منتصف الليل.
كانت مشاعر فابريس تتأجج شيئاً فشيئاً.
حان وقت مجيء غاسبار قريباً.
أخرج فابريس كل أنواع الخمور التي كان يحبّها، وبدأ يحتفل وحده.
وفي تلك اللحظة…
هبَّت نسمة هواء خفيفة، ثم تمايل ظلٌ على النافذة لوهلة قبل أن يختفي في العتمة.
وكأنه كان مجرد وهم.
لقد كانت لحظة عابرة، حتى أنه ظنّ أنه يهذي.
رفرف فابريس بأصابعه وهو يهمهم بأغنية.
وفجأة، أمامه تماماً، انحنى شخصٌ يرتدي قناعاً أسود وألقى التحية.
“لقد مضى زمنٌ طويل منذ رأيتُ سموّك.”
“يكفي مجاملات لديّ مهمة لك.”
لم تكن التحيات اللفظية مهمة لفابريس.
“اقتل ماركيز إنجيلغر.”
“حاضر.”
“سأرسل الأجر إلى منظمتك أرسل إليّ عينيه.”
“كما تأمر.”
أجاب غاسبار دون أدنى تردد، ثم اختفى مرة أخرى في الظلام.
ضحك فابريس ضحكة مكتومة شريرة.
أخيراً سيأخذ بثأره من ماركيز إنجيلغر الذي كان كالشوكة في عينه منذ فترة.
مجرد التفكير في ذلك جعل فابريس في غاية السرور.
لم يعجب الدوق برييم الجوَّ المضطرب الذي يسود لويبرن.
كانت لويبرن تموج وكأن شيئاً ما على وشك الانفجار.
لو كان ذهنه واضحاً كما في السابق لفهم الأمر، لكن بعقله الذي أصابه البلادة الآن، لم يستطع إدراك السبب.
عوضاً عن ذلك، استدعى إلى منزله النبلاء الشباب من داخل فصيل النبلاء القدامى.
شباباً، لكنهم جميعاً في سنّ منتصف العمر.
“يبدو أن أجواء العاصمة هذه الأيام غير جيدة على الإطلاق.”
قال الدوق برييم ذلك وهو يلتفت لينظر إلى الحاضرين.
أدار بعضهم رؤوسهم وتجنّبوا النظر، وكأن ليس لديهم ما يقولونه.
“يُقال إن المعبد يبشر مؤخراً بعقيدة غريبة ربما يكون ذلك هو السبب.”
قال أحد النبلاء الذي يُعدّ من الشباب نسبياً.
“أية عقيدة؟”
“قصة القديسة وابنها.”
لم يستطع ماثيو برييم إلا أن يقبض بقوة على عصاه عند سماع تلك الكلمات.
ألم يكن ذلك يشير إلى الملكة شارل المتوفاة وابنها دينيس؟
“كيف تجرؤ تلك القصة على…”
تلكَّأ أحد النبلاء في إكمال كلامه، وكأنه في حيرة.
كان أولئك الذين شاركوا في عزل الملكة شارل قبل عشرين عاماً لا يزالون جالسين في أماكنهم.
بل وكان بين الحاضرين في قصر الدوق برييم اليوم عددٌ غير قليل منهم.
اسودّت وجوههم بمجرد ذكر اسم الملكة المتوفاة.
“لا أعرف السبب، لكن يُقال إن المعبد يبشر بعقيدة تؤيد الأمير الأول.”
“ويوافقهم الكثير من العامة على ذلك، لذا فإن التيار غير عادي.”
تذكر ماثيو برييم الملكة شارل التي كانت قديسة.
فالمعبد والقديسة كانا شيئين لا ينفصلان.
كان يظن أنه أخمد الشرر تماماً، فهل يعود الآن ليندلع من جديد؟
فكّر ماثيو بشراسة.
لقد أراد أن يضع تاجاً ناصع البياض على رأس فابريس، لكن المعوقات كانت تظهر واحدة تلو الأخرى.
أيهما يجب أن يضرب: المعبد أم الأمير الأول مصدر كل هذه المشاكل؟
تخلّى ماثيو فوراً عن فكرة مهاجمة المعبد.
فالمعبد كان خصماً يصعب على الدوق برييم، الذي كانت هيبته في المرتبة الثانية بعد الملك نفسه، مواجهته.
إذا فكرت في كيف وصل البابا فيليكس كلير إلى منصبه، كان من الأفضل عدم التعرّض له قدر الإمكان.
