بعد حبس فابريس بأمان في غرفة النوم، عادت جيزيل إلى مكتبها.
ثم شرعت في تقييم مصدقية شهادته.
“أنجل.”
ظهر الرجل المنادى بأنجل من العتمة.
كان رجلاً ببشرة سمراء وجسم ضخم.
تزين ذراعاه الغليظان برسوم وشمية هندسية.
كان لون جلده وهيئته غير شائعين في فالوا، فكان يبدو أجنبياً للعين من النظرة الأولى.
أصل أنجل من قبيلة الهاز، وكان عبداً.
لم يطق ضرب سيده، فهرب عبر البحر إلى بلاد أخرى.
وهكذا وصل إلى فالوا.
لأنه كان عبداً أصلاً، لم يتردد في محاولة سرقة حقيبة جيزيل ليلتقي بها.
لو لا ذلك لأبلغت عنه إلى الشرطة.
ولكن الآنسة جيزيل مقلبة المزاج غيرت رأيها وقررت إيواءه.
منذ ذلك الحين وأنجل يخدمها كسيدة له.
طبعاً، ليس كمساعد لها في حياتها الاجتماعية، بل في أعمالها من هذا النوع، في الظلمات.
“نعم، آنستي.”
“أترى أن الكونت إنجليغر هو من نشر إشاعات عن الأمير الثاني؟”
“هناك إمكانية، ولكن الكونت كان غائباً عند نشوب فضيحة الأمير الثاني بسبب مفاوضات التوقف عن القتال أظن أن شخصاً ثالثاً تدخل.”
“شخص ثالث؟”
قال أنجل مبتسماً:
“مؤكد أن له سبباً لإسقاط الأمير الثاني.”
“همم! أتقصد الأمير الأول؟”
كانت جيزيل تستمع إلى كلام أنجل بشغف.
“هو أيضاً يقدر على فعل ذلك إن أراد، ولكن حسب ما تبين من سلوكه، فإمكانية قيامه بمؤامرة خفية ضعيفة.”
“إذاً، من تظن أنه فعلها؟”
قال أنجل بحزم:
“أميرة ولي العهد هي الأرجح حالياً.”
“أميرة ولي العهد؟… أليست شخصية خجولة لا تظهر كثيراً إلا في الفعاليات الرسمية؟ أنا أعيش في الحياة الاجتماعية منذ سنوات، ولم أر وجهها إلا مرات قليلة.”
لما ذكر ذلك الاسم المفاجئ، راجعت جيزيل أنجل.
“طبعاً. هذا ما يبدو ولكن عدد الأشخاص المنتمين لجمعية المعارف التي تديرها أميرة ولي العهد سراً ويتبين أمرهم فقط، يتجاوز الأربعة جميعهم أشخاص كبار وكذلك، تبين أن صفقة استيراد حجر الكوبالت من إنلاند كانت بتخطيط من أميرة ولي العهد.”
“أه.”
أومأت جيزيل لأنجل أن يتابع.
وأضاف أنجل:
“في إنلاند مؤخراً، نتج عن وباء مجهول السبب انخفاض حصاد الكاسافا إلى نصف حصاد العام الماضي لذلك كان ملك إنلاند يتحسر على الاستيراد من الخارج فانتهزت أميرة ولي العهد تلك الفرصة وقامت بمبادلة الكاسافا -التي لا تستعمل طعاماً في فالوا بحجر الكوبالت من الدرجة المتقدمة في إنلاند.”
عندما انتهى أنجل من كلامه، ضحكت جيزيل بصوت مرتفع.
“ستصبح الأمور مشوقة.”
“هي شخصية غير هينة، آنستي.”
قال أنجل بصوت منخفض.
“لا تقلق يا أنجل تعرف طبعي.”
“……”
“سوف تصبح هذه اللعبة لا تنتهي إلا بموت أحدنا، سواء أصبحت هي الملكة أم أصبحت أنا الملكة.”
“……”
لم يجب أنجل.
كان صمته إجابة أيضاً.
“ولكن، لماذا تتحدث عن هذا الآن يا أنجل؟”
عندما نظرت إليه جيزيل مبتسمة ابتسامة خفيفة، ركع أنجل مسرعاً وأجاب بصوت عال.
صدر صوت عال عند ركوعه وتحديداً من ركبتيه “قوونغ”، واهتزت الأرض.
“أعتذر. لم أجد أثراً لذلك، فاستغرق الأمر وقتاً استمر التحقيق وتبينت الخطة كاملة مؤخراً فقط لم أكن أنوي خداعك البتة، آنستي.”
“اخفض صوتك.”
