عاد فابريس إلى القصر وسمع نبأ الدوق برييم، فصرخ مذهولاً: “جدي سيُعدم؟!”
“ن-نعم، سيدي.”
تعتعت الخادم تحت وطأة الجو المشحون الذي خلقه فابريس.
حدثٌ لا يصدق!
كان بيت دوق برييم أعظم عائلة نبيلة في فالوا!
فكيف يُعدم بتهمة عبادة الهراطقة؟!
إذا اختفى جدي، فماذا سيحدث لي؟
حكّ فابريس رأسه وهو يفكر.
لقد وعدني الدوق برييم بأن يجلعني ملكاً بكل تأكيد.
لم أتقلّد بعد منصب ولي العهد، أفيمكن أن تُنتزع مني الفرصة بهذا السخف؟!
“مَنْ.. مَنْ فعل هذا؟”
“تقصد سمو الدوق؟”
“نعم! أيها الأحمق! أليس هذا ما أسأل عنه؟ أتظنني أسأل عن شيء آخر؟”
صرخ فابريس الذي اشتعلت أعصابه، وأخذ يقذف الأشياء الموضوعة على المكتب.
طارت المزهرية والكتب، وتطايرت قصاصات الورق.
“ع-عذراً، سيدي. سمعنا أن الدوقة كانت تقيم مذبحاً للهراطقة وتقدم القرابين…”
“ولماذا فعلت جدتي ذلك؟”
“حتى هذا الأمر لم نعرفه…”
“ماذا حدث في القصر أثناء غيابي؟ كان عليكم أن تتحققوا وتخبروني على الفور، ألا تتزكون؟ ألا تضربون كفايتكم هذه الأيام؟ هاه؟”
كان فابريس على وشك إثارة فوضى عارمة.
“اعذرنا، سيدي.”
انحنى الخادم مراراً طالباً الصفح.
لم يفكّر فابريس في ذنبه هو، فهو مَن كان يختفي أحياناً لأسبوعين كاملين دون أن يعلم أحدٌ عنه شيئاً، وبدلاً من ذلك أخذ يلقي باللوم على الخادم المسكين.
أخذ فابريس يتمشى في الغرفة كالمجنون وهو يتمتم:
“… إذا أُعدم جدي، فماذا سيحدث لي؟ ومن سيعلي مكانتي إلى العرش إذاً؟ هل يعلم أبي بذلك؟ أنت!”
“نعم، سمو الأمير.”
“هل يعلم جلالة الملك بهذا الأمر أيضاً؟”
“نعم. يجب أن يصدر جلالته أمراً بتنفيذ حكم الإعدام.”
“ولماذا سمح أبي بإعدام جدي؟”
“حتى ذلك لم أعرفه جيداً…”
“وماذا تعرف إذاً؟ أيها الأحمق الغبي.”
ارتدى فابريس معطفه وهندم شعره أمام المرآة.
وسأله الخادم بوجهٍ ذابل: “إلى أين تذهب، سيدي؟”
“يجب أن أذهب إلى أبي وأستفسر عن الوضع. نظّف الغرفة حتى أعود.”
“حاضرٌ ، سمو الأمير.”
وبينما كان فابريس في طريقه إلى القصر الرئيسي، كان يرتب في ذهنه ما سيقوله.
لقد اعتقد أنه إذا تحدث، فإن إليوت سيستمع إليه.
فقد كان الأمر كذلك دوماً.
وإن لم ينجح ذلك، فقد عقد العزم هذه المرة على التوسل إليه ليُعيّنه رسمياً ولياً للعهد.
أمر الخادم في القصر الرئيسي أن يبلغ جلالة الملك بمجيئه.
لكن الرد الذي تلقاه كان رفضاً.
فسأل فابريس متعجباً: “ولماذا؟”
“أمر جلالته بعدم استقبال أحد لفترة.”
