انطلقَ صوتٌ قويٌّ مُرتدًّا من مضرب التنس عبرَ القاعة.
“ما رأيُكَ في إجراءِ مُقابلةٍ؟”
بعد إلقاء الكلام مع الكرة، نظر أوليفييه إلى دينيس خلف الشبكة.
كان دينيس قد التقى بأوليفييه بمُفرده، بعد فترة طويلة من انقطاع التواصل بينهما.
والهدفُ كان ردًّا على عَرضٍ سابِق.
فقد استجاب أوليفييه بشكل إيجابي لاقتراح دينيس بأن يترأس أكاديمية الفنون.
وانتهى الهدفُ المَطلوبُ سريعًا، وشرَعَ الاثنان في تفريغِ ما جَمَعَتهُم الأيامُ منذ لقائهم الأخير.
“أيُّ مُقابلة؟”
ردّ أوليفييه بينما كان يصدّ الكرة الآتية نحوه.
ركض دينيس ليُمسكَ بالكرة التي سقطت أمام الشبكة مباشرة، لكنها أفلتَت منه.
لقد خَسِرَ النقطة.
أمسكَ بحافة قميصِه ليمسحَ العرق عن جبينه بعفوية.
ومن خلال قميصه المرفوع، بدت عضلات بطنه مُشرِئبّةً قليلًا.
“عن علاقتي بزوجتي حتى تعرف السيّدة حالَنا.”
تَقَطَّبَ وجه أوليفييه باستياء.
فقد كان دينيس قد انتهى لتوِّه من إفراغِ كلِّ ما حدثَ بينه وبين تيريز خلال الفترة الماضية.
وباختصارِ تاريخٍ طويلٍ مدَّتُه ستُّ سنوات،
لم يَبقَ سوى حقيقة واحدة: أنه لا يعرف شيئًا عن زوجته.
“……”
علَتْ وجهَ دينيس سحابةٌ من الامتعاض.
لقد مضت أيامٌ منذ أن فرَّتْ تيريز بعيدًا، دون أن تظهر حتى.
بل في الحقيقة، بدأ القلق ينهش دينيس منذ صباح اليوم التالي مباشرة.
فاستيقظَ في سريرها البارد الفارغ، وشعُرَ بالذهول.
كان الجوُّ بينهما جيدًا بكل تأكيد.
يا للعجب! أيُّ امرأةٍ هذه التي تهرب من غرفتها الخاصة؟
ألَمْ تُعجِبْها اعترافاتُه؟
أكانت ناقصةً أم مبالغًا فيها؟
أكان هناك شيءٌ آخر قد فاته؟
تدافعتْ الأسئلةُ في رأسه بلا توقُّف، حتى ملأته.
ولهذا السبب، لم يستطع التركيزَ في أيِّ شيءٍ آخر.
هزَّ أوليفييه رأسه يائسًا أمام طريقة تفكير دينيس التي لا يمكن اختراقها.
فقد شعرَ منذ سماعه القصةَ أن صاحبه ليس في كامل وعيه،
فحاول أن يُعبِّرَ بألطفِ ما يستطيع.
“أتريد إذًا أن تُعلِنَ لكلِّ مَنْ في فولوا: ‘هذه المرأةُ هي امرأتي!’؟ أظنُّ أن السيّدة ستعجَبُ بذلك كثيرًا!”
“أليس هذا ممكنًا؟ يمكننا بهذا أن نُسكِتَ شائعات الخلاف تبدو لي طريقةً جيدة.”
“يا لهذا الأمر حقًّا…”
جمع أوليفييه حاجبَيْه في انزعاج، ثم نصح دينيس بكلِّ جدِّيَّة:
“تمهَّلْ، يا سموّك لا أحد في هذه المملكة لا يعلم أنكما زوجان.”
“حتى لو كان…”
بدا أن دينيس لم يُعجَبْ بردّ أوليفييه، فتَرَكَ كلامَه مُعلَّقًا.
“لقد فزتُ.”
تقدَّم أوليفييه لمصافحة دينيس.
كانت مباراة التنس اليوم هزيمةً لدينيس.
منذ أيام الأكاديمية، اعتاد أوليفييه ودينيس على لعب التنس كثيرًا.
والمستوى كان لصالح دينيس.
ففي سبع مرات من أصل عشر، كان هو الذي يَغلِبُ أوليفييه.
