“سيدي الأمير، حان الوقت للتوجه إلى قاعة الاحتفال.”
أقام الخادم فابريس الذي كان جالسا بذهول.
لقد تصرفت خادماته وكانن قد أتممن لبسه ثيابه ثم انصرفن بسرعة.
“اليوم…”
“نعم، سيدي الأمير.”
“بعد انتهاء الحفل، أحضر إلى قصري الرجل الذي استخدمناه في التخلص من زافيير لدي مهمة له.”
إذا كان المقصود هو الرجل الذي استخدم في التخلص من زافيير، فهو بالتأكيد القاتل المحترف.
ذاك الذي أخرج زافيير عنوة من السجن وقتله عندما تفاقمت فضيحة القصر.
أجاب الخادم دون تردد:
“حاضر، سيدي.”
أخرج فابريس قنينة الخمر التي كان قد تركها بإهمال، وصبها بغزارة في الكأس ثم شربها دفعة واحدة.
حالما دبت حرارة الخمر في جسده، أحس بعقله القاسي يدور بسرعة.
عليه أن يجمع قواه ويكون واعيا.
فالأمر يبدأ من الآن فصاعدا.
شد فابريس ربطة عنقه بقوة.
عندما دخل فابريس قاعة القمر، سكت المدعوون الذين كانوا يتناجون بينهم لحظة واحدة.
لم يبال فابريس بذلك وسار متجها نحو الأمام ناظرا إلى ما أمامه فقط.
انتهى حفل الخطبة بعد توقيع الطرفين على عقد الخطبة وتبادل نسخه.
لم يكن هناك قس يرشده كما في حفل الزفاف، لذا لم يكن الحفل طويلا.
مع ذلك، كان هناك من يقيمونه بضخامة وطول كأنه حفل زفاف.
كما فعل فابريس في خطبته الأولى.
لكن…
أما فابريس في خطبته الثانية، فلم يرد أن يبادل عقد الخطبة مع هذه المجنونة متظاهرا بالائتلاف.
لم يكن يريد سوى الهرب بسرعة.
ألا ينبغي ألا يوقع على عقد الخطبة أصلا؟
بينما كان يفكر في ذلك، دخلت جيزيل خلفه بترو وهي تمشي.
صفق الضيوف بهرة لجمالها.
التفت فابريس ناحيتها.
كانت جيزيل التي ترتدي فستانا أبيض مزينا بدقة بتطريزات الدانتيلا الفضية، وتحلي بقلادة وقرط من الماس، لطيفة إلى حد مقبول.
حتى لو أخذنا بعين الاعتبار أنها مجنونة.
ابتسمت جيزيل ابتسامة عريفة، وأدخلت ذراعها بطبيعة الحال تحت ذراع فابريس.
ثم همست في أذنه:
بالنظرة الأولى، بدت تعابير وجه العروسين المقبلين وهما يهمسان لطيفة، بغض النظر عن محتوى همسهما.
“لقد هربت بمهارة أمس لا تفكر في الهرب اليوم.”
بعد أن قالت ذلك، أمسكت جيزيل ذراع فابريس وشددت عليه.
آه!
كبت فابريس أنينه الذي كاد يتصاعد ودفعه إلى حلقه.
“مشاعرك ظاهرة كلها على وجهك لنكمل حفل الخطبة.”
رفعت جيزيل رأسها بتكبر، ثم أومأت لخادم القصر الواقف خلفها.
فقدم الخادم عقد الخطبة إلى فابريس و جيزيل.
[…قسم الخطبة…]
عندما رأى فابريس العبارات المكتوبة في عقد الخطبة، لم يرد أن يوقع عليها بلباقة.
هاه!
أن أخطب هذه المجنونة؟ وأن أعاقب أيضا إذا هربت؟
أمسك فابريس بالقلم ونظر إلى جيزيل.
كانت إحدى حاجبي جيزيل مرفوعة بصورة غير طبيعية.
كانت تضغط عليه ضمنيا ليوقع بسرعة.
حسنا، لا أبالي.
خط فابريس توقيعه بعنف، ثم ألقى عقد الخطبة نحو خادم القصر كأنه يرميه.
“عليك أن ترقص الرقصة الأولى قبل المغادرة.”
“هاه!”
كاد فابريس أن يرمي كل شيء بعيدا، الرقص وغيره.
أحاطت جيزيل ظهره بطبيعة الحال.
ثم همست في أذنه بلطف:
“لا أظنك تريد الجلد مرة أخرى، أليس كذلك؟ قم سريعا.”
قام فابريس جبرا.
ثم أمسك يد جيزيل.