“ما السبب؟”
“حالته الصحية ليست جيدة…”
“إذاً، فمن الأولى أن يستقبل زيارة ابنه للاطمئنان عليه.”
أمر فابريس الحُرّاس الذين وقفوا حاجزين للباب بفتحه.
لكن الخدم ترددوا ولم يتحركوا من أماكنهم.
فقال فابريس، وقد بلغ الغضب منه مبلغه فاحمرّ وجهه: “أراهم لا يمانعون إن أحدثت فوضى في قصر أبي.”
لقد كان تهديداً صريحاً.
لم يكن أحد في القصر أو خارجه يجهل طباع فابريس السيئة المشهورة.
أشار الخادم وهو يتنهد، ففتح الخدم الباب على مضض.
ودخل فابريس بخطى واثقة إلى غرفة نوم إليوت.
“أبي، لقد جئت.”
لم يكن في الغرفة، التي سادها جو هادئ كالعادة، أي أثر لأحد.
تقدم فابريس أكثر إلى الداخل.
رأى شخصاً مستلقياً على السرير.
“أبي، إنه فابريس كيف حالك…”
مال فابريس بحذر نحو السرير.
أصدر الشخص المستلقي صوتاً وهو يستيقظ: “آه…”
كان إليوت كما توقع.
استقبل فابريس وهو يعبس بعمق.
“كيف دخلت؟ لقد أمرت بعدم استقبال أحد.”
أصاب فابريس الحيرة في داخله من تصرفه المختلف عن المعتاد.
فقد اقتحم الباب عليه مراراً من قبل.
لكن إليوت كان يقول له في كل مرة: “يبدو أنك اشتقت إلي كثيراً.”
أخفى فابريس علامات دهشته وسأل عن حاله بشكل طبيعي: “بلغني أنك لست على ما يرام… كيف حالك؟”
“أراك تهتم بحال والدك، فأنت بعد كل شيء ابن.”
كان صوت إليوت وهو يؤنب فابريس أجشاً، كصوت من يبح صوته.
رفع فابريس يديه محاولاً التهرب وقال بمبالغة: “كيف تقول مثل هذا الكلام الجارح؟ إنه واجب الابن.”
“إذاً، ما الأمر الذي أتى بك اليوم؟”
كان إليوت يعلم جيداً أن فابريس لا يزوره إلا عندما تكون هناك حاجة.
فكر فابريس للحظة قصيرة.
هل يجدر به طرح السبب الذي أتى من أجله في هذه الحالة؟
بل هل سيواجه الرفع والشتم بدلاً من ذلك؟
“قل ما عندك واخرج لا أريد رؤية وجهك طويلاً.”
أصبح الجو يبدو وكأنه سيطرده إن لم يقل ما يريده سريعاً.
عندها طرح فابريس صلب الموضوع دون أن يفكر أكثر:
“أرجو أن تنصّبني ولياً للعهد، أبـي.”
“ألهذا جئت؟”
تذمر إليوت غير راضٍ.
“نعم. إذا رحل جدي أيضاً، فلن يكون لدي أحد أعتمد عليه وستزداد مكانتي اضطراباً قبل أن يحدث ذلك، انصبني ولياً للعهد من فضلك، أبـي.”
اتخذ فابريس تعبيراً بائساً، وهو استراتيجيته المضمونة للنجاح.
وأشار إليه إليوت قائلاً: “أليس لك خطيبة؟”
أطبق فابريس فمه عاجزاً عن الرد.
ماذا يفعل بتلك المرأة المجنونة؟
ومسح إليوت رأسه كأنه يعاني من صداع وأجاب: “حسناً. لقد تأخر الوقت كثيراً لقد أبطأت كثيراً بسبب ترددي.”
انتظر فابريس صامتاً كلامه.
“يجب أن أتخذ قراراً الآن، يا بني.”
قرار.