لكن اليومَ كانت هزيمةً ساحقة.
على غير العادة، لم يكن لدينيس أيُّ شعورٍ تجاه نتيجة المباراة.
مسح أوليفييه عرقَه بمنشفة بيضاء وقال:
“بدلًا من التفكير في مقابلةٍ أو شيءٍ من هذا القبيل، الأفضلُ أن تُسرِعَ في اختيار هديةٍ لسموِّ الأميرة لعيد ميلادها القادم هديةٌ صادقة، ستعرف قيمتها بالتأكيد.”
فقد أفضى إليه أيضًا بأن عيد ميلادها يقترب، وأنه لا يدري ماذا يُهديها.
“هذا صحيح……”
أطلق دينيس نفسًا عميقًا، ثم قال لنفسه بسخرية:
“أنا حقًّا كالأحمق.”
“أتَدرِكُ هذا الآن؟!”
قال أوليفييه بابتسامة خبيثة.
“أوليفييه أنا أستطيع أن أصف نفسي بالأحمق، لكن لا أستطيع تقبُّلَ اعترافِكَ أنت بهذا.”
رفع دينيس حاجبَيْه محدِّقًا، فأشار أوليفييه بيدَيه كما لو كان يستسلم.
بالطبع، كانت هذه المزحَةُ مما لا يسمح به إلا الأصدقاء المقربون.
“هَلْ تتناول العشاءَ قبل أن تغادر، يا سموّك؟”
اقترح أوليفييه.
لكن دينيس رفض.
“لديَّ موعدٌ سابق.”
“مَع مَنْ؟”
سأل أوليفييه بفضول، فأجابه دينيس بابتسامة عريضة ارتسمت على شفتَيه:
“مع عصابة النبلاء القدامى.”
“ولماذا معهم؟”
“ماذا سيكون السبب؟ بما أن دوق برييم قد مات، فسَيُحاوِلون إيجاد مَخرجٍ لأنفسهم.”
“……”
وضع أوليفييه حقيبة المضرب على كتفه وقال:
“هل أذهب معك؟”
كانت تعابير وجهه تشير إلى أنه لا يريد أن يفوت هذه المتعة.
بعد أن استبدل دينيس وأوليفييه ملابسَ الرياضة المبتلَّة بالعرق، ذهبا إلى مكان الموعد.
مطعمٌ مشهورٌ بغلاء أسعاره حتى في العاصمة.
لم يكن مشهورًا بطعمه المميز فحسب، بل بأجوائه الأنيقة والتقليدية، وبأنه مطعمٌ حصريٌّ للنبلاء يقبل الحجوزات بعناية فائقة.
والمطعم المُقسَّم إلى غرف صغيرة كان مناسبًا للمحادثات السرية، وقد استخدمه دينيس عدة مرات من قبل.
لكن أوليفييه، الذي كان بعيدًا عن فالوا، لم يستطع إخفاء دهشته عندما عرف بهذا المكان لأول مرة.
“إنه عالمٌ آخَرُ حقًّا.”
من الخارج، يبدو الباب الصغير البسيط كالباب الخلفي لأحد القصور، وعندما تفتحه تجد ممرًّا مُطليًّا باللون الأسود من كل الجهات.
بعد السير طويلًا على ضوء المصابيح الصغيرة الموزَّعة في الممر، تصل إلى مساحة دائرية واسعة تشبه الصالة.
وعند الوصول إلى هناك، قدَّم المرشدُ التحية بأدب، ثم أرشدَهُما إلى الغرفة المحجوزة.
كانت الغرف الصغيرة مُوزَّعةً في كل الاتجاهات حول الصالة الدائرية، في تصميم يضمن عدم مواجهة الآخرين.
وعندما فتح المرشد الباب بحذر، وقفَ بعض النبلاء المألوفين لاستقبال دينيس وأوليفييه.
تحيَّر النبلاء، الذين توقعوا مجيء دينيس وحده، عند رؤية أوليفييه.
ولما رأى أوليفييه تعابير وجوههم، بادَرَهم بالكلام:
“أنا أوليفييه من كونتية شافرو أعمل مُساعدًا لسموِّ الأمير.”
عندها عَرَفوه وأَومَئوا برؤوسهم.
“حسنًا. أهلاً بكما.”