“أعتذر، آنستي أرجوك سامحيني.”
بقي أنجل في وضعية الركوع، وصعر رأسه على الأرض متضرعاً.
عندما اصطدم رأسه بالأرض من الرخام بشدة، صدر صوت كصوت تكسر قشرة الجوز.
وبعد أن جلست جيزيل صامتة لدقائق، بقي أنجل ساكناً لا يتحرك، واضعاً راحتي يديه على الأرض.
سألته جيزيل بصوت خافت:
“إذاً، هي من اختطفت أميري من البيت الآمن المرة الماضية أيضاً؟”
“نعم، يتوقع أن يكون من قبل أشخاص تابعين لأميرة ولي العهد.”
كانت تظن أنها حبست فابريس بأمان، فإذا به يختفي كأنه بخار، فحاولت جيزيل معرفة من فعل ذلك.
ولكن، سواء كان سبب ذلك تقاعس التحقيق، أم كان سببه براعة من أخرج فابريس، لم يمكّنها التوصل إليه بسهولة.
ولكن أخيراً، كشف أنجل عن هوية الذين سرقوا فابريس منها.
“ها ها.”
ضحكت جيزيل كأنها راضية.
“قم يا أنجل إن رأى أحد سيفظن أني أوذيك، أليس كذلك؟”
“شكراً جزيلاً، آنستي شكراً جزيلاً.”
كانت الدماء تتقفق من جبهة أنجل عندما قام.
“يا إلهي! لقد أصيبت جبهتك سأعالجها لك.”
قالت جيزيل وهي تبتسم ابتسامة لطيفة.
“كلا يا آنستي! هذه الجروح لا شيء.”
“ما أصلبك يا أنجل! لا تقم بخطأ آخر، أتفهم؟”
“أشكرك على سعة صدرك، آنستي.”
“حسناً. لا عليك اذهب الآن وأتني بنتائج جيدة.”
صفقت جيزيل بيديها وهي تبتسم.
وخرج أنجل بوجه جاد.
***
كان ماثيو برييم منغمساً في الظلام يفكر.
يوم التنفيذ هو ليلة القمر الجديد القادمة.
لا يزال هناك أسبوع تقريباً من الوقت.
راجع خطته بالتفصيل.
لم أكن أريد فعل هذا إلى هذا الحد.
لعله سبب أنه كبر وأصبحت حساسيته أكثر.
حاول جاهداً أن يتجاهل وخز ما تبقى من ضميره له.
الأم ثم ابنها الأمير الأول.
حاول تبرير أفعاله لنفسه، قائلاً: في التيار العظيم للتاريخ، وهو وصول فابريس إلى العرش، ستكون هذه الحادثة مجرد تيار صغير فقط.
كان ينوي التخلص من الأمير الأول بأسهل وأسرع وأكثر الطرق وثوقاً.
خيانة عظمى.
يا لها من كلمة حلوة!
أخرج ماثيو صورة صغيرة كانت في درج مكتبه.
كانت صورة لماريان في احتفال بلوغها.
كان وجه ابنته الصغيرة قد أصبح ضبابياً الآن.
ابنتي العزيزة. ابنتي الوحيدة.
لو كانت لا تزال حية، لبدأ شعرها الأبيض بالظهور الآن.
أو لبدأت التجاعيد تظهر حول عينيها؟
ابنتي التي لا أستطيع رؤيتها إلى الأبد.
مسح ماثيو وجه ماريان الضاحك بانفتاح.
متى سأموت حتى ألتقيك؟
حك ماثيو عينيه اللتين أصبحتا ضعيفتي النظر.
لم تذرف دموعه.
مع أنه سيمر عشر سنين على وفاة ابنته، كان من المستحيل ألا يتأثر عاطفياً كلما تذكر ماريان.
يا بنيتي سأحقق أملك لا محالة سأحقق لا محالة وصول ابنك إلى العرش.
ضحك ماثيو ضحكة شرسة في الظلام.
ثم قام من مقعده وذهب إلى غرفة النوم.
كانت زوجته آن مستلقية على السرير تقرأ شيئاً، لم تكن قد نامت بعد.
“الليل بعيد، لماذا لم تنامي بعد؟”
سأل ماثيو وهو يخلع رداءه.
فأجابت الدوقة آن وهي تخفي الكتاب الذي كانت تقرؤه.
كانت طريقة إجابتها المذعورة مشوهة.
“… ليس شيئاً خطيراً اذهب إلى النوم سريعاً.”
وزيداً على ذلك، ما معنى ذلك الجواب المشتبه به؟
ألقى ماثيو نظرة خاطفة إلى الكتاب الذي كانت تقرؤه آن.