كان الحل بسيطاً.
إزالة المصدر.
قرر ماثيو أن عليه استخدام الورقة التي كان قد ادّخرها كحل أخير.
“ماذا يجب أن نفعل بشجرة تمتد أغصانها كيفما تشاء؟”
قال ماتيو ذلك وهو يبتسم ابتسامة ودودة تغطي وجهه.
وكأنه يتحدث عن طريقة العناية بحديقته كهواية.
لكن الدوق برييم لم يكن يتحدث عن شجرة فقط.
ولأن سؤاله لم يكن واضحاً لشخص ما، سأله ذلك الشخص:
“ألا يجب تقليم أغصانها؟”
نظر إليه ماثيو وسأل:
“بالضبط ولكن ماذا لو كانت شجرة لا تناسب حديقتي؟”
عندها نظر إليه بعض النبلاء الذين أدركوا أن هناك شيئاً غريباً.
“في هذه الحالة، ألا يجب اقتلاعها من الجذور؟ حتى لا تنمو مرة أخرى.”
أومأ أولئك الذين فهموا كلمات الدوق برييم برؤوسهم موافقة.
في نفس الوقت…
لم يكن الدوق برييم يعلم أن الظلام يكون تحت المصباح.
فهو لا يدري أن هناك إشارات مريبة في قصره نفسه، وهو منشغل بالتفكير في كيفية مهاجمة الأمير الأول.
كانت فانتين قد استقطبت بالفعل ما يقرب من نصف خدم القصر.
وكان هدفها الأخير هو دوقة برييم.
“سارة، ألستِ ستصلين الليلة أيضاً؟”
“طبعاً تعالوا جميعاً إلى غرفتي.”
قالت فانتين بابتسامة متسامحة.
“أنتنّ، لا تتجمّعن للثرثرة واذهبن للعمل.”
“نعم، رئيسة الخادمات.”
تفرقت الخادمات اللاتي كن مجتمعات.
اقتربت رئيسة الخادمات من فانتين وأمسكت بها وهي تستدير للرحيل.
“سارة، السيدة تتساءل عنك.”
لقد اكتُشفت.
“بخصوص ماذا…؟”
تظاهرت فانتين بوجه بريء لكنه خائف.
“تتساءل عن تلك الطقوس التي تقومين بها اذهبي إلى غرفة السيدة حالاً.”
“حاضر.”
مشت فانتين بخطوات سريعة نحو غرفة الدوقة، أفضل غرفة في القصر وتقع في وسط الطابق الثاني.
“مساء الخير، سيدتي هذه سارة.”
“نعم، تعالي.”
استقبلتها الدوقة بابتسامة متسامحة.
“اجلسي هنا.”
دعت الدوقة آن فانتين للجلوس على المقعد المقابل لها.
رفضت فانتين برجّة يد.
“سيدتي، كيف يجوز لخادمة مثلي أن تجلس مقابل سيدتي؟ أرجو أن تعفيّني من هذا الأمر.”
“إذا استمررتِ بالوقوف، سأضطر للنظر إليكِ للأعلى هذا غير مريح، لذا اجلسي.”
“إذا أصررتي على ذلك، فسأجلس بشكر سيدتي.”
جلست فانتين بحذر.
“حسناً، سمعت أن لديكِ موهبة خارقة”
استفسرت الدوقة منها مباشرة دون أي مطولات.
يبدو أنها كانت تتساءل كثيراً منذ أن انتشرت الشائعات داخل القصر.
“لا شيء يذكر، سيدتي إنه مجرد…”
“مجرد ماذا؟”
نظرت آن إلى فانتين.
“عيني أفضل قليلاً من الآخرين.”
“عيناكِ؟”
“نعم. عندما أخدم الأم، يصبح ذهني صافياً وعيني نافذتين، فأستطيع رؤية المستقبل القريب.”
“إلى أي مدى ترين إذاً؟”
“إيماني ما زال ضعيفاً، لذا لا أستطيع رؤية أكثر من نصف يوم تقريباً.”
“أوه!”
نظرت الدوقة إلى فانتين بدهشة.
“ومن تكون هذه الأم التي تتحدثين عنها؟”
“إنها حاكمة الأرض، الأم إنها حاكمة تحب الطبيعة، لذا فهي تتدخل في نظام كل المخلوقات.”
“هذا رائع.”
كانت آن مندهشة من كلام فانتين، لكنها بدت أيضاً متسائلة عن كيفية إمكانية رؤية المستقبل.
