لأول مرة منذ فترة طويدة، فُتح باب قصر الأمير الثالث الذي كان محظورًا بسبب تدهور حالة جوليان الصحية.
وصلت الأخبار بأن حالته بدأت تتحسن تدريجيًّا.
يُقال إن جوليان بحث أولاً عن أخيه الكبير فابريس، ثم عن تيريز بعد ذلك.
لم تستطع تيريز أن ترفض طلب الطفل الذي يبحث عنها، فجاءت إلى قصر جوليان بعد أن اقتطعت وقتًا من جدولها المزدحم.
كانت شفتاه مشققتين كقاع نهر جاف، وملامحه شاحبةً باهتة.
كان وجهًا يحمل علامات المرض الواضحة لأي ناظر.
لكن يبدو أن جوليان كان سعيدًا لاستعادة بعض قوته على أي حال، فبدأ يثرثر لـ تيريز عن الأحداث التي مرت خلال الفترة الماضية.
ومع ذلك، لم تكن سوى قصص عن الخدم في القصر الذين يراهم كل يوم.
“لما غبتِ يا تيريز، لم يكن هناك من يقرأ لي قصص الخيال.”
قال جوليان وهو يندِّ شفتيه.
أمام مماطلة الطفل، أجابته تيريز بتظاهرها بالصرامة:
“أوه، يا جوليان ألستَ تستطيع قراءة الكلمات وحدك؟”
“لقد اكتشفتِ أمري.”
أجاب جوليان ضاحكًا وكأنه مبتهج.
ضحكت تيريز أيضًا ومسحت على رأس جوليان.
انزاحت خصلات شعره الناعمة، لتظهر جبهته البيضاء.
“ولكنَّ الاستماع لشخصٍ آخر يقرأ لي أكثر متعةً من قراءتي وحدي.”
قال جوليان بصوتٍ خائر.
“إذاً، بما أنني هنا بعد غياب طويل، ألا تريد أن أقرأ لك قصة خيال؟”
“أجل! تيريز اقرئيها لي بسرعة.”
أشار جوليان بإصبعه إلى رف الكتب.
كان الرف مملوءًا بقصص الخيال المجهزة للطفل.
أخرجت تيريز إحداها ووضعتها على حِجرها.
ثم بدأت القراءة بصوت هادئ.
كانت كالعادة قصة خيال عن الأميرة والفارس التي يحبها جوليان.
كان عنوانها “الأميرة العمياء”.
“في قديم الزمان، عاشت أميرة تدعى إيزابيل في مملكةٍ ما كانت الأميرة إيزابيل جميلة المظهر وطيبة القلب للغاية لذلك، كان الفرسان الوسيمون في المملكة يتقدمون لخطبتها كل صباح…. ورأت ساحرة الغابة السوداء التي كانت تحسد الأميرة هذا المشهد، فألقت لعنةً على إيزابيل كانت لعنة تجعلها تفقد بصرها وكانت لعنةً شريرة لا تُكسر إلا إذا قابلت حبًّا حقيقيًّا وقَبَّلَتْهُ.”
كان جوليان يستمع لقصة تيريز كما لو كان يسمعها للمرة الأولى، رغم أنه يعرف المحتوى مسبقًا.
قلبت تيريز الصفحة واستمرت في قراءة القصة بصوتٍ خافت.
“عندما فقدت بصرها، بدأ الناس يبتعدون عن الأميرة إيزابيل في النهاية، أرسل الناس الأميرة إيزابيل إلى جزيرة بعيدة عبر البحر وكانت ساحرة الغابة السوداء تضحك بمرحٍ وهي ترى هذا المشهد أما الأميرة إيزابيل….”
“اكملِي القراءة، تيريز.”
ألحَّ جوليان الذي كان منصتًا بتركيز لقراءة تيريز.
“إممم؟ آه، لذلك فإن الأميرة إيزابيل….”
ترددت تيريز.
لأنها لم تستطع قراءة الجملة التالية.
“غَرِقَت الأميرة إيزابيل وماتت لذلك كان يسمع صوت بكاء حزين على الجزيرة كل ليلة.”
هكذا كُتِبَ.
كان جوليان ينظر إليها.
نظرت تيريز إليه نظرة خاطفة، ثم واصلت حديثها.
“التقت الأميرة إيزابيل بحبها الحقيقي فانكسرت اللعنة.”
“واو! هذا جيد حقًا تيريز.”
صفق الطفل بيديه بسعادة.
“أليس كذلك؟”
أغلقت تيريز كتاب القصة وأعادته إلى رف الكتب معكوسًا بحيث لا يظهر العنوان في الزاوية.
إنه كتاب قصص للأطفال الناشئين، فلماذا ينتهي بمأساة كهذه؟
“تيريز لقد وعدتِني في المرة السابقة أن نذهب لركوب الخيل معًا.”
هزت تيريز رأسها.
