وقف الخادم يحدّق فيها بدهشة، كما لو كان ينتظر رأيها في الهدية.
“ما هذا… ولماذا أُرسلَ هذا…”
“ماذا تريدين أن أبلغ الأمير؟”
“سأخبر الأمير بنفسي يمكنك الانصراف الآن.”
لماذا، بحق السماء، أرسل تلك اللوحة؟
قامت تيريز، لأول مرة ذلك اليوم، بزيارة مكتب دينيس.
“سموّ الأميرة في انتظارك.”
كان دينيس في غمرة مراجعة بعض الأوراق مع سيلبانغ.
رفع رأسه باستغراب عند سماع كلمات الخادم.
“زوجتي ؟”
“نعم، سيدي.”
“دعها تدخل.”
نزع دينيس نظارته ووضعها فوق المكتب.
كان تعبير وجه تيريز عند دخولها المكتب غير عاديٍّ على الإطلاق.
عند رؤية وجهها، أدرك سيلبانغ أن شيئًا ما على وشك الحدوث، فغادر الغرفة بسرعة.
ملأ الصمت الغرفةَ بعد رحيل سيلبانغ.
“زوجتي العزيزة ما الأمر؟”
“وما الذي تظنُّ أنه الأمر، سيدي الأمير؟”
“……”
مرر دينيس يده على جبينه دون أن ينطق كلمة.
“حسنًا… لأنكِ اشتقت إليّ؟”
“قطعًا لا.”
أطلقت تيريز صوتًا ازدرائيًّا من أنفها.
“ستفهم قصدي إذا ذكرتُ اللوحة.”
“آه. أظنُّ أن العمل الفني وصل اليوم.”
نظر دينيس إلى تيريز وهو يبتسم ابتسامة عريضة صافية.
“لا حاجة للهدايا خذها معك.”
“ولمَاذا؟”
“لا أريد عملاً فنّيًّا يرمز للخصوبة.”
“……”
“أحقًّا ظننتَ أني سأحبُّ ذلك العمل؟”
“ظننتُ أنكِ ستحبينه لأنكِ كنتِ تحدقين فيه باهتمام… يبدو أنني أسأتُ إليك.”
“……”
“أعتذر.”
انطلقت كلمات الاعتذار من فمه ببساطة.
إنه سموُّ الأمير الجليل.
“……”
“لمسيءٌ حقًّا أن أستعيد أول هدية أقدّمها لزوجتي.”
غطى دينيس عينيه بيده متظاهرًا بالحزن.
قالت تيريز بصوت حازم:
“لا تُضِفْ معاني لا وجود لها عمليًّا، ليست الأولى ألا ترسلُ لي مجوهراتٍ في عيد ميلادي كل عام؟”
“لم أكن أعرف أنكِ تعتبرينها هدايا حقيقية أمر بها مستشاري، وتستلمها خادمتك، أليس كذلك؟”
“……”
“لم أُلقِ لها نظرةً حتى، تلك الهدايا المنسوبة إليَّ.”
كان كلام دينيس صحيحًا.
كانت هذه أول هدية يقدمها لها منذ بداية حياتهما الزوجية.
وهو الذي قام بتحضيرها بنفسه.
“تيريز ألم يكون من الأفضل لو قلتِ لي شيئًا؟”
“عن ماذا أتحدث، سيدي؟”
ردت تيريز باستفهام.
“كان عليكِ أن تقولي ولو كلمةً واحدة، أثناء ثرثرة المرشد، أنكِ لا تريدين رؤية لوحةٍ كهذه.”
“……”
“كيف لي أن أعرف ما لم تُخرجيه من فمكِ؟”
بدا كلامه وكأنه يلوم تيريز.
“……”
في تلك اللحظة، لم تستطع تيريز الرد.
كيف يمكن للأميرة أن تتلفظ بمثل تلك الكلمات؟
“أنا أميرة، كيف أتلفظ بمثل تلك الكلمات؟”
لقد أغلق وأعمى الحياةُ في القصر فمَها وأذنيها.
رغم أنها بدأت بتحمُّل ذلك.
كانت أفعالها وأقوالها مقيدة دائمًا.
إذا ما قالت أو فعلت شيئًا مختلفًا عن المعتاد، سرعان ما تصبح طعامًا للنميمة.
“……”
شعرت أنه لو فتحت فمها مرة، فلن تستطيع التوقف.
