“لا أريد أن أتوقع شيئًا، ثم أُخيب، ثم أتألم مرة أخرى.”
“…”.
رفع دنيس يده بصمت، وأدار خصلات شعرها المتساقطة خلف أذنيها.
فتكشف حينها جبينها الناصع المستدير.
لمس شعرها، ثم جبينها، ثم خدّيها المورّدين بلطف.
“لقد بقيتِ في الماء طويلًا ستُصابين بالزكام هيا، اخرجي.”
أمسك منشفة بيضاء موضوعَة في السلة.
“أجبني أولًا، سمو الأمير.”
“بعد أن تخرجي من الماء.”
“لا.”
“لا تُصِرّي.”
أخرجها من الماء وهي منغمرة تمامًا، ثم شرع في تجفيفها.
تلوّت جسدها قليلًا، لكنها ما لبثت أن هدأت، وكأنها أدركت أن المقاومة لا فائدة منها.
بعد أن جفّفها وأصبحت ناعمة الملمس، قالت:
“أنت أيضًا كذلك ألا تُتهرّب بهذه الطريقة؟”
كان صوتها متذمرًا.
تحدث إليها كما لو كان يتعامل مع طفلٍ عنيد:
“حسنًا، هل نرتدي الملابس الآن؟”
“أجبني أولًا أترغب مرة أخرى في المرور على الأمر بغير اكتراث؟”
لبسها رداء الاستحمام المعلّق على المشجب.
“لنذهب إلى غرفة النوم.”
“لا.”
“ألن تذهبي؟”
“اذهب وحدك إن أردتَ.”
شَدّت على فكّها وصمّمت على إطباق شفتيها.
كانت هيئتها توحي بأنها لن تتحرك من مكانها قبل أن يُجيب.
استمرت المواجهة بينهما برهة.
ثم عطست المرأة مرتين متتاليتين: “أتشفو! أتشفو!”
رفعها فجأة كما يحمل أحدهم كيسًا، ووضعها على كتفه.
رَفَستْ بأقدامها ولوّحت بيديها ضاربةً ظهره.
“أطلق سراحي!”
“لا. بما أن سيدتي لا تستمع إليّ، فسأفعل ما يحلو لي.”
ثم خرج بها إلى الرواق وهي مُحمّلة على كتفه.
رآه الخدم المارّون من بعيد فانحنوا مذعورين وتفرّقوا في الحال.
كان ينوي أن يحملها هكذا حتى غرفتها في نهاية الرواق.
“الدم يتدفق إلى رأسي!”
صاحت بغضب وهي تضرب ظهره بكفها.
بدا أنها غاضبة جدًا، فكانت ضرباتها قوية.
دخل بها إلى غرفة النوم وألقاها على السرير.
تدحرجت مثل الكرة ثم نظرت إليه كهرّةٍ ناصبة فرائها.
ظهر وبطن دنيس احمرّا من أثر ضربات يديها وقدميها العشوائية.
وُجِدت آثار كفوفها واضحة حتى على جذعه العاري الذي لم يكن يرتدي قميصًا.
وقف عند حافة السرير متشابك الذراعين ينظر إليها من فوق.
“لماذا تُظهرين هذا العناد اليوم يا زوجتي؟”
حدّقت فيه بعينين واسعتين.
“هيه! عناد؟ كان بإمكانك الإجابة منذ قليل لينتهي الأمر!”
“أنتِ على وشك أن تصابي بالزكام أكنتِ تودّين الاستمرار في الشجار في الحمّام عارية؟ لا بأس، الأمر لا يعنيني لكنني أرفض أن أعتني بمريض.”
“…”.
“هيا، تحدثي الآن.”
نظر إليها بتلك النظرة المتسامحة المتعالية.
قالت تيريز بوجهٍ مُستغرب:
“لماذا تتصرف دومًا كما تشاء؟ إمّا أن تُحسن معاملتي، وإمّا لا! لماذا تجعلني أتوهم؟”
“ماذا فعلت لكِ؟”
“في ليلة الزفاف، ثم في المرة السابقة! أنت من قلت أنك لا تحبني فلماذا تقول حينها إنني عالمك، وتلك الكلمات؟ لماذا تقول ما يجعلني أتوقع؟!”