أدرك فابريس أن اللحظة التي انتظرها طويلاً لسماع الجواب قد حانت.
قمع مظهر الفرح من نفسه وأجاب: “نعم، أبـي.”
“ستكون الملك القادم لكن بشرط.”
سأل فابريس بأدب: “ما هو؟”
“أن تنجب وريثاً. عندها سأسلّمك العرش.”
“ماذا؟”
لم يصدق فابريس ما سمعه، فعاد ليسأل.
قال إليوت وكأنه يستغرب من غباء ابنه: “ما هو الشيء الوحيد الذي لا يمتلكه دينيس؟ إنه إبن وأنت أيضاً مخطوب إذاً، افعل شيئاً قبل أن يسبقك أولئك الأطفال!”
فتح فابريس فاهه محدقاً في إليوت مذهولاً.
شرح إليوت لفابريس: “يجب أن يكون هناك سبب مقنع لتنصيب ولي العهد وقد أجلت ذلك لسنوات، كما تعلم.”
“نعم، لأنك كنت تحرص علي…”
تلعثم فابريس في نهاية كلامه.
لقد كان إليوت يتوق إلى السلطة ويريد البقاء ملكاً للأبد.
وكانت هناك إغراءات شهرزاد بالخلود، لكن السبب الرئيسي كان رغبة إليوت نفسه في عدم التخلي عن العرش الذي حصل عليه بصعوبة.
ولهذا السبب، قلل من شأن خلافاته السابقة التي أثارها بين فابريس ودينيس، ووصفها بأنها نابعة من حرصه على فابريس.
لكن إليوت تخطى التفاصيل المعقدة للماضي وتابع كلامه وكأن ما قاله فابريس هو الإجابة الصحيحة: “نعم، هذا صحيح لكنك الآن كالطائرة الورقية التي انقطع خيطها، أليس كذلك؟ حتى الدوق برييم، الذي كان يدّعي أنه خلفيتك الداعمة، على وشك الاختفاء. صحيح؟”
“لذا إذا منعت إعدام جدي…”
صاح إليوت رافعاً يده: “لا تطرح هذا الموضوع! إنها إرادة المعبد لا أستطيع التدخل في شؤون المعبد أو ممارسة أي تأثير! ألا تعلم أن المعبد والعائلة المالكة منفصلان؟”
“نعم.”
أيد فابريس ذلك فوراً، رغم أنه لم يكن يفهم جيداً ديناميكية العلاقة بين المعبد والعائلة المالكة.
“لقد مضى ذلك الزمن يجب أن تفكر الآن في ما تبقى أمامك انظر، يا بني هل تفوقت على دينيس في المظهر أو الشخصية أو الثقافة في شيء؟”
“…”
ضربه إليوت بحقيقة واضحة.
كان فابريس يشعر بالظلم لأنه كان يفخر بأن دمه أنقى من دم أخيه.
لكن فيما يتعلق بالمجالات الأخرى، كان كلام إليوت صحيحاً ولم يستطع الاعتراض.
“لكن الملك لا يُختار بهذه الأمور. هذا المنصب أعقد من ذلك بكثير يمكن أن ينقلب الوضع بسبب حادث صغير قد تعتبره تافهاً وتتجاهله وهذا ما حدث معي لم يعد أمامك الآن سوى طريقة واحدة الوريث! إذا أشعلت قضية الوريث، فسوف تتطور بالتأكيد إلى حريق كبير وسيتغير المشهد عندها سأرفعك إلى العرش إنها الفتحة الوحيدة لنجاتك! هل فهمت؟ كن متيقظاً!”
“نعم، سأحفظ ذلك، أبـي.”
“إذا انتهيت، فاذهب الآن.”
“نعم…”
لم يصغ إليوت حتى لتحيات فابريس وطرده.
عاد فابريس إلى قصره وهو يتأمل بهدوء كلام إليوت.
الفتحة الوحيدة للنجاة.