وكأن كل المشاعر المتراكمة ستندفع مرة واحدة.
لذا، ازدادت إحكامًا لإغلاق فمها.
نهض دينيس من خلف المكتب ووقف أمامها.
انحنى ليواجه عينيها.
“انظري أنتِ الآن أيضًا لا تقولين شيئًا.”
“… وأنت أيضًا لديكَ الكثير مما لا تقوله، سيدي الأمير.”
ردت تيريز بصعوبة على كلامه.
“حسنًا. هذا صحيح.”
اعترف دينيس وهو يمد ظهره الذي كان منحنيًا.
ثم نثر خصلة شعر عن جبينها.
“إذاً، سأحاول أن أتحدث إليكِ أكثر في المستقبل، وعليكِ أنتِ أيضًا أن تتحدثي إليَّ، هاه؟”
كان ينظر إليها من فوق ويبتسم بسعادة مثل فتى.
لقد أتت بغضب، ولكن لسبب ما، لم تستطع أن تغضب بمجرد رؤية ذلك الوجه.
أرادت أن تسأله: ما قصدك من إهدائي؟ هل أهديتني تلك اللوحة لأنكِ تتطلع لإنجاب طفل؟ كم دفعتَ ثمناً لها؟ كل تلك الأسئلة التافهة.
“ستفعلين، أليس كذلك؟”
عندما تنظر في عينيه فقط، تشعر وكأن كل لغات العالم تختفي.
“نعم. سأفعل.”
لم يكن لديها خيار سوى الموافقة.
“ممتازة.”
ربت على رأسها وهو يبتسم.
“… أريد أن أردَّ الجميل أيضًا، سيدي الأمير.”
في النهاية، كان عليها أن تلفظ تلك الكلمات.
ستستطيع إهداءه العطر الذي ظنت أنها ستحتفظ به للأبد في الدرج، كهدية مقابلة.
“ماذا؟”
“الهدية…”
“تقولين أنكِ أعددتِ لي هدية؟”
أجاب متظاهرًا بالدهشة.
“نعم. أريد أن أقدمها لك الليلة، في غرفتي… هل ستأتي؟”
رغم أن مجيئه إلى غرفتها كان أمرًا بديهيًّا كالتنفس، إلا أنها شعرت بإحراج غريب عندما حاولت دعوته.
“أوه.”
ابتسم دينيس وكأنه أدرك ما تشعر به.
“يُشَوِّقني الأمر سأكون هناك الليلة.”
“حسنًا. سأذهب الآن.”
في اللحظة التي استدارت فيها تيريز للمغادرة، قال:
“هاه. هكذا فقط؟”
“ماذا؟”
“تقولين أنكِ ذاهبة هكذا فقط؟ آه، أظن أنه كان عليَّ أن ألتقط صورة تذكارية. لليوم الذي جاءت فيه زوجتي إلى مكتبي.”
“……”
“ليس لدي كاميرا الآن، لذا سأعطيكِ هدية بدلاً من ذلك.”
“ماذا…”
عندما فتحت تيريز فمها للاعتراض، تقدم دينيس خطوة أخرى تجاهها.
أصبحت المسافة بينهما أقل من شبر.
أغلقت تيريز عينيها دون وعي.
أطلق دينيس صوت ضحكة خفيفة، وكأنه أدرك ما كانت تتوقعه.
“على الطفلة التي قامت بعمل جيد أن تحصل على هدية.”
أمسك دينيس بيد تيريز، وفتح كفها.
ثم وضع شيئًا فوق راحتها.
كانت حلوى.
ثلاث قطع بحجم الأظفر.
“يجب أن تأكلي واحدة فقط يوميًّا. حتى لا تتسوس أسنانك. الآن، يمكنكِ الذهاب.”
“……”
“ماذا تفعلين؟ لم تذهبي بعد.”
شعرت تيريز بأنه خدعها تمامًا.
لم تَشْرَبْ تيريز النبيذ الذي أخرجته، بل حدقت في الباب فقط.
سيحين وقت مجيئه قريبًا.
كلما تذكرت فجأة ما حدث لها معه في النهار، ارتبك قلبها.
شعرت تيريز بالخجل من نفسها لأنها أغمضت عينيها في تلك اللحظة، وتمنَّت لو تختبئ.
بالإضافة إلى ذلك، ما هذا التعامل وكأنها طفلة؟
يبدو أنني أنا الغبية.