كان كتاباً ثقيلاً جداً، بغلاف جلدي قديم المنظر، ليس عليه كتابة.
قال ماثيو بهذر شاك لآن التي أثارت ريبته بفعلها:
“أعدتِ لتحصلين على أشياء غريبة من أين ما كان؟”
“غريبة! إنه مجرد كتاب.”
قال ماثيو لآن التي كانت قد استشاطت غضباً، كأنه يوصيها:
“ليست هذه المرة الأولى التي تحتفظين فيها بأشياء مشتبه بها.”
“ما الذي تقوله ؟.”
عارضت آن بصوت خافت.
“ألم تحضري منذ سنين قليلة محدثاً جوّالاً للأرواح وتقومي بالفضوضة، بزعم أنه يقوم بعرفة الطالع واستحضار الروح؟”
“لماذا تذكر أمراً حدث منذ سنين الآن؟…”
خفت صوت آن.
“وهذا كان لأني أريد رؤية ابنتنا ماريان جداً…”
وأخيراً، بدأت الدوقة آن الحساسة تنوح.
“أريد رؤية ابنتنا ماريان، فما الذي أفعله؟”
حاول ماثيو تهدئة الدوقة بوجه متعب.
لم يكن لا يفهم رغبة آن في رؤية ابنتهما.
بل عرف ذلك، لذلك كان متأسفاً.
ولكن في فالوا التي كان عقاب المنحرفين عن دين الدولة فيها شديداً، لم يمكنه تركها تقيم مذبحاً وهي تردد تعويذات مجهولة المصدر.
“كفي عن البكاء.”
“أريد رؤية ماريان…”
رَبّتَ ماثيو على آن.
في نفس الوقت، كان يسترجع ذاكرته.
حتى ولو كان ذلك قبل سنين قليلة، كان ماثيو برييم يتذكره بوضوح.
كم عانى في تخلصه من الأشياء الغريبة ومحدث الأرواح الذي كان في القصر آنذاك.
أحرق جميع الأشياء، وطرد محدث الأرواح خارج بوابة المدينة.
ولحسن حظه، كان قد أدرك ذلك قبل أن يتهم بالانحراف.
أجبر أهل البيت على حفظ ألسنتهم، وعاش لفترة مراقباً الكنيسة.
كم كان قلقاً متخوفاً أن يبلغه أحد بالانحراف!
عندما توقفت آن عن البكاء ومسحت أنفها، حاول ماثيو تهدئتها قائلاً:
“إن الاتهام بالانحراف سيزعجنا، فكوني معتدلة.”
قال ماثيو ذلك، ثم استلقى كما يفعل عادةً.
أجابت آن بتلكؤ:
“…حسناً، سأفعل ذلك اذهب إلى النوم.”
غفا ماثيو سريعاً.
عندما نام، أخرجت آن التي كانت تنتظر ذلك الكتاب الذي كانت قد أخفته، وأخذت تقرؤه بتركيز.
كان هذا الكتاب هو الكتاب الذي ينتقل من الحاكمة “أم الأرض” الذي أوصت به فانتين لآن.
كانت الدوقة قد اغترفت من دين قبيلة الهاز. سبب ذلك أنها شاهدت بعض المعجزات.
كمرة شعورها بصداع شديد كأن رأسها سيتشقق، فلما قامت بالصلاة كما أوصتها فانتين، شفيت.
ومرة أخرى كادت تتعرض لحادث وهي تتعثر بشدة داخل القصر، فتنبأت بذلك قبل وقوعه وتجنبت الحادث.
كانت للدوقة آن اهتمام خاص بأديان غير دينهم منذ القديم.
لذلك، كاد ماثيو يتعرض للمشكلات عدة مرات.
ولكن، لسبب سلطته، تمكن من تسوية الأمر، وإلا لكان قد اتهم بالانحراف بسهولة.
عندما تأكدت آن من أن ماثيو قد غفا وشخيره يعلو، خرجت من غرفة النوم بهدوء.
ثم ذهبت إلى غرفة صغيرة كانت تستخدم مخزناً.
كان هذا الغرفة هو الذي أقامت فيه آن مذبحاً حسب نصيحة فانتين.
طبعاً، من وجهة نظر فانتين، كان هذا لتبقى دليلاً قاطعاً على عبادة الدوقة لدين منحرف.
ذهبت آن إلى تلك الغرفة، ومسحت تمثال الأم.
بينما كان ماثيو برييم يحاول وضع فابريس على العرش فقط، لم يكن يعلم أن هذا الأمر يحدث في بيته.
التعليقات لهذا الفصل " 43"