“الجو باردٌ يا صاحب السمو دعنا نذهب معًا عندما تتعافى تمامًا.”
“متى؟”
نظرت تيريز خارج النافذة دون وعي.
كانت الرياح تعصف بشدة.
وكان الطقس غائمًا وكأنه على وشك الثلج.
كان الشتاء الطويل لـ”ليفيرن” قد بدأ.
أدارت تيريز رأسها قائلة:
“الشتاء بارد، لذلك عندما يتحسن الطقس…. دعنا نذهب معًا في الربيع المقبل.”
فسألها جوليان بفرح:
“حقًا؟ لقد وعدتِ، أليس كذلك؟”
“بالطبع، لقد وعدتك.”
أمسكت تيريز يد جوليان النحيلة بشدة.
عندما أمسكت يد جوليان، فوجئت تيريز قليلاً ببرودة حرارة جسم الطفل.
على الرغم من أن غرفة النوم كانت دافئة إلى هذا الحد، إلا أن يدي جوليان كانتا باردة للغاية.
ومع ذلك، أخفت تيريز علامات الدهشة وابتسمت فقط.
عندما دَلَّكَت تيريز يد جوليان، قام جوليان بتغطية ذراعيه بأكمامه مع تعبيرٍ غير راضٍ.
“أكره أن تكون ذراعي نحيلة جدًا.”
“عليك أن تأكل كثيرًا وتصبح قويًا في المستقبل.”
على الرغم من كلمات تيريز، استمر جوليان في الإمساك بحافة كُمِّه.
بعد التحدث مع جوليان لفترة، عادت تيريز إلى قصرها بعد تناول العشاء مع الطفل.
عندما عادت إلى قصرها، كان دينيس في انتظارها.
ركضت تيريز نحوه بخطوات سريعة.
على الرغم من أنها رأته قبل بضعة أيام، إلا أنها شعرت وكأنها تراه بعد غياب طويل.
عندما وقفت أمام دينيس، شعرت تيريز بضيقٍ طفيف في التنفس.
ربما كان قلبها ينبض بسرعة بسبب الركض.
عندما رأى دينيس تيريز تركض بين ذراعيه، رفعها بسرعة وأدارها.
لم تستطع تيريز إلا أن ضحكت بصوت عالٍ.
أنزلها دينيس، ثم قال وهو يبتسم ابتسامة عريضة:
“ألا يمكنك قراءة كتاب لي أيضًا؟”
يبدو أنه سمع أنها ذهبت إلى قصر جوليان.
“لمَ لا؟”
قالت ذلك و هي تبتسم ابتسامة صغيرة.
أمسك دينيس بيد تيريز وقادها إلى مكان ما.
لم يكن غرفة نومها، ولا قصرَه.
“إلى أين نذهب يا صاحب السمو؟”
“ستعرفين عندما نصل.”
يبدو أنه لن يخبرها حتى تصل.
مر الاثنان بقصرها متجهين نحو القصر الرئيسي.
كان المكان الذي وصلا إليه هو “حديقة النور” المجاورة مباشرة للقصر الرئيسي.
“هنا….”
كانت الحديقة منطقة تابعة لـ إليوت صاحب القصر الرئيسي، لذا كان من الصعب الدخول إليها بحرية.
قال دينيس وهو يبتسم ابتسامة ماكرة:
كان وجهه كوجه صبي يحضُّ على تسلق الأسوار.
“إنها حديقة بلا مالك الآن، فلنحتلها مؤقتًا.”
حسبت تيريز التوقيت.
كان إليوت دائمًا يذهب إلى الجنوب الدافئ في مثل هذا الوقت من العام لقضاء الشتاء، ويعود إلى ليفيرن مع حلول الربيع. يبدو أن الوقت قد حان بالفعل.
“حسنًا.”
جلست تيريز بشكل طبيعي على الكرسي الذي أخرجه دينيس.
ثم نظرت إلى السقف.
كانت أشعة الشمس الدافئة تتساقط من سقف الدفيئة الزجاجي.
على الرغم من هبوب الرياح الباردة في الخارج، إلا أن درجة الحرارة في الدفيئة الزجاجية كانت ثابتة لدرجة أنها شعرت بالدفء.
عندما جلست تيريز، تم تجهيز مائدة الشاي.
“حديثنا الماضي.”
قال دينيس وهو يرفع فنجان الشاي.
“نعم. لكن ماذا عن…؟”
أجابت برد فعل، ثم سألته:
“زوجتي، أَنسِيتِ بالفعل؟”
تظاهر بتعبير صارم.
أجابت تيريز بصوت غير واثق:
“نعم….”
لم تستطع تيريز تخمين ما كان يقصده، فانغمست في التفكير للحظة فيما قد تكون نسيت.
“قلت إننا يجب أن نشرب الشاي كثيرًا في المستقبل.”