ضحكت تيريز على وضعها الداخلي في سخرية.
لماذا أقع دائمًا، بلا حولٍ ولا قوة، في حبّ ذلك الرجل؟
ثم سمعت صوت خطواته.
نهضت تيريز وتوجهت نحو الباب.
عندما فتح دينيس الباب، وجدها واقفة أمامه.
ابتسم لها وكأنه سعيد برؤيتها.
“هل أتيتِ لاستقبالي؟ هذا لطيف منكِ.”
دخل وهو يتمايل قليلاً، وجلس على الأريكة التي يجلس عليها دائمًا.
كان الطقس يزداد برودةً تدريجيًّا، لكنها كانت لا تزال تترك النافذة مفتوحة.
نظر إلى الستائر المتمايلة وقال:
“الليالي أصبحت باردة الآن، تيريز من الأفضل أن تنامي والنافذة مغلقة.”
“حسنًا.”
وافقت تيريز دون أي اعتراض.
“ما الخبر؟ توافقين بسهولة اليوم هذا جيد.”
“توقف عن قولي إنني جيدة، سيدي الأمير.”
كانت هذه هي المرة الثانية بعد الظهيرة.
“ماذا؟”
“أنا لست طفلة.”
“آه، أليست زوجتي طفلة؟”
رد دينيس وكأنه يسمع ذلك لأول مرة.
كان يتصرف وكأنه يمازحها كما هي عادته.
لم ترد تيريز.
“رأيتكِ مرات عديدة، لكنكِ تبدين كطفلة كان ذلك في سكوني، أليس كذلك؟… هناك، كنتِ حقًّا كطفلة حقًّا.”
جعلها كلامه تتذكر الأحداث التي وقعت في سكوني.
سقوطها في النهر أثناء الصيد، وإصابتها بنزلة برد…
ردت تيريز، وقد احمرّ وجهها، على كلامه:
“لا، سيدي الأمير. قطعًا، أنا لست…”
“إذاً، ما عليكِ سوى أن ترييني أنكِ لستِ طفلة، هاه؟”
“كيف…”
“تيريز لكن، أين الهدية؟”
“سأقدمها لك الآن.”
نهضت من السرير، وأمسكت برداء النوم المعلق بشكل عشوائي على ظهر السرير وارتدته.
ثم أحضرت الهدية.
قدمتها تيريز له وكأنها شيء تافه.
“إذا لم تعجبك، يمكنك رميها.”
“أتطلبين مني رمي أول هدية تقدمينها لي؟ لست قاسيًا إلى هذا الحد إلا إذا كنتِ زوجتي.”
رفع جذعه واستند إلى ظهر السرير، وبدأ في فتح غلاف الصندوق الصغير.
وقفت تيريز أمامه، تحدق في رد فعله.
تحركت ذراعه ذات العضلات المتناسقة، وفك الرباط الصغير للصندوق بحذر.
رفع قارورة العطر.
كان السائل يتأرجح بداخلها.
“شكرًا، زوجتي، هل يمكنني رشّه الآن؟”
“نعم.”
عندما رش العطر، انتشرت رائحة مثيرة في غرفة النوم.
“هل فكرتِ بي عندما شممتِ هذه الرائحة؟”
“… نعم ظننت أنها ستناسبك.”
لم تذكر عبارة “لأنها تناسبك في الليل”.
“تعالي إلى هنا، تيريز.”
ناداها بعد رش العطر.
كان صوته العميق جميلاً.
“لنقم بالإحتفال بمناسبة رش العطر.”
يوم خطوبة فابريس.
شكّت تيريز فيما إذا كان فابريس، الذي أُعيد إلى القصر البارحة، سيظهر بمظهر لائق.
رغم أنها خطوبته الثانية، إلا أنها لم تستطع فهم نوايا الملك الذي أجرى حفل الخطوبة في “قاعة القمر”.
“يبدو أنه يعتز به إلى حد كبير.”
قالت تيريز متنهدة، وكأنها تحدث نفسها.
لقد بقيت محتجزة مع دينيس حتى الفجر، ولم تنم جيدًا.
والآن عليها أن تجلس لتتزين طوال الليل، فشعرت بأنها ستموت من التعب.
كل ما تريده تيريز هو الاستلقاء والراحة.
“ماذا تقصدين، سموّ الأميرة؟”
“أتحدث عن قاعة القمر.”