“تيريز، هذا…”
حاول الاعتراض، لكنها واصلت كلامها دون اكتراث:
“أنت لا تعرف أي شيء عما أحبّ وما أكره قولك إنني عالمك كان كذبًا، أليس كذلك؟ لماذا تكذب؟ لا تحتاج إلى الكذب حتى معي ثم لماذا تأتي لتواسيني كلما مررت بصعوبة؟ لماذا، لماذا؟!”
كانت تتحدث بسرعة وكأنها منفعلة.
ثم هدأت قليلًا وسألت بصوت منخفض:
“أكنت أضحوكةً في نظرك؟”
“هذا ليس صحيحًا أبدًا تيريز، لا.”
“تعامل معي ببرودٍ حتى لا أتوقع أي شيء كما فعلت في ليلة الزفاف.”
امتلأت عيناها بالدموع.
لكنها نظرت إلى السقف وكأنها تبتلع دموعها، ثم محت أي أثر للدمعة.
كان وجهها حازمًا، عازمةً على سماع الجواب الليلة بأي ثمن.
جلس دينيس على حافة السرير.
ثم نظر إليها بعينين حنونتين.
“… عندما قلتُ إنكِ عالمي، كنتُ صادقًا.”
ثم أعاد ربط رداء الاستحمام الذي ارتخى بسبب شجارها.
“كما تقولين، كنتُ غير مبالٍ طوال هذه الفترة كنتُ قاسيًا معكِ…”
“…”.
ربت على وجهها.
“كنت أتألم عندما أنظر إلى وجهك كنت أتذكر كل ما فقدته لأنني تهتُ كثيرًا بعد رحيل والدتي.”
“…”.
“… كما أنني لم أرغب في الزواج منكِ أيضًا.”
“أعرف ذلك.”
كانت تيريز تعلم جيدًا أنه لم يرغب في هذا الزواج.
فقد كانت هي الوحيدة التي رغبت فيه بشدة.
“هل تعرفين ذلك؟”
نظر إليها ضاحكًا ضحكةً بلا قوة.
“أنا آسف لقد آذيتكِ بسبب مشاكلي.”
“كنت… أعرف كل ذلك، وقبلت به.”
حَنَت تيريز رأسها ونظرت إلى يديها المقبوضتين.
“حتى الآن، لم أحقق أبدًا ما أريده كل شيء كان تعيسًا وعديم المعنى فقدتُ والدتي، من ناحية أردت البقاء لأنتقم، ومن ناحية أخرى تمنيت الموت.”
“…”.
“ظننت أنه لا يوجد أي معنى للاستمرار في الحياة.”
كانت هذه اعترافاته التي يسمعها منها مباشرة.
كانت قد توقعت شيئًا من هذا القبيل، لكن… أن يعيش كل هذا الوقت بتلك المشاعر…
قال مبتسمًا وكلامه واضح:
“لكن أتعلمين شيئًا؟”
“ماذا؟”
“أنتِ لستِ الشخص الذي سبب لي الألم أنتِ زوجتي تيريز.”
لم تفهم تيهيز كلامه بسهولة، فتساءلت:
“ماذا تقصد بذلك؟”
“أعني أنني سأبقى دائمًا إلى جوارك سواء كانت عشر سنوات، أم عشرين.”
“…”.
“لا أعرف ماذا أسمي هذا الشعور.”
توقف قليلًا ليُرتّب أفكاره.
“تيريز، أظن أن لا شيء يدوم إلى الأبد والحب كذلك فالشخص الذي وهبني دمه هو الدليل على ذلك لقد نشأت وأنا أتذكر ذلك جيدًا.”
استمعت إليه في صمت، متعجبة من كلامه المفاجئ.