أوضح بمبالغة واضحة واضعًا يده على جبهته.
“آه.”
عندما همست تيريز بمقطع صوتي وحيد وكأنها فهمت للتو.
“آه؟”
قلَّد كلمتها.
قالت تيريز بصوت مرتبك:
“نعم. لقد فعلت لكنني اعتقدت أنها مزحة….”
“يا زوجتي، ليس لديكِ أي توقعات تجاه زوجك ربما يكون هذا خطأ الزوج الكبير؟”
“لا، أنا….”
تلكأت تيريز في نهاية حديثها.
لم يكن كلام دينيس خاطئًا.
بينما كانت تتردد، أجابها دينيس بنبرة حازمة:
“لا تزالين غير قادرة على الإجابة يجب أن تعاقبي الزوج المخطئ بقسوة.”
نظرت تيريز إلى عينيه بوجه مرتبك.
كانت عيناه اللامعتان مليئتين بمزاج ممتع.
عندما ارتبكت، جثا دينيس على ركبتيه أمام تيريز ونظر إليها.
كان مستوى النظر الذي انخفض فجأة غريبًا تمامًا.
حاولت تيريز المرتبكة أن توقفه فجأة.
“انهضْ يا صاحب السمو!”
“تيريز. يجب أن أتلقى العقاب ألن أتوقف حينها عن فعل الأشياء السيئة؟”
“ما هذا….”
“حسنًا، ما العقوبة التي ستقدمينها لي يا زوجتي؟ أنا متحمس جدًا.”
كانت نبرة صوت دينيس ممتعة.
“…..”
“إممم؟”
“ما العقوبة التي تريدينها؟”
“إممم….”
انغمس دينيس في التفكير.
حتى وهو جاثٍ على ركبتيه، لم يبدُ كخاسر خاضع.
مهما كان الفعل، بدا دائمًا كحاكم أنيق.
“قبّليني.”
“أهذه عقوبة يا صاحب السمو؟”
“إنها عقوبة الآن قبّليني.”
“…..”
عندما لم تتحرك وبقيت ساكنة، ألحَّ عليها.
“يجب أن تعاقبيني سريعًا.”
صوت حفيف فستانها يلامس الأرض.
أمسكت تيريز يد دينيس بكلتا يديها.
وضعت شفتيها على ظهر يده ورفعتهما على الفور.
مثل التحية التي يؤديها السيد عند مقابلة سيدة.
كانت قبلة لا يفعلها حتى الأطفال.
بل بالأحرى كانت مجرد التصاق بين الشفاه وظهر اليد.
لا يمكن وصفها أبدًا بأنها قبلة.
“….”
فجأة امتلأت الدفيئة بالصمت.
“آه، أعتقد أنني فهمت.”
نهض دينيس من مكانه وجلس مقابلها، ثم قال وكأنه لا يصدق:
“أهي لعنة أم شيء ما؟ لا أستطيع تقبيلك في مكان مضيء؟ لا بد أن هذا هو السبب.”
“صاحب السمو، ذلك الفم….”
“إممم؟ ماذا بفمي.”
“الجميع يسمع.”
“من؟”
أشارت تيريز بعينيها.
على الرغم من أنهم لم يكونوا قريبين، إلا أن الخدم كانوا يؤدون واجباتهم بالقرب منهم.
“آه آه. زوجتي التي تهيِم بالهيبة والمكانة كلما فعلتِ ذلك، كلما أردت مضايقتك أكثر.”
“لا تفعلْ ذلك أرجوك.”
توسلت تيريز إلى دينيس.
“إذاً، عاقبيني بشكل صحيح.”
فجأة انقلب الوضع.
أصبح الشخص الذي يجب أن يتلقى العقوبة يطلب العقوبة بدلاً من ذلك.
“حسنًا. إذاً، دعنا نؤجل الباقي لهذا المساء.”
بوجه منتعش، غيَّر موضوع الحديث فورًا وأشار بيده.
ثم وضع الخادم شيئًا ما من الخلف.
“تيريز، هل نلعب الشطرنج؟”
كانت رقعة شطرنج تبدو فاخرة للغاية للوهلة الأولى.
بدت القطع المصنوعة بدقة جميلة جدًا.
“هل تعرفين القواعد؟ هل لعبتِ من قبل؟”
“نعم، لقد لعبت في الأكاديمية.”
“مع من؟”
“مع ساشا….”
“هذا الوغد.”
“ماذا؟”
همس دينيس بهدوء لدرجة أن تيريز لم تسمع ما قاله.
“لا شيء، إنني أتساءل فقط إذا كان هناك من يدخل نفسه حيث لا يجب هل نراهن؟”
“على ماذا؟”
“يحقق الخاسر للفائز أمنية.”
عندما رأت تسهيل تعبير دينيس الواثق، أرادت أن تهزمه.
التعليقات لهذا الفصل " 57"