ما إن خلعت ثيابها وارتدت فستانًا آخر وجلست إلى مكتبها في غرفة العمل، حتى دخلت دانيال حاملة الشوكولاتة والقهوة.
رفعت تيريز رأسها من بين الأوراق لترحب به.
“شكرًا لكِ.”
“سمو الأميرة أتسمحين لي بسؤال وقح؟”
“ما هو؟”
حوّلت نظرها نحوه.
“لمَ طلبتِ منّا أن ندع الأمر يمرّ؟”
بدت غاضبة لِما حدث، وما زال غضبها مشتعلًا، فنظرت إليها مباشرة وهي تتحدث.
“شكرًا لاهتمامكِ بي لكن حتى لو ثرتُ هناك وتمكنّا من القبض على الجاني، فلن يساعد ذلك سمو الأمير في شيء إنه مجرد تضييع للوقت إذا استطعنا من خلال هذا أن نرفع نسبة دعم سمو الأمير ولو قليلًا، فلا أطلب أكثر من ذلك.”
“ألهذه الدرجة؟!”
ردت دانيال وكأن كبرياءها قد جُرح من كلامها.
“ألستُ أفعل ما هو أشد من ذلك الآن؟ طالما استطاع سمو الأمير الصعود إلى العرش، فلا يهمني حتى لو عُلّقت رقبتي على سور المدينة.”
“أن تُعلّقِ رقبتك؟! لا تُتفوهِ بمثل هذه الكلمات. أعرف جيدًا مشاعرك العميقة يا سمو الأميرة لكن…”
“يكفي هذا. سأشرب القهوة، يمكنك الانصراف الآن.”
“… حسنًا.”
غادرت دانيال دون أن تنطق بكلمة بعد أن وضعت الصينية.
***
عندما عاد دينيس بعد تسليم الطفل لوالديه بسلام، اكتشف أنها اختفت.
“……”
لم يحدث شيء ذو أهمية خلال خروجه من جناح الدعم، سوى التقاط بعض الصحفيين لصورته عند مواجهتهم له عند المخرج.
أبلغته خادمتها وفارس الحراسة اللذان كانا ينتظرانها عند المدخل:
“سمو الأمير عادت سمو الأميرة إلى القصر بسبب تعرّضها لهجوم من الحشود وطلبت أن نبلغ سموك بأنها تشعر بالأسف.”
“أي هجوم؟”
“لقد ألقوا فطيرة باتجاه سموها…”
انحنت الخادمة برأسها.
“شكرًا لإعلامي.”
نظر دينيس خلفه.
كان الناس يتجولون في المعرض ويستمتعون بوقتهم، ضاحكين مسرورين.
في لحظة، بدت له وجوه الناس مشوّهة.
سأل دينيس خادمتها بنبرة حنونة:
“هل يظنون أننا سننفصل؟”
تلكّأت الخادمة قليلًا قبل أن تجيب: “لا”.
علقت ابتسامة على شفتي دينيس.
“أم أنهم يرونني وحشًا يتخلّى عن زوجته لأنها لا تنجب أطفالًا؟”
“مطلقًا لا.”
نفت الخادمة بقوة.
“مطلقًا لا، سمو الأمير.”
أجابت مرة أخرى كأنها تؤكد.
نظر دينيس حوله.
ما زال الناس يلتفتون نحوه ويتطلعون إليه بفضول.
ما زالوا مهتمين به.
أولئك الذين يمدحونه أمامه ويلعنونه خلف ظهره، أولئك الذين قد ينقلبون في أي لحظة…
أصابه القرف من مشهدهم هذا.
كاد يصرخ من شدة المشاعر التي كبتها.
كانت العيون الكثيرة تراقبه.
بدلًا من ذلك، توقف وهدّأ من نفسه ومسح شعره للخلف.
“سيلبانغ.”
“نعم، سمو الأمير.”
نادى دينيس على سيلبانغ قائلًا:
“هل يمكنك استدعاء ضابط شرطة؟”
انطلق سيلبانغ ينفذ أمره.
كان لديه مكان آخر ليذهب إليه.
توقف دينيس أمام الباب المألوف.
ستكون زوجته خلف ذلك الباب.
على الرغم من أنه أسرع إليها قلقًا عليها، إلا أنه – وبسخرية من الأمر – وقف مترددًا أمام الباب.