“لكن عندما أراكِ… هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بمثل هذا، لذا لا أعرف تمامًا…”
أطلق تنهيدة وقال:
“لكنني أفكر فيكِ بعمق، تيريز أتمنى أن أكون دائمًا إلى جوارك…”
كان ذلك صادقًا من قلبه.
وبعد أن أظهر صدقه، بدأ يفرك وجهه باستمرار، وكأنه يشعر بالحرج.
أجابته بصوتٍ خافت:
“لماذا، لماذا تقول ذلك مرة أخرى؟ كم تريد أن تتلاعب بي؟”
ابتسم دينيس ابتسامة خفيفة، وأخذ يعبث بعقدة رداء الاستحمام التي ربطها لها.
“لست أدري أريد أن ألتهمكِ، لكنني لا أريد التلاعب بكِ.”
“…”.
“أنتِ كالخوخة الناضجة الآن.”
لم تُجب تيريز.
لكنه لم يتأثر أبدًا، واستمر في الثرثرة:
“في المرة القادمة سأحضر زيتًا جيدًا مسبقًا. ربما تكون لدي موهبة في خدمة الحمّام.”
لم تُجب تيريز.
استلقى على السرير وهو الذي كان جالسًا على حافته .
نظرت إليه بوجهٍ حائر.
“آه، إذاً ما رأيكِ بهذا يا تيريز؟ في كل مرة، أخبريني شيئًا عنكِ ما الكتاب الذي تقرئينه هذه الأيام، وما وقتكِ المفضل في اليوم، وما الهدية التي تسعدكِ أكثر.”
“… يبدو لي أن هذه صفقة غير منصفة ألا تستفيد منها وحدك يا سمو الأمير؟”
“أدركتِ ذلك؟”
“نعم.”
ضحك دينيس بصوت عالٍ.
“ألا يمكنكِ أن تتغاضي عن الأمر؟”
“لا. سيكون ذلك صعبًا الليلة لم ننتهِ من حديثنا بعد، سمو الأمير.”
كان وجهها وهي تقول ذلك جادًا تمامًا.
“كوني صارمةً. حسنًا.”
تشتت شعرها الرطب.
“هل نجفف الشعر أولًا إذاً؟”
نهض من السرير وأحضر منشفة جديدة.
“تعالي إلى هنا.”
تمايلت بجسدها كسولةً.
جفف بلطف بقايا الماء في شعرها بيديه الخشنتين.
“هذا يؤلمني.”
تأوّهت كما لو كان شعرها يُسحب.
“آه، آسف. سأفعل ذلك بلطف.”
“أنت لا تجيد هذا.”
“إنها المرة الأولى.”
ثم برر ذلك قائلًا إن شعره قصير لذا يكفيه أن ينفضه مرة واحدة فقط.
بدا أن المرأة التي تدير له ظهرها تضحك، إذ ارتعشت كتفاها.
لكنها توقفت عن الضحك فجأة وقالت بصوتٍ خطر:
“لم ينتهِ حديثنا بعد، سمو الأمير.”
“نعم.”
“لذا، لا تفكر في المرور على الأمر هذه المرة أيضًا.”
“نعم.”
“لماذا أنت مطيع اليوم إلى هذا الحد؟ لطيف.”
كانت هذه الكلمات التي يقولها لها غالبًا: “لطيفة”.
لم يُجب دينيس، واستمر في تجفيف شعرها بلطف.
سمع صوت تثاؤب، ربما لأنها استرخَت.
“لكن… أنا نعسانة.”
“نامِي.”
“لا، لا يمكن. لا يزال… لدي أسئلة.”
كان صوتها متذمرًا.
“يمكنكِ سؤالي لاحقًا نامِي.”
“أتظن أنني سأنام بسهولة؟ مستحيل.”
رفضت إلحاحه كطفلة تنتفض من النوم.
“…”.
ضغط دينيس على رأسها بقوة.
وبعد بضع دقائق…
مال رأسها إلى الجانب.
أسند ظهرها ووضعها برفق على السرير، ثم غطاها باللحاف.
التعليقات لهذا الفصل " 52"