص بعض الوقت.
“حسنًا، سأفعل أخي.”
أجابت تيريز مبتسمة.
كانت النار تشتعل في الموقد، وقد جُهزت طاولة فاخرة مع حلويات في غرفة الشاي، تزينها أزهار طازجة قُطفت حديثًا.
من البديهي أنه لا يمكن العثور على أزهار طازجة في منتصف الشتاء.
لكن تلك البديهية لا تنطبق على منزل ماركيز إنجيلغر، أحد أعظم ثلاث عائلات نبيلة في العاصمة.
والآن بعد انهيار عائلة الدوق برييم، يمكن القول بأن عائلة ماركيز إنجيلغر هي بحق أكثر العائلات النبيلة نفوذًا وسمعة في العاصمة.
كل ما هو نادر أو عصيّ المنال على العامة.
تفيض تلك الأشياء النبيلة الثمينة في منزل الماركيز.
“من هنا.”
أرشد ريتشارد تيريز إلى غرفة الشاي، التي تخطو عتبتها لأول مرة منذ سنوات.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها هذه الغرفة منذ أن غادرت المنزل قبل ست سنوات لدخول القصر الملكي.
حتى عندما كانت تزور القصر، كان تنقلها يقتصر على غرفة الطعام ومكتب الماركيز فحسب.
جلست في مقعدها المعتاد منذ الطفولة وتلفتت حولها.
اللوحات الفنية والباقات الثمينة المعلقة على الجدران.
موقع الطاولة والكراسي كان كما هو تمامًا في أيام إقامتها في المنزل.
أناقة كلاسيكية لا تشوبها شائبة، وجلال بلا عيب، تمامًا كما أحبت دائمًا.
رغم أن تيريز وجدت هذا الرقي الثابت نبيلًا، إلا أنها شعرت أحيانًا بضيق ترغب معه في الهرب.
كلما كبرت، أصبحت متطلبات الماركيز أكثر تحديدًا.
وإذا لم تحقق تيريز نتائج تتجاوز توقعاته، كان يعاقبها بلا رحمة.
لم يتردد في شتمها أو استخدام العنف معها.
لذا، كلما دخلت قصر إنجيلغر، شعرت تيريز وكأنها تعود إلى تلك الأيام.
أيام الطفولة حيث كانت تبكي بوجه منتفخ.
كان كل ما يشغل بالها هو الهروب من هذا القصر.
ولهذا، حتى عندما نجحت خطبتها لدينيس وغادرت المنزل، شعرت بمتعة التحرر الضئيلة تلك.
ظنت أن كل شيء سيبدأ من جديد في القصر الملكي.
آنذاك، ظنت أن مغادرة المنزل ستُحل كل شيء.
لكن، كما أن القصر لم يتغير بمرور الوقت.
وكما أن الماركيز لم يتغير، هي أيضًا لم تستطع الخروج من تلك الأيام.
“لم يتغير شيء على الإطلاق.”
نقلت تيريز انطباعها القصير لريتشارد.
كانت تلك الكلمات أيضًا موجهة لذاتها.
“هذا صحيح.”
عندما جلس ريتشارد على كرسيه، جلس ماكس أيضًا في مقعده المعتاد.
بعد أن جلس الجميع، دخل الخدم ليقدموا الشاي.
عندما امتلأت الفناجين بالماء المنساب من أوراق الشاي، انتشر عطر الأزهار والفواكه.
“الرائحة جميلة.”
رفعت تيريز فنجانها واستنشقت عطر الشاي.
“اشتراه ماكس.”
“أخي ماكس فعل ذلك؟”
نظرت تيريز إلى ماكس بدهشة.
كان وجه ماكس محمرًا بوضوح كشخص محرج.
عندما رآه على هذه الحالة، قال ريتشارد وكأنه يمازحه:
“أجل أليس ذلك غير متوقع؟”
كان ريتشارد يبتسم حتى ظهرت تجعدات في خده.
تلك الابتسامة الجذابة التي أسرت قلوب سيدات العاصمة.
“توقف عن ذلك واشرب! يا إلهي.”
بدا أن ماكس استحى من الإطراء، فشرب الشاي دفعة واحدة ثم بصقه لأنه كان ساخنًا.
“اتش!”
“كيف يقدمون شيئًا بهذه السخونة؟!”
تذمر ماكس وكأنه يعاتب الخدم دون سبب.
“إنه ليس ساخنًا لهذه الدرجة أنت تبالغ كالطفل، يا ماكس.”
وبلهجة رزينة، وبخه ريتشارد.
“ألا تعتقد أنك أصبحت عجوزًا يا أخي؟”
أحضر أحد الخدم لماكس ماءً باردًا.