بمجرد أن جلس دينيس، جلسوا هم أيضًا.
وبعدها فُتِحَ الباب بهدوء، ودخل الطعام واحدًا تلو الآخر، وكأنه كان مُجهَّزًا مُسبقًا.
وكان من أشهر وأغلى أطباق المطعم.
“سعداء حقًّا بلقائكم، يا سموّك.”
كان المتحدث، وكأنه مضيف الحفل، هو البارون فلاند.
وهو الذي زار مكتب دينيس سابقًا، وقال إنه يريد معه التخطيط للمستقبل.
وبالطبع، ردَّ عليه دينيس بأنه سيفكر في الأمر ثم أرجعه.
لكن البارون فلاند كان قد اتصل مرة أخرى.
وقد أحضر البارون فلاند معه عددًا من النبلاء الشباب المنتمين لتيار النبلاء القدامى الذين يتشاركون معه الرأي.
“هَلْ نتحدث أثناء تناول الطعام؟”
حالما أمسك دينيس بأدوات المائدة، بدأ النبلاء الجالسون تناول الطعام.
كانت وجبةً يسودُها جوٌّ غريبٌ متوتِّر.
كان النبلاء يتبادلون النظرات دون أن يتجرأ أحدهم على الكلام أولاً.
وفي تلك اللحظة، بدأ أحدهم بالكلام:
“موسم الصيد يقترب وعندما يتراكم الثلج بكثافة، يصبح صيدُ الغزلان مثاليًّا هل تستمتع بالصيد، يا سموّك؟”
كان المتحدث هو الفيكونت دو أمبواز، الذي كان جالسًا بهدوء.
لقد طرح موضوعًا خفيفًا لكسر جمود جوِّ العشاء.
وبالمصادفة، كان لحم غزال ناضج موضوعًا على المائدة.
مسح دينيس، الذي لم يلمس الطعام تقريبًا، فمَه بدقة.
ثم نظر مباشرة إلى الفيكونت دو أمبواز وأجاب:
“أعتبره أمرًا وحشيًّا لا حاجة لسلب الأرواح من أجل الترفيه، أليس كذلك؟”
“……”
“أظنُّ أننا أدَّينا دورَ تناول الطعام بما يكفي فلنسمع السببَ في دعوتكم لنا اليوم.”
كان وجهه باردًا لا يتسرب إليه أيُّ عاطفة.
بدا البارون فلاند مرتبكًا، وكأن الأمور لم تسر كما خطَّط.
ونظر إليه الفيكونت دو أمبواز بوجهٍ مرتعبٍ أيضًا.
لقد أرادوا مناقشة الأمر أثناء تناول الطعام اللذيذ بشكل معقول.
لكن يبدو أن هذه الخدعة لن تجدي.
وفي مثل هذه الحالة، لم يَبقَ سوى الهجوم المباشر.
وضع الفيكونت دو أمبواز أدوات المائدة على الطاولة.
وتحدَّثَ بصوت جادٍّ وبجهد واضح:
“سموّك الأجدرُ بي أن أبدأ بالاعتذار في الماضي، ارتكب والدي خطأً فادحًا تجاه الملكة. لقد أعماه الطمع بالسلطة، فسَجَنَ جلالتَها وقَتَلَها عمدًا وإن كان متأخرًا، فإني أعتذر نيابةً عن أبي وأتوسل إليك أن تسامحني بصدق على الألم الذي لا يُعوَّض الذي سبَّبتُه لسموِّك وأتمنى الآن أن تنعم الملكة شارل بالراحة الأبدية في فردوسها.”
“……”
كانت سحنته هادئة لا تشوبها شائبة.
“وإذا قرر سموُّك أن يحمِّلني ذنب أبي، فإني أتقبَّل ذلك.”
كان دينيس جالسًا في صمت كالتمثال، يُحدِّق في الفيكونت دو أمبواز.
مَدَّ يده، وشَرِبَ رشفة ماء.
كانت يده ترتجف بخفة وهو يضع الكأس.
ولما رأى أوليفييه ذلك، أمسكَ يدَ دينيس تحت الطاولة بقوة.
وبعد فترة، تكلَّم دينيس:
“ذنبُ أبيك أتقولُ هذا بصدق؟”
“بكل تأكيد، سموّك إذا كان هذا هو العائق الذي يجب تخطيه للبدء من جديد.”