عندها صفق الضيوف وتراجعوا ليتركوا لهما مساحة للرقص.
ابتسمت جيزيل بعذوبة وهمست لـ فابريس:
“اترك كل أمل باطل، سيدي الأمير. فأنت ملكي الآن.”
بعد أن قالت ذلك، مسحت جيزيل يدها على خصر فابريس وهو يرقص.
لا يزال الجرح في تلك النقطة يؤلمه.
أيتها المجنونة!
عبس فابريس .
“ابتسم، سيدي الأمير.”
لظن الناس أنهما يرقصان ويتحدثان بلطف في أذني بعضهما.
“اسمع…”
فتح فابريس فاه بعد صمت طويل.
“بما أننا خطيبان، ينبغي أن تكون أقرب أن تدعني باسمي مثلا.”
“أنا؟ هل تظن أني سأفعل ذلك؟”
زفر فابريس زفرة ساخرة.
“يبدو أنك لم تستجمع قواك بعد أتريد العقاب هذه الليلة أيضا؟”
يا للعنة!
“أيتها الأميرة، أتظنين أني سأقف متواكفا هكذا؟ أنا رجل عنيد.”
ضحكت جيزيل بصوت عال كأنها سمعت نكتة مضحكة.
“نعم، حتما ستفعل.”
ضغط فابريس على شفتيه لشعوره أن جيزيل تستخف به.
“لا تفكر في العبث سأفي بالعقد حسب الاتفاق.”
عندما انتهت من كلامها، انتهت أيضا قطعة الرقص.
بينما كانت جيزيل تؤدي تحيتها بأناقة حسب الأتيكيت، غادر فابريس القاعة بعنف كأنه يركض، دون أن يؤدي تحيته بشكل لائق.
لم يعد يريد أن يكون في نفس المكان معها.
راقبت تيريز حفل خطبة فابريس بدقة.
ألم يتبين بعد أنها قد سرقت فابريس منها؟
دون أن تشعر، قبضت تيريز بشدة على ذراع دينيس الملتوي تحت ذراعها.
في تلك اللحظة، نظر إليها دينيس بتعبير محير.
“أتشعرين بالتعب من الوقوف؟”
همس بصوت خفيف.
هزت تيريز رأسها بالنفي.
حتى لو كانت تشعر بالتعب، لن يمكنهما العودة إلا بعد انتهاء الحفل.
“يبدو أنه يمكننا المغادرة الآن، بعد انتهاء الرقصة الأولى.”
“جلالة الملك لم يغادر بعد.”
رد دينيس على رفض تيريز بلهجة عابثة.
“جلالته لم يساهر الليل كما فعلتِ أنتِ البارحة.”
“…بسبب من كنت أساهر، وأنت تتحدث هكذا؟”
ردت تيريز بحدة على كلام دينيس.
عندها ضغط دينيس على يدها الملتوية تحت ذراعه مرة ثم أرسلها.
“أخبريني إذا كنت تشعرين بالتعب فزوجتي تظل صامتة دائما، وهذا مشكلة.”
“…حسنا، سأفعل.”
أومأت تيريز برأسها بلطف.
عندما راقب إليوت سلوك فابريس، لم يستطع أخيرا إلا أن يظهر سخطه.
“وغد مخدوع!”
عاد إليوت أخيرا إلى غرفة نومه وأفرغ غضبه.
حاول رئيس الخدم بمهارة أن يهدئ من روعه.
“سيدنا الأمير ما زال صغير السن سيصير رجلا مكتملا بعد سنوات قليلة.”
“أليست هذه خطبته الثانية؟ مع ذلك، يتصرف بهذه الحماقة!”
خفض رئيس الخدم رأسه سريعا خوفا من الانتقاد.
“ألا يعرف قدر ما نظفت خلفه من فضائح؟ يتصرف بطيش هكذا!”
“سيعرف بالطبع، سيدرك سيدنا الأمير ذلك.”
“لا يمكن لمن يعرف أن يتصرف هكذا.”
أدار إليوت ظهره وخلع ثيابه بعنف.
عندها انفتح الباب بلطف، ودخلت شهرزاد.
رآهل رئيس الخدم فابتهج.
“ج… جلالتك!”
رفعت شهرزاد إصبعها إلى شفتيها وأومأت بهدوء لرئيس الخدم كإشارة للصمت.
ثم مشت على أطراف أصابعها نحو ظهر إليوت وعانقته من الخلف.
فظرب إليوت غضبا شديدا:
“من هذا؟!”
لكنه حالما رأى وجهها، خفف من غضبه وخفض صوته:
“إنّها أنتِ .”