لأن سبب مجيئه إلى تيريز لم يكن واضحًا.
ألم يتجاهل كل ما فعلته طوال هذا الوقت؟
لأنه اعتقد أن كل شيء هو من مسؤوليتها.
الألم والحزن على حد سواء.
لكن محاولته لمواساتها بعد أن قرر تحمُّل المسؤولية، أهي بدافع الشفقة؟ أم بدافع الإحساس بالمسؤولية…
لو لم يفتح هذا الباب وانسحب الآن، فلن تكون هناك أي مشكلة.
ومع ذلك، فإن سبب تردده المتكرر…
“……”
رفع دينيس يده نحو مقبض الباب ثم خفضها، وكرر ذلك.
لاحظت تيريز وجود شخص يتجول خارج الباب، فنادت:
“دانيال؟ ادخلي.”
دخل دينيس، الذي كان يتلمس مقبض الباب فحسب، إلى الغرفة.
يبدو أنها ظنّت أنه خادمتها، فبدت عليها علامات الدهشة عندما رأته.
“لماذا أنت هنا في هذا الوقت…”
ظنّت تيريز أنه أتى ليسأل عن سبب اختفائها المفاجئ، فأسرعت في تقديم العذر.
“آه… حدث حادث بسيط فعدت مبكرًا، سمو الأمير.”
كانت المرأة تعمل كالمعتاد.
أجابها ببرود:
“حسنًا.”
“هل أنت متعب؟”
“لا، وأنتِ؟”
“أنا بخير.”
“كيف حالكِ؟”
اقترب دينيس وأسنَذ ظهره إلى مكتبها الجالسة إليه، ثم أرخي ربطة عنقه التي كانت تخنقه.
بعد ذلك واجهها بنظره.
بدت المرأة الجالسة أصغر حجمًا اليوم.
أدارت تيريز كرسيها لتنظر إليه.
“… لا أعرف.”
“هل نمتِ جيدًا الليلة الماضية؟”
لم تستطع تيريز فهم سياق كلامه.
أن يسألها في وقت متأخر بعد الظهر إن كانت قد نامت جيدًا.
“كنتُ كالمعتاد.”
“ومزاجكِ؟”
التقط دينيس، وهو يقول ذلك، قطعة شوكولاتة من على مكتبها ووضعها في فمه.
انتشرت نكهة الشوكولاتة المُرّة في فمه.
“… بخير، لمَ تسأل؟”
“لو كنتِ لا تبلي حسناً… فكّرت أن أساعدكِ.”
مسح دينيس الشوكولاتة العالقة بأصابعه بالمنديل بخشونة، ثم بدأ يلعب بخصلة شعر عند صُدغ المرأة.
لم يعرف طريقة أخرى لمواساتها سوى هذه. الطريقة التي واسَتْه بها حين كان منكسرًا.
احمرّ وجه تيريز للحظة.
“أوه؟ هل تحتاجين للمساعدة؟”
“هنا…”
رفع دينيس تيريز الجالسة على الكرسي بسهولة ووضعها على المكتب.
تَجعّدت الأوراق تحت المرأة.
تمايلت قدمها الصغيرة في الهواء.
“انتظر لحظة، الأوراق…”
حاولت تيريز، التي بدت مرتبكة، إزالة الأوراق العالقة تحتها بسرعة.
نظرت إلى الأوراق المطوية وتنهدت بحسرة.
رأى دينيس تصرفها فقال بنبرة لعوبة:
“أهذا العمل مهمّ إلى هذه الدرجة؟ أكثر منّي أنا الذي أقف هنا؟”
أمسك دينيس بخصلة من شعر تيريز الذهبي ورفعها، ثم وضع قبلة خفيفة كما لو كان يترك علامة.
كأولئك الرجال الذين يغازلون النساء في الشوارع.
“هل تخرجين معي الليلة؟ أعرف مكانًا جيدًا.”
ضحكت تيريز بصمت على ملاعبته.
وضع دينيس رأسه قرب صدر تيريز وعانقها بخفة.
عندها، بدأت تيريز دون أن تشعر بتدليل شعر دينيس الناعم الملمس.
انزلق شعره الناعم بين أصابعها.
كان صوتها، الذي كان خافتًا، يبدو الآن منشرحًا قليلًا.