فجأة، أمسك فابريس قلماً وبدأ في كتابة رسالة إلى شخص ما.
كانت حالة فابريس الهادئة تختلف 180 درجة عن حالته الفوضوية السابقة، فتمتم الخادم وهو يرتعد:
“يشبه هذا هدوء ما قبل العاصفة.”
***
كان رجل في منتصف العمر يجلس يمضغ سيجارته، وأمامه رجل يبدو أصغر قليلاً يشرب كأس الشاي.
“لم تكن زيارة الكونت ريدل لي أمراً معتاداً، فما بالك بأن تطلب أنت لقائي.”
سعل الرجل في منتصف العمر عدة مرات وكأنه يشعر بالإحراج.
كان الجالسان يتقابلان: الكونت ريدل والكونت لوماسان.
اتصل الكونت ريدل، الذي لا يملك الكثير من الذكاء لكنه سريع الحركة، بلوماسان فوراً.
كان يريد مقابلة سرية.
كان طلب اللقاء السري لأن الكونت ريدل نفسه كان يشعر بالخزي.
بعد أن تظاهر بالعظمة وسط حشد النبلاء القدماء، ها هو يبحث عن علاقات كعصفور أشعلت النار في ذيله.
والعلاقة التي وجدها كانت مع فصيل النبلاء الجدد، الذين كان يسبهم وينتقدهم دوماً.
لكنه، وبفضل سنوات خبرته السياسية الطويلة، وضع درعاً منيعاً على وجهه وقال: “لدينا هدف مشترك، أليس كذلك؟ دعنا نخطط للمستقبل. ولنمضِ قدماً.”
ارتسم تعبير اللامبالاة على وجه الكونت لوماسان.
“لقد جئتني لأنك تشعر بعدم الأمان.”
أصابت الكلمة مقتلاً، فحاول الكونت ريدل تفاديها بالضحك: “هاها.”
لكن الكونت لوماسان لم يتركه وسخر منه: “يبدو أنك فشلت؟”
“ماذا تقصد؟”
تظاهر الكونت ريدل بعدم الفهم.
“لقد سمعت جيداً نبأ إعدام الدوق برييم، بعد محاولتك اتهام الأمير الأول بالخيانة.”
“…”
“أيها الكونت، ألا تريد قول شيء؟”
أصر الكونت لوماسان على الهجوم عندما أحسّ أن الفرصة مناسبة.
لم يكن شخصاً سهلاً ينسى الإهانات التي تلقاها.
وضع الكونت ريدل سيجارته وقال: “أنا آسف لقد أخطأت في كلامي سابقاً عندما يتقدم العمر، تخرج الكلمات أحياناً بلا تفكير وأنت تعلم أنني، رغم أني أبدو متشدداً، إلا أنني في الواقع شخص منفتح سمعت أن ابني الصغير استثمر في بنكك. ألا يجدر بنا الآن أن نعيش متحدين؟ هاه؟”
بدا صوته متوسلاً للوهلة الأولى.
لكن الكونت لوماسان سخر منه.
بسبب استثمارات ذلك الشاب الصغير التافه.
يبدو أنه أراد أن يخلق رابطة بأي طريقة، حتى لو بذكر ذلك الكلام.
التقط الكونت لوماسان المعطف المعلق بجواره ونهض من مكانه.
“شكراً على الشاي، أيها الكونت.”
“آه، لا…”
رفع الكونت ريدل يده وكأنه مرتبك.
“الليل قد تأخر، فلتكن بخير يجب أن تكون حذراً في سنك، فالرؤية في الليل ليست واضحة.”
ثم خرج دون أن يلتفت.
وبمجرد أن ركب الكونت لوماسان العربة، تمتم: “لقد جاءني ذلك العجوز بنفسه.”
فسأله الخادم المجاور: “هل سارت الأمور على ما يرام؟”
التعليقات لهذا الفصل " 53"