رفضه قائلًا “لا داعي” وتذمر من ريتشارد.
بدا أن كليهما يمزحان إلى حد ما، فكانت ابتسامة خفيفة تعلو شفتيهما.
نظرت تيريز إليهما وضَحكت دون أن تدري.
كانت تشعر دائمًا بأن ماكس يسبب الإزعاج.
في طفولتها، كانت تيريز تتأذى كثيرًا من سلوك ماكس غير المهذب وكلامه الجريء.
ولكن الآن، بدا لها أن أخاها الأوسط هو مجرد شخص صريح يعبر عما بداخله.
يبدو أن ماكس تغير منذ أن رأته آخر مرة.
أو ربما نظرتها هي إليه هي التي تغيرت.
“أخي، لقد أصبحتَ رزينًا كثيرًا.”
لذلك، قالت الكلمات التي كانت تفكر فيها بصوت عالٍ.
“أهذا ما تقولينه لأخيك؟”
نظرت تيريز إلى ماكس الغاضب فجأة وردت بصوت ممازح:
“يبدو أنك أصبحتَ شابًا جادًا منذ أن رأيتك آخر مرة أتوقع أن الدعوات ستغمرك، لكنك بقيت في المنزل؟”
على عكس ريتشارد ذي الأجواء الهادئة، كان ماكس مشهورًا في العاصمة كوسيم جريء.
لذا، عندما غادر فالوا قائلًا إنه لن يعود لبعض الوقت، لم تكن هناك سيدة أو اثنتان فقط من ذهبن إلى الميناء لتوديعه وتذرف الدموع خلف ظهره.
أجاب ريتشارد، الذي كان يراقب حوارهما بصمت، وهو يتذكر:
“والآن إذ تذكرت، لم تلتقِ بأصدقائك وبقيت في المنزل فحسب، يا ماكس.”
“…والدي طريح الفراش، فأين سأذهب؟ أنا أيضًا أحافظ على هذا القدر من الآداب.”
تذمر ماكس وهو متشابك الذراعين.
غطت تيريز فمها بيدها وضحكت لرؤية ماكس هكذا.
لقد مضى وقت طويل منذ أن شعرت بهذا الاسترخاء.
استمعت إلى القصص التي مر بها ماكس في الخارج، فضحكت أحيانًا وبخته أحيانًا أخرى.
خاصة عند الجزء الذي أعطى فيه كل أمواله لطفل معوز وبات في العراء، غضبت تيريز بصدق.
وبينما كانوا يقضون وقتًا بهيجًا معًا، دخل أحد الخدم وأخبرهم:
“استفاق الماركيز مرة أخرى وعندما سمع أن سمو الأميرة هنا، قال إنه يرغب في التحدث معها.”
نهضت تيريز فجأة من مكانها.
كان رجل وامرأة يجلسان يتناولان الشاي.
بدا كما لو كانا في موعد، لكن الجو في الواقع لم يكن جيدًا.
فتحت المرأة فمها أولًا:
“شاي دافئ.”
“هل تريدين المزيد؟”
كانت يد الرجل الذي يمسك الفنجان ترتعش.
كانت كتفاه منحنتين وكأنه كلب مذنب جالس وذيله بين رجليه.
“لا بأس.”
عندما رفضت المرأة، سحب الرجل يده من إبريق الشاي.
“ماذا قال الأمير الأول.”
وضعت المرأة الجالسة مقابلها، جيزيل، فنجانها.
ثم نظرت إلى فابريس بنظرة حادة كأنها تنفذ إلى أعماقه.
بدا أن جيزيل تعرف بالفعل كل ما حدث داخل القصر خلال الأسبوع الماضي.
ومن الواضح أنها كانت تسأل مع ذلك لتسمع الإجابة مباشرة من فمه.
أدرك فابريس التوبيخ الكامن في كلماتها، فلم يستطع البقاء جالسًا بثبات وتحرك متوترًا.
بعد رفع حظر التجول.
اقتحمت جيزيل قصر فابريس.
كانت تقصد فابريس مباشرة دون تردد لتتحقق مما حدث داخل القصر.
تجاهلت أي تحية.
فتح فابريس فمه ليعتذر.
“حسنًا…”
ثم تلمس يديه وهو يتمتم.
كان خائفًا من أن يخطئ في الرد ويعرض نفسه لغضب جيزيل مرة أخرى.
“لا، أعني، لقد كانت الأمور…”
كان فابريس يراقب تعابير وجه جيزيل فقط.
نظرت إليه جيزيل وصرّت بلسانها استياءً.
بدا فابريس جالسًا منحني الكتفين كرجل تافه.
كان الأمر محبطًا للغاية.
أن يفشل في تنفيذ مهمة واحدة بشكل صحيح.