“وماذا لو طلبتُ روحَك؟”
صَمَت الفيكونت دو أمبواز للحظة.
شَعَرَ الجميعُ بالاضطراب في الجوِّ من حولهم.
ففتح البارون فلاند، بدلًا من الفيكونت دو أمبواز، فمه المُطبَق بشدة وقال:
“إذا كان هذا سيُزيلُ الغُصَّةَ من صدر سموِّك، فافعل ليس روحي فقط، بل أرواح كلِّ مَنْ في هذا المجلس، خُذها جميعًا.”
ارتجفت عيون الحاضرين.
وحاول أحد النبلاء الآخرين مقاطعته لثني البارون فلاند عن الكلام، لكنه واصل قائلاً:
“لكن بهذا، لن يجني سموُّك سوى مزيدٍ من التأخير في اعتلائك العرش بل من الأفضل أن تدعنا نعيش، وتصعد أنت إلى العرش، فهذا سيكون انتقامًا للملكة شارل التي رحلت منذ زمن نرجوك أن تمنحنا عطفك.”
“إذاً باختصار، تقولون إن أرواحكم ثمينة، لكنكم لا ترغبون في التخلِّي عن أيِّ شيء، أليس كذلك؟”
كان دينيس يبتسم برفع زاوية فمه واحدة فقط.
“كلا، سموّك. أنا أؤمن بأنك يجب أن تكون الملك القادم لفالوا فأنت مَنْ يملك حقًّا مؤهلات الملك الحقيقي.”
أذهلت هذه التصريحات المباشرة أوليفييه.
ونظر دينيس إلى البارون فلاند بحاجبَين مرتفعتَين.
فأضاف الفيكونت دو أمبواز:
“لقد قررنا دعمَك من الآن فصاعدًا. فأنت الوحيد مَنْ يستطيع إنقاذ هذه المملكة المتدهورة.”
“المُبالغة في المدح ليست جيدة، أيها الفيكونت.”
فأجاب البارون فلاند وهو يهزُّ رأسه:
“هذه حقيقة لا تشوبها شائبة سنساعدك للصعود إلى العرش.”
في وقتٍ متأخرٍ من الليل.
في طريق العودة بالعربة.
كان دينيس غارقًا في أفكاره.
كلماتٌ يسمعها لأول مرة تطلب الصفح.
“لقد وصلنا، يا سموّك.”
نزل من العربة وهو ينظر إلى الأرض، ثم مشى ببطء إلى قصره ويداه في جيوبه.
كان القمر الصغير بحجم الظفر يُضيء الطريق.
كان الطريقُ الذي يسلكه وحيدًا موحشًا.
وعندما تذكَّر أمه الراحلة، شعُر بوحشة لا تُحتمَل.
كأنه تُرِكَ وحيدًا في العالم، إنها الوحدة اللاذعة التي تلازمه.
في اللحظات التي تشعر فيها الحياة كأنها انتحار بطيء.
وفجأة استولت عليه مشاعر غريبة، فرفع رأسه لينظر إلى الأمام.
كانت هناك امرأةٌ تقف أمامه.
زوجته الوحيدة.
كانت واقفة في نهاية طريقه كأنها لوحةٌ مرسومة.
كان لديَّ هذه، هناك مَنْ يسير معي.
نظر إليها دينيس وابتسم مشرقًا.
“أَخرَجَتِ لإستقبالي؟”
“نعم. لأنك تأخرت.”
كان ردُّها هادئًا.
ردٌّ لا يمكن تخيُّله من شخصٍ كان يتفاداه طوال الفترة الماضية.
“هَلْ انتهى الهرب؟”
احمرَّتْ وجنتا المرأة.
كانت خجلةً هي الأخرى، فلم تنطق.
ولما رآها بوجهٍ أحمر كالفاكهة الناضجة، انفجر ضحكًا كان أشبهَ بتنهيدة.
“تيريز الجوُّ بارد لندخل.”
مَدَّ يده ليعانق كتفيها.
كانت أكتافها النحيلة التي احتضنها بقوة باردة، وكأنها ظلت تنتظره طويلاً.
أحبَّ هذه المرأة ذات الأكتاف الباردة حبًّا جعله يُسرِعُ بمشاركتها دفءَه بكلِّ ترحاب.
التعليقات لهذا الفصل " 55"