لم تفوت فانتين الفرصة، وقالت للدوقة:
“إذا سمحتي، سيدتي، أود أن أقدّم لكِ طقساً هل لديكِ أمرٌ ما يقلقكِ هذه الأيام؟”
“حسناً…”
همست آن وكأنها ستقول شيئاً، ثم أطبقت فمها.
يبدو أنها لم تثق بي تماماً بعد.
“إذاً سأصلي من أجل سلام قلبكِ، سيدتي أخبريني لاحقاً إذا كان لديكِ أي شيء تريدين قوله.”
“حسناً، شكراً لكِ خذي هذا وكلِيه.”
ناولتها آن قطع البسكويت الموضوعة أمامها.
“لا يمكنني، سيدتي كيف يتسخ طعامكِ بيدي سيدتي…”
“إنها هدية شكر لكِ على مجيئكِ اليوم خذيها وكلِيها وحدكِ أو شاركيها.”
“شكراً جزيلاً لكِ حقاً، سيدتي.”
حنت فانتين رأسها عدة مرات وهي تشكرها.
عندما أشارت آن لها بالمغادرة، تمكنت فانتين من الخروج من غرفة الدوقة.
عندما خرجت، كانت كارول تتجول أمام غرفة الدوقة.
“سارة، لماذا استدعتكِ السيدة؟”
“وماذا يهمكِ؟”
أجابتها فانتين بلامبالاة.
بعد أن أدركت كارول أن فانتين اكتسبت شعبية بين الآخرين في القصر منذ فترة، كانت تتشاجر معها كثيراً.
“ماذا، ماذا! أنه من المضحك أن تدخلي وتخرجي من غرفة السيدة! وأنتِ خادمة في غرفة الغسيل.”
“ألستِ أنتِ كذلك؟ أنتِ أيضاً خادمة في غرفة الغسيل.”
“أنتِ…!”
“إذا كنتِ تغارين، فاعترفي بذلك! حينها سأعلمكِ كيفية الصلاة!”
أدارت فانتين ظهرها لها وهي تضحك ساخرة.
وتركت كارول ترتجف غيظاً وهي تنظر إلى ظهر فانتين.
في الطريق للخروج من مكتب الملك…
التقى دينيس بماركيز إنجيلغر.
“آه، سموّك! أن نلتقي في مكان كهذا!”
ضحك ماركيز إنجيلغر ضحكة مبالغاً فيها وكأنه سعيد جداً بلقائه.
“كيف حالك، سموّك؟ أرجو أن تكون بخير.”
“نعم، أيها الماركيز لقد مضى وقت طويل.”
أومأ دينيس برأسه رداً على تحية الماركيز.
“لم أركَ منذ مراسم منح اللقب الماضي، كم مضى؟ أشهر؟”
“……”
صفع الماركيز كتف دينيس وهو يعامله وكأنه شخص أدنى منه.
مسح دينيس كتفه الذي لمسه الماركيز بحركة خفيفة من يده.
ثم قال وكأنه منزعج:
“هل لديك ما تقوله؟”
“آه، حقاً… أنت شخص مشغول بأمور الدولة…”
تظاهر ماركيز إنجيلغر بإحراج زائف.
نظر دينيس إلى الماركيز بلا تعبير.
“إذا لم تكن مشغولاً، هل لك أن تمرّ على مكتبي للحظة؟ لدي شاي جيد حصلت عليه أثناء مفاوضات الهدنة الأخيرة، ولدي أيضاً شيء لأخبرك به…”
“قله الآن.”
“آه. أعتقد أنه سيطول أردت أن أخبرك شيئاً عن سموّه فابريس…”
“……”
عبس دينيس جبينه.
لم يكن يريد سماع ذلك، لكنه شعر أنه يجب عليه ذلك.
“تعال إلى قصري في وقت العصر.”
“آهاها، حسناً اعتنِ بنفسك، سموّك.”
أومأ دينيس برأسه ثم غادر المكان بخطى سريعة.
عاد دينيس إلى مكتبه وغسل أذنيه.
“سموّك، لماذا تغسل أذنيك…؟”
“لأنني سمعت شيئاً قذرا، لذا يجب غسلهما وهل يمكنكِ إحضار معطفي الجديد؟”
“ولماذا هذا…؟”
“لقد اتسخ.”
تساءل سيلبانغ في حيرة وهو يأخذ معطف دينيس.
فحصه بدقة بحثاً عن أي أوساخ، لكنه لم يجد شيئاً.
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 39"