“لن أستطيع، فأنا امرأة متزوجة بالفعل.”
فقال دينيس بنبرة مبالغ فيها:
“أوه! لا يمكنني ترك امرأة جميلة مثلكِ وشأنكِ.”
قام دينيس بتقبيل ظهر يد تيريز بخفة.
عندما لامست شفتاه الناعمتان يدها، شعرت تيريز بدغدغة في قلبها.
“لمَ لا تتبعين قلبكِ؟ أنتِ منجذبة لي أيضًا، أليس كذلك؟”
“……”
***١
{سمو الأميرة. أتساءل إن كنتِ بصحة جيدة في هذا الطقس البارد الذي حلّ فجأة. أنا بخير. جميع أهل القصر يحبونكِ وهذا يسعدني جدًا. الجميع يودّ رؤية سموكِ. سأعدّ الأيام بفارغ الصبر حتى يحين اليوم الذي أقدمهم فيه لسموكِ.}
ابتسمت تيريز وهي تقرأ الرسالة المشفرة التي وصلت من فانتين.
يبدو أنها دخلت قصر دوق برييم بنجاح وأنهت مهمتها.
ستبدو كرسالة عادية للاطمئنان في نظر الآخرين.
كانت هناك يومان فقط على حفل خطوبة فابريس.
بدا فابريس، الذي استعاد وعيه بالأمس بصعوبة، مضطربًا في مكان ما.
‘أين هذا المكان؟ اللعنة، ألستم متواطئين معها أيضًا؟’
أثار ضجة كبيرة، فلم يكن من خيار سوى حبسه في غرفته.
يبدو أن الصدمة النفسية التي تعرض لها كانت كبيرة.
بعد أن هدأ أخيرًا وافق على الحديث، فاعترف بأن جيزيل جلدته.
عندما سمعت تيريز بهذا الخبر، أمرت بأن يعالج ثم يُعاد إلى القصر غدًا.
في مثل هذا الموقف، كان من المتوقع أن تتصل بها جيزيل، لكن الأمور سارت بهدوء.
عزّزت تيريز الحراسة من حولها، لكنها عاشت حياتها كالمعتاد.
“سمو الأميرة. هذه دانيال.”
“ادخلِ”
دخلت دانيال وقالت :
“نُشرت أخبار عن سمو الأمير في المعرض العالمي إحداها هي الخبر الذي ذكرتِه سموكِ، والأخرى… أعتقد أن عليكِ رؤيتها بنفسك.”
“عن ماذا؟”
قرأت تيريز المقالة التي سلّمها إياها دانيال.
كانت مقالة تحكي قصة حسنة عن دينيس في المعرض العالمي، حيث وجد والدي طفل ضلّ طريقه.
أما المقالة الأخرى، فكانت غير متوقعة.
كانت عن القبض على الشخص الذي ألقى فطيرة الكريمة عليها.
“لماذا هذا…”
واصلت تيريز قراءة المقالة.
“… سيتعرض الجاني للعقاب بتهمة الاستهزاء بالعائلة المالكة لكن نظرًا لأنها جريمته الأولى ولديه عائلة، فمن المتوقع أن يُعاقب بغرامة مالية.”
“عقاب؟”
“نعم. يبدو أن سمو الأمير أمر بالقبض على الجاني ومعاقبته.”
“……”
وضعت تيريز رأسها بين يديها.
فتحت إيلي باب غرفة عمل تيريز على عجل.
“ما الخطب؟”
“من الأفضل أن تخرجي لترين.”
نهضت تيريز من مكانها وتبعتها إيلي.
“ما هذا…”
كان العمال يضعون شيئًا كبيرًا ملفوفًا بقماش.
“ما هذا؟”
“لوحة. أرسلها سمو الأمير.”
أجابها الخادم بعد أن انحني لها بأدب.
“أرسل لي سمو الأمير… لوحة؟”
كرّرت تيريز كلام الخادم كصدى، لأنها لم تستوعب الكلام بسهولة.
“نعم، سمو السيدة. قال سمو الأمير: ‘أرسلتها إليكِ لأنكِ أحببتها’.”
“شكرًا لك. افتحها لأرى أي لوحة هي.”
عندما أمرت تيريز، كشف العمال القماش الذي كان يغلف اللوحة.
التعليقات لهذا الفصل " 36"