عندها، قطبَت دانييل، التي كانت تخدمها، جبينها باستياء.
يبدو أنها أيضًا لم تستطع فهم الأمر.
“ربما يحتاجون لتلميعه وتقديمه وكأنه جديد، لأنه مُستعمَل.”
كانت ملاحظة لاذعة.
لم تستطع تيريز كتم ضحكتها على كلام دانييل.
“قد يكون كلامكِ صحيحًا فكلما كان الغلاف مبهرجًا، كلما كان المحتوى سيئًا.”
من ناحية أخرى.
كان فابريس يدير رأسه وهو يغير ملابسه ليرتدي بدلة الصباح.
كان هناك أكثر من شيء لا يعجبه.
بشرته الباهتة لأنه لم ينم جيدًا منذ أيام، وجسده المليء بالجروح رغم محاولة إخفائها بالملابس، وحقيقة أنه يجب عليه خطبة الفتاة التي هاجمته.
هل يجب أن أخبر والدي جلالة الملك بالحقيقة؟
أن خطيبتي المستقبلية جلدتني بالسوط؟
هز فابريس رأسه.
حتى بعقله، بدا أن هذا ليس شيئًا يجب فعله.
بعدما بالكاد تم احتواء حادثة زافيير السابقة، إذا أعلن عن مشكلة جديدة الآن…
عند وصوله إلى القصر البارحة، كان خادم والده جلالة الملك ينتظره بتعبير يكبح الغضب.
قال له فابريس: “لقد شعرت بالارتباك قبل الخطوبة، فذهبت لأستنشق بعض الهواء”.
فرد الخادم قائلاً:
“هل كل ما نُشر في الصحف صحيح؟”
حاول فابريس تقديم أعذار.
لكن الخادم الذي خدم الملك حتى قبل ولادة فابريس، شَوَّه وجهه في النهاية وقطع كلامه.
“جلالته غاضب جدًا يرجى ضبط النفس، سموّ الأمير.”
“……”
ذهب الخادم دون حتى انتظار رد فابريس.
إذا بدا أن الخادم الذي غادر دون الاستماع لكلامه، كان كوالده جلالة الملك الذي أعطاه ظهره للأبد، فهل كان ذلك مجرد وهم؟
غمرته موجة من الغضب والقلق، فقام بإخراج كل الخمور من الخزانة وشربها حتى الثمالة.
رغم أن يوم الغد كان يوم خطوبته.
حاول فابريس، بعقل غير صافٍ، أن يحصي أولئك الذين يدينون له.
البارون باربييه الذي ضربه من الخلف واختفى، وأولئك الذين نشروا الفضائح في الصحف، وجيزيل لوماكسين التي جلدته بسوط وهو لم يُضرب من قبل.
حاول أن يتتبع أصل كل هذه الأحداث.
منذ ذلك الحين.
منذ اليوم الذي انتشر فيه خبر نزهته مع زافيير الخارجية.
كان فابريس مقتنعًا تمامًا أن ماركيز إنجيلغر كان وراء الأمر.
تذكر فابريس اللقاء الذي جمعه بالماركيز في ممر القصر.
“مرحبًا، سموّ الأمير يا له من وقت طويل.”
حياه الماركيز بابتسامة مرنة.
لم تكن علاقته بالماركيز وديّة لدرجة تبادل التحيات الحارة.
ومع ذلك، اقترب منه الماركيز بتعابير ودودة.
فكر فابريس في تجاهله، لكنه أومأ برأسه وقبل التحية.
“سمعت أنك ستخطب مرة أخرى أهنئك سموّ الأمير.”
“شكرًا لك.”
عندما حاول فابريس تجاوز الماركيز بعد التحية، ناداه الماركيز من خلفه.
“هذه المرة، أتمنى أن تستمر، سموّ الأمير يجب أن تعيشا حتى الشيخوخة معًا.”
ألم يقل ذلك ثم أبتسم ابتسامة عريضة وأختفى؟
تفسَّر فابريس تلك الكلمات باعترافٍ من الماركيز بأنه كان المسؤول عن فض خطوبته من دوبوا.
وإلا فلماذا؟
اجتاحه فجأة غضب لا يُحتمل.
كانت أطراف أصابعه ترتعش.
لم تكن رؤيته واضحة.
تقطَّب وجه فابريس.
سأقتله.
(يتبع في الفصل القادم)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 37"