عندما رأى رئيس الخدم تغير الأجواء حول الملك، خرج بسرعة إلى الخارج.
“يبدو أنك لست في مزاج جيد، عزيزي.”
عبثت شهرزاد بأزرار قميص إليوت.
كان وجهها الباسم جذابا.
تقبل إليوت خدمتها بطبيعة الحال وهو يخلع ثيابه.
أصبح وجهه أهدأ بكثير مما كان عليه قبلا.
“ليس جيدا ابني الثاني يسبب لي المشكلات.”
“أتني أميرك الثاني، ذاك الذي قيل إنه يشبهك كثيرا؟”
“نعم.”
تنهد إليوت.
“وماذا في ذلك؟ مهما طالت فترة صحتك وبقائك على هذا العرش، سيكون كل شيء على ما يرام.”
لم تنطق شهرزاد إلا بما يريد إليوت سماعه.
“نعم، نعم، صدقتِ لكن… إلى متى يمكنني البقاء على هذه الحال؟…”
عكس عبوس إليوت انشغاله بالهموم.
عندها مدت شهرزاد إصبعها السبابة ومسحت بلطف على جبينه العابس.
“يثور النبلاء جميعا مطالبين بتعيين ولي العهد سريعا كيف يمكنني التعامل مع هذا؟”
“لماذا تقلق هكذا؟ إذا كان الداخل مضطربا، فشتت انتباه الناس نحو الخارج.”
“كيف؟”
نظر إليوت إلى شهرزاد.
“ألست ملك هذه المملكة؟ أهناك ما لا تستطيع فعله؟ وأيضا، إرفعني في المنصب سريعا كما أخبرتك سابقا سأحقق لك السكينة في قلبك.”
“أرأيت؟ أنتِ دائما معك الحل أنتِ وحدك.”
حك إليوت وجهه على صدر شهرزاد.
“بالتأكيد.”
إليوت الأعمى بالحب، لم يشك ولا لحظة في كلمات شهرزاد وآمن بها إيمانا راسخا.
لقد صدق أن تصديق “أم الأرض” ستمنحه الخلود.
بالطبع، كان ذلك مبالغا فيه.
كانت شهرزاد كاهنة طموحة.
لديها حلم عظيم: الانتقام لسلب أراضي قبيلة “هاز” قبل مئات السنين، ونشر أم الأرض في “فالوا”.
على الجانب الآخر، كان لـ شهرزاد سبب شخصي لإسقاط إليوت: الانتقام لأمها “لويز”.
قبل سنوات قليلة، خرج إليوت للصيد قرب أراضي قبيلة هاز، لكثرة طراد الصيد هناك.
أطلق إليوت سهما على لويز التي كانت تصلي في تلك الناحية، مخطئا فيها ظنا أنها حيوان.
بعد أن أصيبت بالسهم، فقدت لويز وعيها، واستفاقت بعد ثلاثة أيام.
لكن إليوت كان قد عاد إلى فالوا منذ زمن.
حاولت لويز الغاضبة أن تقدم احتجاجا إلى فالوا، لكن زعيم القبيلة ثبطها.
قال إنه لا يمكنهم الاحتجاج على دولة عظمى مثل فالوا لأمر تافه كهذا.
كانت مأساة دولة صغيرة ضعيفة.
لتزيد الطين بلة، أصيبت رجلها التي اخترقها السهم بالتهاب وأخذت تتعفن.
كانت لويز تتمزق ألما كل ليلة.
“يا شهرزاد، انتقمي لأمك أتوسل إليك.”
في النهاية، أطلقت لويز نفسها من على جرف، منتهية حياتها المأساوية.
تذكرت شهرزاد وصية أمها.
ماذا قال لها الرجل الذي جاء لبحثه؟
ألا تريدين الانتقام؟
سؤال غبي!
أمسكت شهرزاد بيد الرجل دون تردد وعبرت الحدود.
كانت مهمتها التي أخبرها بها الرجل هي أن تقع في نظر الملك.
بتمثيلها دور المرأة البائسة التي وقعت في مصيدة صيد القصر ببراعة، استطاعت شهرزاد بسهولة الدخول إلى القصر الرئيسي.
ومنذ ذلك الوقت، سار كل شيء كالعاصفة.
كيف لأحمق مثله أن يحكم كملك؟
كان هذا سؤالا حير شهرزاد.
بالطبع، بسبب هذا، استطاعت إسقاط إليوت دون كثير من الجهد.
نظرت شهرزاد إلى إليوت الذي كان قد أغمض عينيه براحة تحتها وابتسمت.
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 38"