لكن دون أن تظهر مشاعرها الداخلية، قالت بهدوء:
“هل تعرف كيف هي الأجواء في العاصمة الآن؟ يقولون إن الأمير الأول يجب أن يصعد العرش لقد انتشر ذلك في أسبوع واحد فقط ما رأيك أيها الأمير؟”
فيما يخص تلك المسألة، كان لدى فابريس ما يبرر به نفسه.
“حسنًا، كنت سأذهب إلى موقع إخماد الحريق لكنني غفوت…!”
“غفوتَ؟”
“نعم. لمدة يومين تقريبًا…”
خفت صوت إجابة فابريس على سؤال جيزيل الاستفهامي.
ثم قال فجأة بصوت عالٍ:
“بالتأكيد كان هناك شيء في النبيذ! الزوجان معًا…”
كاد فابريس أن ينطق بالشتائم التي كانت تثور في داخله أمام جيزيل.
لم يكن يعلم ما العقوبة التي قد يتعرض لها إذا أظهر غضبه دون جدوى.
كان فابريس يقبض كفيه بقوة ويرتجف.
كلما فكر في الأمر، زاد غضبه.
لا بد أن هناك شيئًا في النبيذ الذي قدمه دينيس قبل العشاء، وإلا لما غفا بهذه الطريقة.
مهما نام كثيرًا، كان عادة ما يستيقظ في غضون يوم تقريبًا.
لكن أن ينام يومين متتاليين؟ من المؤكد أن هناك دواءً مختلطًا به.
سكتت جيزيل لحظة بعد كلام فابريس، وكأنها غارقة في التفكير.
نقرت بمخالب أصابعها على مسند الكرسي.
ثم فتحت فمها بعد فترة طويلة:
“أخبرتني أن جلالته أكد لك، أليس كذلك؟”
“بالطبع قال إنه سيعطيني العرش…”
“إذاً هذا جيد يبدو أننا يمكن أن نكون أكثر حزمًا.”
“ماذا تخططين للقيام به؟”
سأل فابريس جيزيل بوجهٍ خاضع.
حملت جيزيل فنجانها وابتسمت.
“لقد نشرنا بعض الإشاعات في حفل الختام أيضًا، ألا تعتقد أنهم سيصدقون لو قلت إنني حامل؟”
“ماذا؟”
لم يفهم فابريس كلام جيزيل وسأل مرة أخرى.
“من الآن فصاعدًا، سأقول إنني حامل بطفلك أيها الأمير وأنت أيضًا افترض ذلك منك.”
سواء كان لقاؤها السابق مع فابريس ناجحًا أم لا، فقد عقدت جيزيل العزم على نشر إشاعة بأنها حامل.
لتهز تيريز.
لقد نشرت إشاعة قذرة في العاصمة تقول إن زوجة الأمير الأول مسكونة بشيطان، ألا تكون تلك الإشاعة قد وصلت إلى أذن تلك المرأة؟
كانت جيزيل واثقة.
مساعدو تلك المرأة الكفء بالتأكيد سينقلون الإشاعات كالحمام الزاجل.
إذا كان الأمر كذلك، فهذا جيد.
لأن تلك الإشاعة كانت مقصودة لتصل إلى أذن زوجة الأمير الأول.
“آه، نعم.”
أومأ فابريس برأسه موافقًا على كلامها.
“ثم سنتفق على الإجهاض في الوقت المناسب لذا يجب أن نطبع الأمر قبل ذلك، أيها الأمير.”
“نعم. سأفعل ذلك.”
أومأ فابريس برأسه وكأنه فهم جيدًا.
نظرت جيزيل إلى أظافرها المصقولة جيدًا، واستمرت في الكلام بطريقة أنثوية:
“إذا فشل الأمر، ربما يجب أن أحضر طفلًا رضيعًا يشبهك أيها الأمير.”
“ماذا تعنين…”
ابتسمت جيزيل ابتسامة خبيثة أمام فابريس الحائر.
“لذا كن وليًا للعهد قبل ذلك، أيها الأمير إلا إذا كنت تريد وريثًا لا يشاركك قطرة دم واحدة.”
نظرت إليه جيزيل وكأنها تهدده.
شحب وجه فابريس.
إنها فرصة حصل عليها بصعوبة، لا ينبغي أن يحدث مثل هذا الأمر.
تصلب وجه فابريس وأومأ برأسه موافقًا على كلام جيزيل.
“ثم لدي شيء لأفعله.”
“ما الذي تخططين للقيام به…”
“إذا قلت إنني حامل، ألن تنهار زوجة الأمير الأول؟ أود أن أرى وجهها،وجهها وهي تنهار بشكل مأساوي.”
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 63"